إسرائيليات

المزراحيون في إسرائيل.. من التهميش التاريخي إلى اختبار رئاسة الحكومة

Case

2026-10-24 08:04

Copy Link

الأراضي المحتلة الفلسطينية - البعد الرابع (4dPAL)

أعادت إهانة المذيع اليميني الإسرائيلي ينون مغال للسياسي غادي آيزنكوت، ووصفه بـ"القرد" وربطه بنفوذ نخب أشكنازية تقف خلفه، النقاش حول التمييز العرقي داخل المجتمع الإسرائيلي إلى واجهة المشهد السياسي، قبل أيام من الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.

ولم تتوقف أصداء التصريح عند حدود السجال الانتخابي، إذ أعاد تسليط الضوء على الانقسام التاريخي بين اليهود المزراحيين، المنحدرين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واليهود الأشكناز ذوي الأصول الأوروبية، وعلى سؤال ظل حاضرًا منذ قيام إسرائيل: من يملك النفوذ الفعلي في مؤسسات الدولة، ومن يحدد ملامح النخبة السياسية والثقافية والاقتصادية؟

وتكتسب القضية أهمية إضافية مع صعود آيزنكوت، رئيس حزب "ياشار" ورئيس الأركان الإسرائيلي السابق المنحدر من عائلة مغربية، بوصفه منافسًا بارزًا لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وإذا وصل إلى المنصب، فسيكون أول رئيس حكومة إسرائيلي من أصول مزراحية، وفق تقارير إعلامية.

انقسام يتجاوز الأصول العائلية

تعود جذور التفاوت بين المزراحيين والأشكناز إلى العقود الأولى من تأسيس إسرائيل، حين وصلت أعداد كبيرة من اليهود القادمين من الدول العربية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ورغم التحول الديمغرافي الذي أحدثته هذه الهجرات، بقيت مراكز رئيسية في السياسة والاقتصاد والأكاديميا والثقافة خاضعة إلى حد كبير لنفوذ النخب الأشكنازية.

وتشير دراسات تاريخية إلى أن المزراحيين واجهوا أشكالًا من التمييز في التمثيل السياسي وفرص العمل والتعليم ومستويات الدخل، كما استقر كثير منهم في مناطق جغرافية مهمشة نسبيًا؛ وأسهمت هذه الفجوات في تكوين شعور بالاستبعاد، لم يقتصر على التفاوت الاقتصادي، بل شمل أيضًا المكانة الاجتماعية والاعتراف الثقافي.

وتحول هذا الشعور تدريجيًا إلى عامل سياسي مؤثر، خصوصًا مع اتساع قاعدة الدعم لحزب الليكود بين قطاعات من اليهود المزراحيين، الذين وجدوا في خطاب مناحيم بيغن، زعيم الحزب آنذاك، تعبيرًا عن رفض احتكار النخب التقليدية للسلطة.

من احتجاجات 1959 إلى زلزال انتخابات 1977

مثّلت احتجاجات وادي الصليب في حيفا عام 1959 إحدى المحطات المبكرة البارزة في التعبير عن الغضب من التمييز ضد اليهود المزراحيين. وفي العقود اللاحقة، برزت حركات اجتماعية وسياسية طالبت بإنهاء التفاوت في الفرص والمكانة، من بينها حركة "الفهود السود" في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

وفي عام 1977، ساهم التحول الكبير في التصويت لمصلحة الليكود في إنهاء هيمنة حزب العمل على الحكم. وشكّل دعم قطاعات واسعة من المزراحيين أحد العوامل المهمة في هذا التحول، إذ قدم بيغن نفسه باعتباره ممثلًا لفئات شعرت طويلًا بأن المؤسسة الحاكمة تنظر إليها باستعلاء.

وتجدد السجال حول التمييز في انتخابات عام 1981، عندما استخدم الفنان الإسرائيلي دودو طوباز تعبيرًا مهينًا بحق أنصار الليكود، ارتبط في الذاكرة السياسية بالازدراء الموجه إلى المزراحيين. واستثمر بيغن الواقعة للتأكيد على وحدة اليهود ورفض التمييز بينهم، في خطاب أصبح من المحطات الرمزية في تاريخ الانقسام الإثني داخل إسرائيل.

لكن صعود الليكود لم يؤدِ تلقائيًا إلى اختفاء الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، كما لم ينهِ الجدل بشأن مدى تمثيل المزراحيين داخل مراكز صنع القرار.

هل كسر المزراحيون الحاجز السياسي؟

على امتداد العقود الماضية، وصل سياسيون مزراحيون إلى مناصب وزارية وقيادية، وتوسعت مشاركتهم في الأحزاب الرئيسية، كما برزت أحزاب ذات قاعدة مزراحية، وفي مقدمتها حزب "شاس"، وتُظهر دراسات عن تشكيل الحكومات الإسرائيلية أن تمثيل المزراحيين في الوزارات ارتفع بمرور الوقت، وإن استمرت فجوات في بعض مواقع النفوذ.

غير أن الوصول إلى مناصب متقدمة لا يعني بالضرورة زوال التمييز أو إعادة توزيع السلطة بصورة متكافئة. فالسؤال لا يتعلق فقط بأصول المسؤولين، بل أيضًا بقدرتهم على التأثير في المؤسسات والسياسات، وبمدى انعكاس التمثيل السياسي على التعليم والدخل والفرص الاجتماعية.

وفي هذا السياق، تكتسب تجربة آيزنكوت دلالة خاصة؛ فهو لا يقدم نفسه أساسًا باعتباره مرشحًا لتمثيل جماعة إثنية بعينها، بل بوصفه بديلًا سياسيًا لنتنياهو، مستندًا إلى خلفيته العسكرية وصورته العامة ومسيرته المهنية. ومع ذلك، أصبحت أصوله المغربية جزءًا من المعركة الانتخابية، سواء عبر الهجوم عليه أو عبر توظيف حزبه لقضية التمييز في حملته.

إهانة آيزنكوت.. ماذا تكشف؟

خلال برنامج على القناة 14 الإسرائيلية، وصف مغال آيزنكوت بـ"القرد"، وقال إن نخبًا أشكنازية تقف خلفه وتوجه مواقفه. وأثارت التصريحات انتقادات واتهامات بالعنصرية، بعدما ربطت الإهانة صراحة بأصول آيزنكوت وبالنفوذ المفترض لمستشاريه.

وأدان نتنياهو التصريح ووصفه بأنه غير ملائم، لكنه دخل في سجال أوسع مع المعارضة بشأن ما اعتبره ازدواجية في التعامل مع الإهانات السياسية. في المقابل، رأى آيزنكوت أن المشكلة لا تقتصر على مغال، بل تتصل بمن يقف خلفه، في إشارة سياسية إلى الدائرة المحيطة برئيس الحكومة.

وتعيد الواقعة إلى الواجهة مفارقة في الخطاب السياسي الإسرائيلي: فبينما يستند الليكود إلى دعم قطاعات واسعة من المزراحيين ويقدم نفسه مدافعًا عن مصالحهم في مواجهة النخب التقليدية، تظهر بين الحين والآخر تصريحات من شخصيات قريبة من معسكره تُفسر على أنها انتقاص من المزراحيين أو من حقهم في تمثيل أنفسهم سياسيًا.

ولا تثبت الواقعة وحدها وجود توجيه من نتنياهو أو حملة منظمة ضد المزراحيين، لكنها تكشف استمرار حضور الانتماء الإثني في الصراع على الأصوات والشرعية السياسية.

هل تقود الهوية إلى تغيير فعلي؟

لا يمكن اختزال خيارات الناخبين المزراحيين في أصولهم العائلية، كما لا يصح التعامل معهم باعتبارهم كتلة سياسية واحدة. فالتوجهات الانتخابية تتأثر بعوامل متعددة، من بينها التدين والتعليم والوضع الاقتصادي والمواقف الأمنية والانتماء الحزبي.

وتشير دراسات عن التصويت في إسرائيل إلى أن الفوارق بين المناطق ذات الغالبية المزراحية وتلك ذات الغالبية الأشكنازية تتقلص عندما تؤخذ عوامل مثل التعليم والتدين في الحسبان. وهو ما يعني أن الهوية الإثنية تؤثر في السياسة، لكنها لا تفسر وحدها اختيارات الناخبين.

وقد تمنح خلفية آيزنكوت شريحة من ناخبي الليكود فرصة للنظر في خيار سياسي بديل من دون الشعور بأنهم يتخلون عن هويتهم أو يصطفون بالضرورة خلف النخب التي ارتبطت تاريخيًا بالتهميش. لكن تحويل هذا الاحتمال إلى تغيير في الحكم يتطلب أكثر من التعاطف أو الجدل حول الأصول؛ فهو يتوقف على نتائج الانتخابات وقدرة الأحزاب على تشكيل ائتلاف يحظى بأغلبية في الكنيست.

ما بعد الرمز

إذا وصل آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، فسيكون ذلك تحولًا رمزيًا مهمًا في تاريخ التمثيل السياسي للمزراحيين، لكنه لن يشكل، بحد ذاته، دليلًا على انتهاء التفاوتات أو تفكيك شبكات النفوذ المتراكمة.

فكسر الحاجز الإثني لا يُقاس فقط بأصول من يتولى المنصب الأعلى، بل بمدى اتساع فرص الوصول إلى مواقع القرار، وبالتغيرات التي تطرأ على الفجوات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وفي المحصلة، كشفت إهانة آيزنكوت أن الانقسام بين المزراحيين والأشكناز لم يتحول إلى صفحة من الماضي، رغم عقود من الاندماج وتداخل الأصول داخل المجتمع الإسرائيلي. ومع اقتراب الانتخابات، تتجاوز المسألة هوية المرشح إلى سؤال أعمق: هل تستطيع المنافسة السياسية تحويل التمثيل الرمزي إلى تغيير في بنية السلطة، أم أن صعود فرد من خارج النخبة التقليدية سيبقى استثناءً داخل منظومة أوسع؟

أقرأ ايضا