2026-09-03 09:48
في سبسطية شمال غرب نابلس، لم تعد المواجهة على الأرض منفصلة عن المعركة على التاريخ؛ فبينما تتعرض المنطقة الأثرية لأعمال حفر وتجريف وعبث، عادت القوات الإسرائيلية فجر الخميس إلى البلدة باقتحام عسكري تخللته مداهمات واعتقالات، في تطور يضع واحدة من أقدم المواقع التاريخية في فلسطين أمام مرحلة جديدة من التهديد.
وقالت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية إن السلطات الإسرائيلية تنفذ أعمال حفر وتجريف في المواقع الأثرية بسبسطية، تشمل إدخال آليات إلى محيط المدرج الروماني والعبث بمكونات الموقع والحفر فيه وسرقة آثاره، إلى جانب تعليق يافطات تحمل اسم "حديقة السامرة" داخل الموقع الأثري.
وترى الوزارة أن ما يجري لا يقتصر على أعمال ميدانية في موقع أثري، وإنما يمثل محاولة لتغيير معالم المكان وهويته وفرض وقائع جديدة عليه، مطالبة منظمة اليونسكو ولجنة التراث العالمي والمجتمع الدولي بالتدخل لحماية الموقع.
وتزداد حساسية القضية بسبب القيمة التاريخية لسبسطية؛ فالبلدة تضم آثارًا تعود إلى فترات تاريخية متعاقبة، من بينها بقايا المدينة القديمة والمدرج الروماني ومواقع أثرية أخرى جعلتها من أبرز المواقع التاريخية في الضفة الغربية.
وفي الوقت الذي أثارت فيه أعمال الحفر والتجريف ردود فعل فلسطينية، شهدت سبسطية فجر اليوم تطورًا أمنيًا جديدًا، إذ اقتحمت القوات الإسرائيلية البلدة برفقة تعزيزات عسكرية، وداهمت عددًا من المنازل، بالتزامن مع حملة اعتقالات، وفق مصادر محلية نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية.
ولم تكن سبسطية بعيدة عن الاقتحامات خلال الفترة الماضية؛ إذ شهدت البلدة عمليات عسكرية سابقة تخللها تفتيش منازل وإغلاق محال تجارية وانتشار مكثف للقوات، ما جعل الوصول إلى المواقع الأثرية وحركة السكان فيها جزءًا من واقع أمني متوتر.
وتقول الخارجية الفلسطينية إن الخطر لا يتعلق فقط بفقدان قطع أثرية، بل بما وصفته بمحاولة تغيير دلالات الموقع وطمس هويته التاريخية. وطالبت بمنع أي مشاريع من شأنها المساس بأصالته وسلامته، مؤكدة أن حماية التراث الثقافي جزء من حماية الوجود الفلسطيني نفسه.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه المخاوف الفلسطينية من استخدام المواقع الأثرية والسياحية في الضفة كجزء من سياسات الاستيطان والسيطرة على الأرض. وكان تقرير فلسطيني صدر في يوليو الماضي قد تحدث عن توظيف المواقع الأثرية والسياحة في خطط تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على مناطق في الضفة.
وبالنسبة لسكان سبسطية، فإن القضية تتجاوز الآثار المحفوظة خلف الأسوار؛ فالموقع الأثري جزء من المشهد اليومي للبلدة، ومن اقتصادها وذاكرتها وهويتها، وأي تغيير في طبيعة المكان ينعكس مباشرة على علاقة السكان بموقع ظل حاضرًا في حياتهم لأجيال.
وهنا تكمن خطورة ما يحدث: فإذا كان الاستيطان يغيّر شكل الأرض، فإن السيطرة على المواقع الأثرية يمكن أن تغيّر الرواية المرتبطة بها أيضًا.
وبينما تستمر أعمال الحفر والتجريف، وتعود الاقتحامات العسكرية إلى البلدة، تجد سبسطية نفسها أمام معركة مزدوجة؛ واحدة على الأرض التي يعيش عليها سكانها، وأخرى على التاريخ الذي تحمله حجارتها.
فالمسألة في النهاية ليست مجرد حجارة قديمة أو موقع سياحي؛ إنها محاولة للحفاظ على مكان يحمل آلاف السنين من الذاكرة، في وقت تتعرض فيه معالمه وسكانه لضغوط متزامنة.
