2026-09-03 08:20
في الوقت الذي تحولت فيه سماء الأردن إلى جزء من مشهد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، مع اعتراض صواريخ ومسيّرات إيرانية استهدفت مواقع أميركية في المملكة، تبدو الحسابات الأردنية أبعد من الخطر العسكري المباشر؛ فبالنسبة إلى عمّان، هناك تهديد آخر يتشكل على حدودها الغربية، وقد تكون تداعياته أكثر عمقًا واستمرارية من أي هجوم صاروخي.
المسألة تتعلق بالضفة الغربية واحتمال مضي إسرائيل في خطوات لضم أجزاء منها، وما قد يرافق ذلك من ضغوط على الفلسطينيين لدفعهم باتجاه الأردن؛ وهذا السيناريو لا تنظر إليه المملكة باعتباره تطورًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فحسب، بل كمسألة تمس أمنها واستقرارها وتركيبتها السياسية والاجتماعية.
وخلال الحرب الحالية، تعرض الأردن لهجمات إيرانية، كان جزء كبير منها موجهًا إلى قواعد ومنشآت أميركية داخل المملكة، فيما أعلنت السلطات الأردنية في مناسبات عدة اعتراض تهديدات جوية، حيث امتدت تداعيات المواجهة إلى المجال الجوي وحركة الطيران والاقتصاد.
لكن المفارقة التي تبرز في الحسابات الأردنية هي أن الصواريخ الإيرانية، رغم خطورتها المباشرة، لا تحمل بالضرورة السيناريو الذي تخشاه عمّان على المدى الطويل: موجة نزوح فلسطينية واسعة من الضفة الغربية إلى الأراضي الأردنية.
وتحذر تحليلات سياسية حديثة من أن ضم أجزاء من الضفة يمكن أن يخلق ظروفًا تدفع أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم؛ ووفق تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي"، فإن سيناريو ضم المنطقة "ج" وحدها قد يؤدي، في تقديرات أحد الاستراتيجيين الأردنيين الذين تحدث إليهم الكاتب، إلى وصول ما يصل إلى 500 ألف فلسطيني إلى الأردن، بينما قد تكون الأعداد أكبر في حال تنفيذ ضم أوسع.
وتكمن حساسية هذا السيناريو في أن الأردن ليس بلدًا قادرًا على استيعاب موجة سكانية جديدة من دون تبعات، فالمملكة تواجه تحديات اقتصادية وبطالة مرتفعة وضغوطًا اجتماعية، كما تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين منذ عقود، ما يجعل أي موجة نزوح جديدة قضية أمنية واقتصادية وسياسية في آن واحد.
الأخطر بالنسبة إلى عمّان أن الضم لا يعني بالضرورة انتقال الفلسطينيين فورًا عبر الحدود، بل قد يبدأ بتغيير شروط الحياة داخل الضفة نفسها، فكلما توسعت المستوطنات، وتقلصت المساحات المتاحة للفلسطينيين، وازدادت القيود على الحركة والبناء والزراعة، يصبح البقاء أكثر صعوبة، ويصبح النزوح نتيجة محتملة لمسار طويل بدل أن يكون قرارًا معلنًا ومباشرًا.
وهنا تبرز المخاوف الأردنية من سيناريو "الوطن البديل"، أي تحول الأردن تدريجيًا إلى الوجهة التي يُدفع إليها الفلسطينيون بدل إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتكتسب هذه المخاوف وزنًا إضافيًا بسبب التحول الذي طرأ على الخطاب السياسي الإسرائيلي؛ إذ لم يعد الحديث عن ضم أجزاء من الضفة محصورًا في أطراف هامشية من اليمين الإسرائيلي، بل أصبح حاضرًا بقوة في النقاش السياسي ومواقف مسؤولين وأحزاب إسرائيلية، فيما تتواصل خطوات استيطانية وتغييرات قانونية وميدانية في الضفة.
أما العلاقات الأردنية الإسرائيلية، التي قامت على معاهدة سلام منذ عام 1994، فقد شهدت خلال السنوات الأخيرة تدهورًا كبيرًا على خلفية الحرب في غزة والتوسع الاستيطاني والسياسات الإسرائيلية تجاه الضفة. وأعلن الملك عبد الله الثاني أن ضم الضفة يمثل خطًا أحمر بالنسبة إلى الأردن، فيما أشار التحليل إلى أن عمّان قد تعيد النظر في علاقاتها مع إسرائيل إذا مضت عملية الضم قدمًا.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن الخطر الإيراني أصبح ثانويًا بالنسبة للأردن. فالمملكة وجدت نفسها فعليًا داخل دائرة التصعيد الإقليمي، خصوصًا مع استهداف مواقع تضم قوات أميركية، واعتراض صواريخ ومسيّرات في أجوائها، ومع استمرار الحرب، يبقى احتمال توسع الهجمات مصدر تهديد أمني مباشر.
لكن الفرق بين التهديدين يكمن في طبيعة الخطر: إيران تستطيع أن تضرب الأردن بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تخشى عمّان من أن يؤدي التوسع الإسرائيلي في الضفة إلى تغيير دائم في حدودها السكانية والسياسية والأمنية.
ولهذا، تبدو المعادلة الأردنية أكثر تعقيدًا مما توحي به خريطة الصراع الحالية؛ فالمملكة تحاول حماية أراضيها من تداعيات حرب مع إيران، وفي الوقت نفسه تراقب حدودها الغربية خشية أن يتحول الضم الإسرائيلي إلى أزمة فلسطينية جديدة تنتقل تبعاتها مباشرة إلى الداخل الأردني.
وفي نهاية المطاف، لا تنظر عمّان إلى الضفة باعتبارها منطقة بعيدة عن أمنها القومي؛ فبين الضفة والأردن حدود مشتركة وتداخل اجتماعي وتاريخي واسع؛ وأي تغيير جذري في واقع الضفة لن يبقى بالضرورة داخل حدودها، بل يمكن أن يصل تأثيره إلى قلب المملكة.
لهذا، قد يكون السؤال بالنسبة إلى الأردن ليس أيهما أخطر: صاروخ إيراني أم دبابة إسرائيلية، بل أيٌّ منهما قادر على تغيير شكل المنطقة بطريقة يصعب التراجع عنها؟
