أخبار

جبل العاصور .. القمة التي تحولت إلى مفتاح للسيطرة على شرق رام الله

Case

2026-09-03 10:44

Copy Link

خاص 4dpal

على ارتفاع يتجاوز ألف متر فوق سطح البحر، يبدو جبل العاصور مجرد قمة تطل على مساحات واسعة من شرق رام الله والأغوار، لكن ما يجري حوله خلال الأشهر الأخيرة يرسم صورة مختلفة؛ فالجبل تحول تدريجيًا إلى نقطة تتقاطع عندها الطرق الاستيطانية، والبؤر الجديدة، وأوامر مصادرة الأراضي، في مسار يثير مخاوف فلسطينية من تغيير الخريطة الجغرافية للمنطقة.

يقع تل العاصور بين بلدات وقرى سلواد ودير جرير والمزرعة الشرقية وكفر مالك، ويبلغ ارتفاعه نحو 1016 مترًا عن سطح البحر، ما يجعله ثاني أعلى قمة في الضفة الغربية بعد جبل النبي يونس في حلحول. لكن أهمية الموقع لا تتوقف عند ارتفاعه؛ فموقعه يمنحه إطلالة واسعة باتجاه الأغوار ومساحات كبيرة من وسط وشرق الضفة.

وخلال آذار الماضي، أصدرت السلطات الإسرائيلية أمرًا بوضع اليد على أكثر من 41 دونمًا من أراضي المزرعة الشرقية وسلواد ودير جرير، تحت ذريعة إنشاء منطقة عازلة حول جبل العاصور؛ ووفق تقارير فلسطينية، جاء الأمر ضمن سلسلة أوامر عسكرية استهدفت مساحات من أراضي الضفة لأغراض قالت السلطات الإسرائيلية إنها أمنية وعسكرية.

لكن التطور الأبرز جاء مع انتقال النشاط من الأوامر العسكرية إلى الأرض نفسها؛ ففي تموز، وثقت تقارير فلسطينية إقامة بؤرة استيطانية جديدة على أراضي منطقة تل العاصور، بالتزامن مع تصاعد أعمال شق الطرق والتوسع الاستيطاني في محيط المنطقة.

ولم يكن ذلك التحرك معزولًا عن موجة أوسع؛ فقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إقامة 11 بؤرة استيطانية جديدة خلال ثلاثة أيام فقط في نهاية تموز، أربع منها في محافظة رام الله والبيرة، بينها بؤرة في تل العاصور بين المغير ودير جرير.

وتكشف هذه التطورات عن أهمية الطرق في المشروع الاستيطاني؛ فالبؤرة وحدها تحتاج إلى طريق، والطريق يحتاج إلى أرض ومسار آمن، ومع الوقت يمكن لشبكة الطرق أن تربط البؤر والمستوطنات القائمة ببعضها، وتخلق واقعًا جغرافيًا جديدًا يصعب فصله عن السيطرة على الأرض.

وهذا ما خلص إليه تحقيق حديث حول شبكة الطرق الإسرائيلية في الضفة، أشار إلى أن الطرق لا تخدم حركة المستوطنين فقط، وإنما تعمل في بعض الحالات كجزء من عملية متكاملة تبدأ بالبؤرة، ثم تمتد عبر الطرق والبنية التحتية لتثبيت وجودها على الأرض.

وفي المقابل، لا يعيش سكان القرى المحيطة بالعاصور هذه التحولات باعتبارها مشروعًا عمرانيًا بعيدًا؛ فالمزارعون يواجهون قيودًا متزايدة على الوصول إلى أراضيهم، فيما تحولت مناطق كانت مفتوحة للرعي والزراعة إلى نقاط احتكاك دائمة مع المستوطنين.

وفي كفر مالك، التي يقع جزء من أراضيها في محيط العاصور، تحدثت تقارير حديثة عن خسارة عشرات العائلات لمصادر رزقها الزراعية نتيجة انتشار البؤر الاستيطانية، بينما أصبحت مساحات واسعة من الأراضي صعبة الوصول بالنسبة إلى أصحابها.

كما شهدت منطقة العاصور نفسها خلال الأشهر الماضية اعتداءات وتحركات استيطانية متكررة؛ ففي شباط اقتحم مستوطنون المنطقة الواقعة بين دير جرير وسلواد، فيما وثقت تقارير أخرى استخدام أراضي المواطنين المحيطة بالجبل للرعي والاستيلاء التدريجي عليها.

وبذلك، لا تبدو قصة جبل العاصور مرتبطة ببؤرة واحدة أو قرار مصادرة منفرد؛ ما يتشكل حول الجبل هو سلسلة مترابطة: أرض تُصادر، بؤرة تُقام، طريق يُشق، ومجال حركة الفلسطينيين يضيق تدريجيًا.

وتكمن خطورة هذا المسار في الموقع نفسه؛ فالعاصور ليس جبلًا معزولًا، بل نقطة مرتفعة تتوسط منطقة واسعة من شرق رام الله وتمتد بصريًا وجغرافيًا باتجاه الأغوار، وكلما توسع الوجود الاستيطاني حوله، تصبح السيطرة على الجبل ومحيطه ذات تأثير يتجاوز مساحة الأراضي المصادرة مباشرة.

لهذا، فإن المعركة حول العاصور لا تدور فقط على عشرات الدونمات التي صدرت أوامر بوضع اليد عليها، وإنما على السؤال الأكبر: من يملك القدرة على الحركة والوصول والسيطرة في المنطقة خلال السنوات المقبلة؟

ففي الضفة الغربية، لا يبدأ تغيير الخريطة دائمًا بإعلان مستوطنة كبيرة؛ أحيانًا يبدأ بخيمة على قمة جبل، ثم طريق ترابي، ثم بوابة، ثم أمر عسكري، وبعدها تصبح البؤرة واقعًا دائمًا.

وجبل العاصور اليوم يقف في قلب هذا التحول؛ قمة مرتفعة فوق رام الله، لكنها بالنسبة إلى سكان المنطقة أصبحت عنوانًا لمعركة أوسع على الأرض والطرق والمستقبل.