
2026-10-24 11:27
القدس المحتلة - رنيم علوي - البعد الرابع (4dPAL)
"هدموا ذكرياتنا، هدموا طفولتنا، هدموا ماضينا وتاريخنا، وقتلوا أحلام أبنائي وأحفادي ومستقبلهم"؛ بهذه الكلمات يستعيد المختص والباحث في شؤون القدس فخري أبو ذياب لحظة هدم منزله في حي البستان ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، في مشهد لا يختصر بالنسبة إليه خسارة مسكن فحسب، بل يلخّص حكاية عائلة امتدت جذورها في المكان عبر أجيال، قبل أن تجد نفسها مشتتة بين أحياء القدس، وسط مخاوف متجددة من فقدان ما تبقى من مأواها.
وفي شهادته لـ"البعد الرابع"، استعرض أبو ذياب تفاصيل حياته في المنزل الذي وُلد فيه عام 1962، قبل احتلال القدس عام 1967، مستعيدًا كيف تحوّل البيت الذي شهد طفولته وزواجه وتربية أبنائه وولادة أحفاده إلى ركام. وبعد هدمه، أقام كرفانًا صغيرًا على أرضه ليبقى قريبًا من ذكرياته وأرض عائلته، غير أن هذا المأوى المتواضع بات مهددًا بالإزالة، بعدما أُبلغ، وفق روايته، بأن عملية الهدم قد تُنفّذ خلال أيام.
وبين منزل هُدم على مرحلتين، وكرفان يواجه المصير نفسه، وعائلة لم تعد تجتمع تحت سقف واحد، يتمسك أبو ذياب بالبقاء في سلوان، مؤكدًا أن خسارة الحجر لن تدفعه إلى التخلي عن الأرض التي ورثها عن آبائه وأجداده، أو قطع صلته بالمكان الذي يشكل جزءًا أساسيًا من ذاكرته وهويته.
يقع منزل أبو ذياب في حي البستان، على مسافة تتراوح بين 300 و400 متر جنوب المسجد الأقصى المبارك. وتنبع أهمية المكان بالنسبة إليه من ارتباطه بتاريخ عائلته وطفولته وحياته الممتدة فيه؛ فقد وُلد في المنزل عام 1962، على أرض ورثها عن والده وأجداده، وعاش فيها منذ طفولته، قبل أن يعود إليها بعد زواجه ليؤسس أسرته ويربي أبناءه، الذين كبروا بدورهم في المكان، ثم تزوج بعضهم وأنجبوا أطفالهم.
واستعاد أبو ذياب طبيعة حي البستان قبل أن تطاله عمليات الهدم والتغيير، موضحًا أن المنطقة كانت في الأصل بستانًا واسعًا تتخلله المنازل والأشجار، ووصفها بأنها "جنة الأرض"، مشيرًا إلى أنها كانت تشكل سلة غذاء للقدس بصورة عامة. كما أشار إلى عين سلوان التي كانت مياهها تصل إلى الحي ومنزله، وإلى نافورة كانت موجودة في أرضه قبل أن تجرفها آليات الاحتلال وتهدمها.
وشدّد على أن عمر منزله أقدم من الاحتلال نفسه، وأن البيت لم يكن مجرد مكان للسكن، بل مساحة تشكّلت فيها حياة العائلة وارتبطت بمراحلها المختلفة، من طفولته ونشأته إلى زواجه وإنجاب أبنائه، وصولًا إلى وجود أحفاده في المكان. وترتبط ذكرياته فيه أيضًا بوالدته ووالده وأجداده، وبالأشجار التي زرعها مع والده، وبالأرض التي يرى فيها امتدادًا لتاريخ عائلته ووجودها في القدس.
مع اتساع أسرته بعد الزواج وإنجاب الأبناء، حاول أبو ذياب توسيع المنزل الصغير ليستوعب احتياجات العائلة، إلا أن بلدية الاحتلال رفضت منحه الترخيص اللازم لذلك. وأوضح أن القيود المفروضة على البناء في حي البستان جعلت العائلات المقدسية تواجه صعوبة في توسعة منازلها أو توفير مساكن لأبنائها، معتبرًا أن عدم منح التراخيص منذ عام 1967 يشكل، بحسب تقديره، جزءًا من سياسة تستهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة المنطقة، ولا سيما المناطق المحيطة بالمسجد الأقصى والبلدة القديمة.
ولفت إلى أن عائلته كانت تدفع الضرائب لبلدية الاحتلال، رغم أن البلدية عادت، وفق روايته، لتعتبر المنزل غير قانوني بسبب عدم حصوله على ترخيص. كما أشار إلى أن عددًا كبيرًا من المقدسيين تقدموا بطلبات للحصول على تراخيص بناء واستوفوا الشروط التي فرضتها البلدية، لكنهم لم يحصلوا على الموافقات اللازمة.
وبيّن أن عدم منح التراخيص يضع السكان أمام معادلة صعبة؛ فالعائلة تحتاج إلى توسيع منزلها مع زيادة عدد أفرادها، لكنها تجد نفسها أمام خطر الهدم إذا أقدمت على البناء من دون ترخيص. وفي المقابل، أشار إلى أن المستوطنين يستطيعون، بحسب ما أورده، الاستيلاء على ممتلكات أو إقامة أبنية والحصول على تراخيص بسهولة أكبر وفي وقت أقصر.
ويرى أبو ذياب أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن محاولات تغيير الطابع الفلسطيني لحي البستان، وتحويله من حي سكني فلسطيني إلى منطقة ذات طابع استيطاني وسياحي، بما ينعكس على قدرة السكان على البقاء في منازلهم وأراضيهم.
تطرق أبو ذياب إلى ما وصفه باستمرار الحملة على حي البستان، مشيرًا إلى مخططات تهدف إلى تحويل المنطقة إلى ما يُعرف باسم "حديقة الملك"، وربطها بمشاريع استيطانية في محيط سلوان والبلدة القديمة في القدس. واعتبر أن تغيير اسم الحي وطبيعة استخدام أراضيه، وتحويل أجزاء منه إلى حديقة ومواقف لسيارات المستوطنين، يشكلان جزءًا من مساعٍ لتغيير هوية المكان وتقليص الوجود الفلسطيني فيه.
وأوضح أن المنطقة تقع ضمن ما يُعرف بمخططات "الحوض التاريخي" و"الحوض المقدس"، التي تمتد، بحسب وصفه، من الشيخ جراح شمال البلدة القديمة إلى سلوان جنوب المسجد الأقصى. ويرى أن سلوان وحي البستان يقعان في قلب هذه المخططات بسبب موقعهما القريب من المسجد، وأن ما يجري يستهدف إبعاد السكان الفلسطينيين عن محيطه وتغيير الطابع الديمغرافي والعمراني للمنطقة.
وشدّد على أن حي البستان، الذي نشأ فيه وعاش فيه أجداده، ليس مجرد مساحة يمكن تغيير استخدامها أو استبدال اسمها، بل جزء من تاريخ القدس وذاكرة أهلها، لافتًا إلى أن ما يجري فيه يمس حياة السكان وعلاقتهم بأرضهم ومنازلهم.
استعاد أبو ذياب يوم 14 شباط/فبراير 2024 بوصفه نقطة تحول قاسية في حياته وحياة عائلته. ففي ذلك اليوم، حاصرت قوات كبيرة من شرطة الاحتلال والقوات الإسرائيلية حي البستان ومنزله، قبل أن تبدأ الجرافات بهدم أجزاء من البيت. ووصف المشهد بأنه لم يكن مجرد عملية هدم لمبنى، بل اقتلاعًا لذكريات العائلة وماضيها، موضحًا أن المنزل احتضن أبناءه وأحفاده على مدى سنوات طويلة، وفيه كبر الأبناء وتزوجوا وأنجبوا أطفالهم.
وأضاف أن البيت كان يحمل رائحة والدته وذكريات طفولته وتفاصيل حياته، وأن ما جرى أصاب الأسرة بصدمة تجاوزت خسارة المسكن إلى الشعور بفقدان جزء من تاريخها. فقد كان الأبناء والأحفاد يعيشون معه في المنزل، الذي جمع أجيال العائلة في مساحة واحدة، قبل أن تؤدي عمليات الهدم إلى تشتتهم واضطرارهم إلى الانتقال إلى أحياء أخرى من القدس.
وأكد أبو ذياب أن الهدم لا يمكن فصله، من وجهة نظره، عن القيود المفروضة على البناء في المنطقة، إذ لا يحصل الفلسطينيون، بحسب روايته، على التراخيص اللازمة رغم تقدمهم بطلبات واستيفائهم الشروط المطلوبة، الأمر الذي يترك منازلهم عرضة للهدم ويهدد استقرار العائلات فيها.
لا يحصر أبو ذياب ما حدث في منزله وحده، بل يربطه بتصعيد أوسع طال حي البستان وسكانه. وأوضح أن الحي كان يضم نحو 115 منزلًا، وأن أكثر من 52 إلى 53 في المئة من المنازل هُدمت، وفق تقديراته، وتشرّد سكانها.
وأشار إلى أن نحو 1500 شخص كانوا يسكنون المنطقة قبل تصاعد عمليات الهدم والنزوح التي تحدث عنها، لافتًا إلى أن أعداد السكان تراجعت بصورة كبيرة، وأن كثيرًا من العائلات اضطرت إلى مغادرة الحي. كما أشار إلى أن بعض السكان لم يجدوا حتى إمكانية إقامة خيمة أو إنشاء مأوى مؤقت في المكان، في ظل الإجراءات التي قال إنها تمنعهم من إعادة بناء ما دُمّر أو البقاء في أراضيهم.
واعتبر أن هدم المنازل ومنع إقامة بدائل للسكن يضعان السكان أمام خيار البحث عن مكان للعيش خارج المنطقة، الأمر الذي يرى أنه يسهم في إفراغ القدس من أهلها، ولا سيما المناطق المحيطة بالمسجد الأقصى والبلدة القديمة. وأضاف أن أزمة السكن في القدس تجعل انتقال العائلات إلى أحياء أخرى أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل ضيق المساحات وارتفاع كلفة السكن والقيود المفروضة على البناء.
وبحسب أبو ذياب، فإن ما يجري في حي البستان يتجاوز إزالة منازل بعينها، ليطال قدرة السكان على الاستمرار في المكان الذي عاشوا فيه أجيالًا متعاقبة، ويحرم العائلات من المأوى الذي يجمع أفرادها ويحفظ استقرارهم وارتباطهم بالمنطقة.
ربط أبو ذياب ما تعرض له منزله بنشاطه في نقل معاناة المقدسيين إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية والدبلوماسيين؛ وأفاد بأنه تلقى بلاغات وإشعارات رسمية، وأن محاميه أُبلغ، وفق روايته، بأن لقاءاته مع الدبلوماسيين والإعلاميين وإيصال رسائل الأهالي تشكل عائقًا أمام مخططات البلدية المتعلقة بالاستيطان والتهجير.
وأوضح أنه كان يسعى إلى نقل ما يجري في حي البستان إلى الجهات الدولية والإعلامية، وتسليط الضوء على معاناة السكان وما يتعرضون له من هدم وملاحقة؛ واعتبر أن استهداف منزله جاء في سياق الضغط عليه بسبب دوره في الدفاع عن بقاء المقدسيين في المنطقة، مشيرًا إلى أن سلطات الاحتلال، بحسب تقديره، تسعى إلى معاقبة النشطاء والأشخاص الذين يعارضون المشاريع الاستيطانية أو يكشفون عنها.
ورغم ما قال إنه تعرض له من غرامات واستدعاءات ومضايقات، واصل أبو ذياب لقاءاته مع الدبلوماسيين ونقل رسائل أهالي القدس وسلوان وحي البستان إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية والدولية. كما أشار إلى إقامة خيمة اعتصام وتنظيم تحركات جماهيرية في محاولة للدفاع عن الحي وأهله، موضحًا أن استمرار نشاطه أدى، وفق روايته، إلى مزيد من الإجراءات والعقوبات.
وشدّد على أن هدم المنزل لم يوقفه عن مواصلة نشاطه، بل عزز تمسكه بالبقاء في المكان ونقل معاناة السكان إلى الخارج، مؤكدًا أن محاولات إسكات صوته لن تدفعه إلى التخلي عن دوره في الدفاع عن أهالي القدس.
إلى جانب الخسارة الإنسانية والاجتماعية، تحدث أبو ذياب عن الأعباء المالية التي ترتبت على هدم منزله، موضحًا أنه أُجبر على دفع نحو 43 ألف شيكل، شملت تكاليف مرتبطة بعملية الهدم ووجود قوات شرطة الاحتلال التي كانت تحرس الجرافات وتحميها أثناء تنفيذ العملية، بحسب روايته.
وأشار إلى أن الغرامات لم تتوقف عند ذلك، بل رافقتها استدعاءات ومضايقات وإجراءات أخرى مرتبطة بالمنزل والأرض المحيطة به؛ وتأتي هذه الأعباء في وقت فقدت فيه العائلة منزلها واضطر الأبناء والأحفاد إلى الانتقال إلى أماكن أخرى، ما زاد الضغوط المعيشية والنفسية عليها.
واعتبر أبو ذياب أن تحميل صاحب المنزل تكاليف الهدم، إلى جانب خسارة مسكنه وما يرافقها من تبعات، يضاعف معاناة الأسرة ويزيد من آثار العملية على حياتها، ولا سيما في ظل صعوبة العثور على مساكن بديلة في القدس.
بعد هدم أجزاء من المنزل في شباط/فبراير 2024، بقي جزء منه قائمًا، إلا أن سلطات الاحتلال هدمت الجزء المتبقي في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، وفق شهادة أبو ذياب؛ وبذلك، فقدت العائلة منزلها بصورة كاملة، بعد أن كان الجزء المتبقي منه يمثل آخر ما بقي من المسكن الذي ارتبطت به ذكرياتها.
وأمام هذا الواقع، قرر أبو ذياب إقامة كرفان على أرضه الخاصة، بالقرب من المنزل المهدوم وعلى مسافة أمتار قليلة منه، مؤكدًا أنه لم يكن مستعدًا لمغادرة المنطقة أو الابتعاد عن بيته وأرضه وطفولته وتاريخه؛ وانتقل إلى الكرفان مع زوجته رغم صغر مساحته وافتقاره إلى كثير من مقومات الحياة، موضحًا أن قراره لم يكن بحثًا عن الراحة، بل محاولة للبقاء في الأرض والحفاظ على الارتباط بها.
وقال ضيفنا : "أنا ما بدي أبعد عن المنطقة، ما بدي أبعد عن بيتي، ما بدي أبعد عن تاريخي وذكرياتي وطفولتي وأرضي". وأكد أن ما يسعى إليه هو البقاء في المكان الذي عاش فيه هو وزوجته، وليس البحث عن الرفاهية، حتى لا يصبح استكمال المخططات التي يخشاها أمرًا سهلًا بعد إبعاد السكان عن المنطقة.
أوضح أبو ذياب أن العيش داخل الكرفان صعب، نظرًا إلى صغر مساحته وعدم توافر كثير من مقومات الحياة فيه، لكنه اختاره لأنه يقع على أرض العائلة وبالقرب من المنزل الذي هُدم؛ ولفت إلى أن وجوده وزوجته في الموقع يساعدهما على الاحتفاظ بصلتهما بالمنطقة، كما يتيح لأبنائه وأحفاده العودة لزيارتهما ورؤية الأرض التي نشأ فيها والدهم أو جدهم.
وبيّن أن الهدف من إقامة الكرفان كان الحفاظ على وجود العائلة في المكان، وصون ارتباطها بالأرض وهويتها، وعدم التخلي عنها رغم الصعوبات؛ غير أن هذا المأوى لم يوفر استقرارًا طويلًا، إذ أفاد بأن قوات الاحتلال وبلدية الاحتلال تواصلان اقتحام المنطقة بصورة أسبوعية، وأحيانًا يومية.
وأشار إلى أن الإجراءات طالت محيط الكرفان والأرض، وشملت هدم الأسوار والبوابات، ثم فرض مخالفات وأوامر مرتبطة بإعادة بنائها، إلى جانب اقتلاع أشجار وتدمير أجزاء من الموقع. كما تحدث عن مخالفات وأوامر تتعلق بالطيور التي كان يربيها، موضحًا أنه طُلب منه إبعادها.
وأكد أن هذه الإجراءات جعلت كل ما في المكان مهددًا، من الكرفان إلى الأسوار والأشجار، وصولًا إلى تفاصيل الحياة اليومية التي يحاول استعادتها بعد هدم المنزل.
بالنسبة إلى أبو ذياب، لا تمثل الأرض مساحة للبناء فحسب، بل ترتبط بتفاصيل الحياة اليومية التي عاشتها أسرته على مدى سنوات. واستعاد أشجار التين والرمان والزيتون والجوز والتوت والليمون، إلى جانب أشجار أخرى كانت موجودة في الموقع، مشيرًا إلى أن عددًا منها اقتلعته الجرافات أو دمرته خلال عمليات الهدم.
ولفت إلى أنه حاول إعادة زراعة بعض الأشجار والمحاصيل البسيطة، رغم الصعوبات والمخالفات، حتى يبقى مرتبطًا بالأرض التي زرعها مع والده. كما أوضح أن زراعة الأشجار تمثل وسيلة للحفاظ على المكان، وتتيح لأحفاده، عندما يأتون لزيارته، أن يروا الأرض ويتعرفوا إلى تفاصيلها وارتباط العائلة بها.
وتبقى بعض الأشجار التي زرعها مع والده حاضرة في ذاكرته، إذ يمنحه الوقوف تحتها شعورًا بالاستمرار في المكان الذي شهد طفولته وزواجه وتربية أبنائه. ومن هذا المنطلق، فإن اقتلاع الأشجار لا يعني بالنسبة إليه فقدان نباتات فحسب، بل خسارة جزء من تاريخ العائلة وذاكرتها، بعدما كانت تلك الأشجار شاهدة على حياتهم واجتماعاتهم وأيامهم العادية.
من أكثر ما يؤلم أبو ذياب فقدان الحياة العائلية التي كان المنزل يجمعها. واستعاد أيام الجمعة حين كانت العائلة تعود من الصلاة في المسجد الأقصى، فيما تكون زوجته قد أعدت الطعام لأفراد الأسرة، فيجتمع الأبناء والأحفاد تحت الأشجار أو بالقرب من المنزل.
وأوضح أن العائلة كانت تأكل معًا وتشعر بدفء الحياة في ذلك المكان، وأن رائحة التراب كانت تحمل بالنسبة إليه رائحة الآباء والأجداد؛ فالمنزل، كما وصفه، لم يكن مكانًا للنوم فقط، بل مساحة للقاء أفراد العائلة وتبادل الأحاديث وتربية الأبناء واستقبال الأحفاد والحفاظ على التقاليد التي اعتادوا عليها على مدى سنوات.
لكن الهدم بدّد هذا المشهد العائلي، إذ تشتت أفراد الأسرة وأصبح كل شخص يقيم في مكان مختلف، باستثناء أبو ذياب وزوجته اللذين بقيا في الموقع بعد إقامة الكرفان. وأشار إلى أن العائلة فقدت بذلك القدرة على الاجتماع كما كانت تفعل في السابق، وأن المسافات بين أفرادها لم تعد مرتبطة بالبعد الجغرافي وحده، بل بفقدان المكان الذي كان يجمعهم.
كما لفت إلى أن المعاناة النفسية التي يعيشها الأبناء والأحفاد نتيجة الهدم والتشتت تشكل جانبًا من الألم الذي تحمله الأسرة، إلى جانب خسارة المسكن وما رافقها من عدم استقرار.
على الرغم من الاقتحامات المتكررة والمخالفات، ظل أبو ذياب متمسكًا بالبقاء في الكرفان، غير أن الإجراءات وصلت، بحسب شهادته، إلى إصدار أمر بهدمه قبل عدة أشهر، ثم تسليمه إخطارًا يتضمن مهلة للهدم.
وذكر أن أمرًا صدر في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026، ومنحه مهلة مدتها 21 يومًا لهدم الكرفان، وفق ما ورد في روايته، قبل أن تتصل به شرطة الاحتلال في 21 تشرين الأول/أكتوبر وتبلغه بأن الهدم قد يُنفذ خلال أيام.
وأوضح أن الإزالة المحتملة لا تعني خسارة مبنى صغير فحسب، بل تعني أن العائلة قد تجد نفسها مرة أخرى من دون مأوى في أرضها، بعد هدم المنزل الذي عاشت فيه أجيالها؛ وأعرب عن خشيته من إجباره وزوجته على مغادرة المكان بالقوة، وما قد يترتب على ذلك من تكاليف جديدة للهدم والإزالة، إلى جانب الأعباء والغرامات التي رافقت عمليات الهدم السابقة.
وفي ظل ما وصفه بصمت المجتمع الدولي واستمرار الإجراءات الإسرائيلية، قال أبو ذياب إنه ينتظر الجرافات، معتبرًا أن هدم المنازل وتشريد السكان والتهجير القسري تترتب عليها تبعات قانونية وإنسانية خطيرة. ومع ذلك، شدّد على أنه لن يتخلى عن المكان، حتى لو هُدم الكرفان واضطر إلى الابتعاد عنه مؤقتًا.
وقال: "قد تخرج أجسادنا، لكن قلوبنا وعقولنا وتاريخنا ستبقى في هذا الموقع"، مؤكدًا أنه قد يبتعد قليلًا، لكنه سيبقى في القدس وفي المنطقة التي عاش فيها طوال حياته.
يمثل احتمال هدم الكرفان بالنسبة إلى أبو ذياب عودة إلى نقطة الصفر، بعدما حاول إيجاد بديل متواضع عن المنزل الذي دمرته الجرافات؛ وأوضح أن زوجته وأبناءه وأحفاده يواجهون تبعات التجربة، وأن الأسرة تعاني ضغوطًا نفسية ومعيشية، فضلًا عن مشكلات صحية قال إنها ازدادت بعد الهدم.
وأشار إلى أن تقدمه في العمر وما يعانيه من آلام وأمراض يزيدان صعوبة الظروف، إلا أن ارتباطه بالأرض والأشجار التي زرعها مع والده يساعده على تحمل المعاناة؛ وأضاف أن وجوده في الموقع الذي تزوج فيه وأنجب أبناءه، والذي شهد طفولته وطفولة أبنائه، يمنحه دافعًا للاستمرار، رغم صعوبة العيش في الكرفان والخوف من إزالته.
وبيّن أن أبناءه اضطروا إلى الانتقال إلى أماكن أخرى في القدس، وأن العائلة قد تصبح مضطرة إلى استئجار منازل إذا مُنعت من البقاء في المنطقة، رغم عدم رغبتها في الابتعاد عن أرضها؛ وشدّد على أن ما يخشاه لا يقتصر على فقدان المسكن، بل يشمل انقطاع الصلة بين الأجيال الجديدة والأرض التي عاش فيها أجدادهم، وضياع المساحة التي كانت تجمع الأسرة في مناسباتها وأيامها العادية.
وضع أبو ذياب تجربته في سياق ما وصفه بالضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون في القدس، ولا سيما سكان المناطق القريبة من المسجد الأقصى والبلدة القديمة؛ وأوضح أن القيود المفروضة على تراخيص البناء، وهدم المنازل القائمة، ومنع إقامة بدائل للسكن، تجعل البقاء في المنطقة أكثر صعوبة، وتدفع السكان إلى البحث عن مساكن خارج أحيائهم الأصلية.
واعتبر أن هذه الإجراءات تمثل شكلًا من أشكال الضغط الجماعي على الفلسطينيين والمقدسيين، مشيرًا إلى أن النشطاء الذين ينقلون معاناة السكان إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية يتعرضون، بحسب روايته، لمزيد من الملاحقة والضغوط.
وأضاف أن المقدسيين الذين يحاولون حماية منازلهم وأراضيهم يجدون أنفسهم أمام أعباء مالية وقانونية، إلى جانب خطر الهدم والتشريد، في وقت تعاني فيه المدينة أصلًا من ضيق المساحات السكنية وصعوبة توفير مساكن مناسبة. وأكد أن ما يجري في حي البستان لا يمكن فصله عن التغييرات التي يخشى أن تطال محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، معتبرًا أن بقاء السكان في منازلهم وأراضيهم يمثل حماية لارتباطهم بالمكان وتاريخهم فيه.
رغم ما تعرض له منزله وما يواجهه الكرفان من خطر، يتمسك أبو ذياب بمواصلة نشاطه في نقل معاناة المقدسيين، مؤكدًا أنه سيستمر في لقاء الدبلوماسيين والإعلاميين والمؤسسات الحقوقية والدولية، وإيصال رسائل أهالي القدس وسلوان وحي البستان.
وشدّد على أن هدم المنزل لم ينجح في إسكاته، وأنه سيواصل الدفاع عن حقه في البقاء بأرضه، حتى لو اضطر إلى دفع مزيد من الغرامات أو مواجهة إجراءات جديدة؛ ويرى أن سلطات الاحتلال تسعى إلى معاقبة الفلسطينيين والمقدسيين، ولا سيما النشطاء الذين يقفون في وجه المشاريع الاستيطانية والتهجيرية، لكنه أكد أن هذه الإجراءات لن تدفعه إلى التخلي عن أرضه.
وأشار إلى أن المنزل والكرفان قد يتعرضان للهدم، لكن علاقته بالمكان لا تنتهي بزوال المباني، لأن الأرض مرتبطة بطفولته ووالديه وأجداده وزواجه وأبنائه وأحفاده؛ واختصر موقفه بالقول: "استطاعوا هدم الحجر، لكنهم لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا هدمنا كمشاعر صمودنا وثباتنا وتحدينا لسياسات الاحتلال".
وأكد أنه سيواصل البقاء في القدس بإذن الله، وأنه لن يتخلى عن الأرض التي عاش فيها، مهما كانت التضحيات التي تفرضها عليه محاولات الهدم والإبعاد.
في ختام شهادته، عاد أبو ذياب إلى الأرض التي ورثها عن والده وأجداده، والمنزل الذي وُلد فيه، والأشجار التي زرعها مع والده، والبيت الذي جمع أفراد العائلة حول مائدة واحدة قبل أن تفرقهم عمليات الهدم. وأوضح أن وجوده تحت الأشجار التي زرعها مع والده، وفي الموقع الذي شهد طفولته وزواجه وإنجاب أبنائه، يمنحه القدرة على تحمل ما يواجهه من صعوبات.
غير أن هذا التمسك لا يلغي حجم الخسارة التي تعرضت لها الأسرة؛ فقد هُدم المنزل، وتشتت الأبناء والأحفاد، واقتُلعت أشجار، وفُرضت غرامات، وأصبح الكرفان الذي لجأ إليه الزوجان مهددًا بالإزالة، وسط مخاوف من فقدان المأوى مرة أخرى.
وبين ذكريات المنزل القديم والواقع القاسي للكرفان، تتجسد حكاية فخري أبو ذياب بوصفها شهادة إنسانية على أثر هدم المنازل في حياة أصحابها، حين تتحول خسارة الجدران إلى خسارة للمكان الذي يجمع العائلة ويحفظ ذكرياتها ويمنح أبناءها وأحفادها شعورًا بالانتماء والاستقرار.
أما أبو ذياب، فيتمسك بالبقاء لأنه لا يريد الانقطاع عن أرضه وتاريخه وطفولته، ولا أن يفقد أحفاده صلتهم بالمكان الذي نشأت فيه عائلته. ومع استمرار تهديد الكرفان بالهدم، تظل الأسرة أمام احتمال تكرار تجربة فقدان المنزل، فيما يؤكد أن الأرض ستبقى جزءًا من ذاكرته وحياته، وأنه لن يتخلى عن القدس أو عن حي البستان، حتى لو هُدمت المباني وأُجبر على الابتعاد عنها مؤقتًا.
