تقارير

1080 وحدة استيطانية حول القدس.. مخطط لإعادة تشكيل الجغرافيا وفرض الضم الفعلي

Case

2026-10-20 06:59

Copy Link

القدس – ضحى مزيد – البعد الرابع (4dPAL)

لا يقتصر التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في القدس ومحيطها على إقامة وحدات سكنية جديدة، بل يتجاوز ذلك إلى مشاريع طرق وتوسيع للمستعمرات والسيطرة على الأراضي، بما يعيد تشكيل الجغرافيا المحيطة بالمدينة ويؤثر في الوجود الفلسطيني وتواصله المكاني والديموغرافي؛ ومع طرح عطاءات لبناء 1080 وحدة استعمارية في القدس ومحيطها، تتجدد المخاوف الفلسطينية من تحويل هذه المشاريع إلى وقائع ثابتة تمهّد لفرض الضم الفعلي، من دون الإعلان عنه رسميًا.

وقال الباحث والمختص في شؤون القدس فخري أبو ذياب، في حديث خاص لـ"البعد الرابع: " إن تعزيز الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية بات يتحرك وفق أهداف سياسية واستراتيجية، تقوم على فرض وقائع جديدة على الأرض، بما يخفف الضغوط الدولية التي قد ترافق الإعلان المباشر عن ضم الأراضي الفلسطينية".

وأوضح أبو ذياب أن سلطات الاحتلال تعمل على توسيع المستعمرات وزيادة عدد الوحدات الاستيطانية بهدف تغيير التركيبة السكانية والديموغرافية لصالح المستوطنين، وتقليص المساحات المتاحة أمام الفلسطينيين للتوسع العمراني والاستفادة من أراضيهم، إلى جانب محاصرة التجمعات الفلسطينية وعزلها عن محيطها.

وأضاف أن عطاءات بناء 1080 وحدة استعمارية في القدس ومحيطها، ولا سيما في مستعمرتي "بسغات زئيف" شمال المدينة و"معاليه أدوميم" شرقها، تأتي ضمن مسار يستهدف تعزيز الوجود الاستيطاني في المناطق المحيطة بالقدس وفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد.

التوسع الاستيطاني يعيد رسم محيط القدس

وأشار أبو ذياب إلى أن المنطقة الشرقية من القدس تحتل أهمية استراتيجية في المخططات الإسرائيلية، نظرًا إلى موقعها واتصالها بمحيط المدينة، لافتًا إلى أن التوسع الاستيطاني فيها، بالتزامن مع مشاريع أخرى، يحدّ من فرص التواصل الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.

وبيّن أن هذه المخططات لا تقتصر على بناء وحدات سكنية، بل تشمل أيضًا شق الطرق وتوسيع البنية التحتية المرتبطة بالمستعمرات، بما قد يؤدي إلى إحاطة التجمعات الفلسطينية وعزلها وتقليص المساحات المتاحة أمامها.

ولفت إلى وجود مخططات لفتح طريق من منطقة جنوب شرقي القدس باتجاه الحدود الفلسطينية الأردنية، مع إقامة مستعمرات على جانبي الطريق. وقال إن هذه المشاريع تُطرح باعتبارات أمنية، لكنها تؤدي عمليًا، وفق تقديره، إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي وفرض واقع استيطاني جديد في المنطقة.

وحذّر من أن تراكم هذه المشاريع قد يفاقم تجزئة المناطق الفلسطينية، خصوصًا في المناطق الممتدة بين القدس والبحر الميت، ويضعف التواصل الجغرافي والديموغرافي بين التجمعات الفلسطينية، بما ينعكس على فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة.

الاستيطان مستمر بصرف النظر عن تغيّر الحكومات

وفي ما يتعلق بتوقيت طرح المشاريع الاستيطانية، قال أبو ذياب: " إن هذه الخطوات ترتبط أيضًا بالاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، وبمحاولات فرض وقائع ميدانية تضمن استمرار سياسة الاستيطان بصرف النظر عن هوية الحكومة المقبلة".

وأضاف، أن سلطات الاحتلال تسعى إلى تكريس واقع يجعل التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي مستمرين حتى في حال تغيّر الحكومات والأحزاب الحاكمة، بما يقيّد فرص إحداث تغيير سياسي مستقبلي في هذا الملف.

وأوضح، أن استمرار هذه السياسة يهدد الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة، من خلال تقليص المساحات المتاحة للسكان وتوسيع السيطرة على الأراضي، محذرًا من أن تراكم الإجراءات الاستيطانية وهدم المنازل قد يزيد مخاطر التهجير ويدفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم.

وشدد أبو ذياب على أن ما يجري في القدس ومحيطها، وفق قراءته، لا يرتبط بحكومة إسرائيلية بعينها، بل يندرج ضمن سياسة متواصلة تستهدف الأرض والسكان والهوية الفلسطينية.

أكثر من 15 ألف وحدة استعمارية منذ بداية العام

وفي ما يتعلق بحجم التوسع الاستيطاني، قال أبو ذياب إن سلطات الاحتلال أعلنت منذ بداية العام الجاري عن أكثر من 15 ألف وحدة استعمارية، مشيرًا إلى أن بعض المشاريع انتقل إلى مراحل التنفيذ الفعلي.

وأوضح أن هذا التوسع يتزامن مع هدم منازل الفلسطينيين وتشريد سكانها والاستيلاء على الأراضي والممتلكات، معتبرًا أن الجمع بين التوسع الاستيطاني وهدم المنازل يعكس، بحسب تقديره، سياسة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني وإحلال المستوطنين في الأراضي المستهدفة.

وأضاف أن هذه الإجراءات تسهم في زيادة أعداد المستوطنين وتوسيع نطاق سيطرتهم على الأراضي، بما يهدد الطابع العربي للقدس ويضعف ارتباطها بمحيطها الفلسطيني.

وأكد أن استمرار مصادرة الأراضي والتهجير والتوسع الاستيطاني، وفق قوله، يجعل مواجهة هذه السياسات مرتبطة بالتعامل مع الوقائع المفروضة على الأرض، لا بانتظار التغييرات السياسية داخل إسرائيل.

معاليه أدوميم ومشاريع تمتد باتجاه البحر الميت

وتوقف أبو ذياب عند الوحدات الاستيطانية المخصصة لكبار السن في مستعمرة "معاليه أدوميم"، موضحًا أنها، وفق معلوماته، ستُخصص لأشخاص يتقاعدون من الخدمة في قوات الاحتلال، الأمر الذي من شأنه تعزيز الوجود الاستيطاني في المنطقة على حساب الأراضي الفلسطينية.

وأشار، إلى وجود مشاريع استيطانية أخرى في المنطقة الممتدة باتجاه البحر الميت، محذرًا من أن تراكمها قد يحدّ من فرص إقامة دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي، ويضعف الترابط بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.

وأضاف، أن السيطرة على المنطقة الشرقية للقدس ومحيطها تمثل محورًا أساسيًا في المخططات الإسرائيلية، لما لها من تأثير مباشر على مستقبل المدينة وإمكانية اتصال التجمعات الفلسطينية بعضها ببعض.

وبحسب أبو ذياب، فإن هذه المشاريع تتقاطع في أهدافها مع مساعي محاصرة القدس وتقليص الوجود الفلسطيني فيها وزيادة أعداد المستوطنين، بما يؤدي إلى تغيير الطابع السكاني والجغرافي للمنطقة.

غياب المحاسبة يتيح توسيع الاستيطان

وربط أبو ذياب استمرار التوسع الاستيطاني بما وصفه بضعف الضغط الدولي وغياب الإجراءات الرادعة بحق سلطات الاحتلال، رغم خضوع الأراضي الفلسطينية المحتلة لأحكام القانون الدولي والاتفاقيات ذات الصلة.

وقال : " إن غياب المحاسبة أتاح للحكومة الإسرائيلية مواصلة سياسات مصادرة الأراضي والتهجير والتوسع الاستيطاني، مستفيدة من الظروف الإقليمية والدولية لفرض مزيد من الوقائع على الأرض".

وأضاف، أن ما وصفه بالتراخي الدولي منح الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، مساحة أوسع للمضي في مشاريع الضم الفعلي، حتى في غياب إعلان رسمي عن الضم، من خلال توسيع المستعمرات والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتغيير استخداماتها.

وحذّر، من أن استمرار هذه السياسات دون إجراءات دولية فاعلة سيتيح فرض مزيد من الوقائع الميدانية، بما يهدد مستقبل الوجود الفلسطيني في القدس ومحيطها.

ومع طرح عطاءات جديدة لبناء 1080 وحدة استعمارية، تتجاوز تداعيات التوسع الاستيطاني إضافة وحدات سكنية إلى مستعمرات قائمة؛ إذ تتداخل المشاريع السكنية مع الطرق والسيطرة على الأراضي والتغييرات السكانية، في مسار قد يعيد تشكيل علاقة القدس بمحيطها الفلسطيني. وبينما يرى أبو ذياب أن هذه الخطوات تندرج ضمن سياسة لفرض الضم الفعلي، تبقى آثارها المحتملة مرتبطة بمدى استمرارها وقدرتها على تحويل المشاريع المتفرقة إلى وقائع دائمة، تزيد من تجزئة الجغرافيا الفلسطينية وتحدّ من فرص التواصل بين التجمعات السكانية.