2026-09-15 16:43
في "منطقة الروس" المحاذية لبلدة مجد الكروم في الجليل، بدأ المشهد بوصول مجموعة من المستوطنين إلى قطعة أرض، ونصب خيام وإدخال معدات وتجهيزات، قبل أن يتحول الموقع إلى نقطة خلاف ومواجهة بين سكان البلدة والمجموعة الموجودة فيه.
وبحسب إفادات حصلت عليها "البعد الرابع" في مقابلات خاصة، تقول المجموعة إن وجودها في المكان مرتبط باستخدام الأرض للرعي، فيما يرى أهالي البلدة أن ما يجري يتجاوز هذا الاستخدام، خصوصًا مع ظهور خيام ومرافق وتمديدات للمياه والكهرباء ومعدات في الموقع.
ومن هنا تبدأ القضية بسؤال يتجاوز مجرد وجود خيام على الأرض: ما طبيعة الحق الذي تستند إليه المجموعة في استخدام القطعة 89؟ وهل يسمح حق الرعي بتحويل الأرض إلى موقع إقامة ثابت؟
تتبعت"البعد الرابع" القضية عبر مقابلات مع رئيس اللجنة الشعبية في مجد الكروم رؤوف حمود، ورئيس حزب الوفاء والإصلاح الدكتور إبراهيم أبو جابر، والمحامي حسين مناع، في محاولة لفصل ما تقوله الأطراف عن الوقائع التي تحتاج إلى وثائق رسمية لحسمها.
تتركز القضية في القطعة رقم 89 بمنطقة الروس، بمساحة تقدر بنحو 8.7 دونمات.
وتقول مصادر محلية قابلتها "البعد الرابع" إن الأرض تقع ضمن أراضي مجد الكروم وضمن المخطط الهيكلي للبلدة، وإن ملكيتها تعود إلى مواطنين من أهالي البلدة.
لكن تحديد الملكية والوضع التخطيطي للأرض يظل بحاجة إلى وثيقة رسمية حاسمة، إذ إن طبيعة الملكية تحدد بدورها الأساس القانوني لاستخدام الأرض والجهة التي تملك صلاحية منح هذا الاستخدام.
وفي حال كانت الأرض ملكية خاصة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحق الرعي، وإنما بالسند الذي يسمح باستخدامها، والطرف الذي منح هذا الحق، والحدود التي وضعها الاتفاق لهذا الاستخدام.
تظهر في هذه النقطة روايتان مختلفتان بشأن الجهة التي أُبرم معها الاتفاق الذي تستند إليه المجموعة الموجودة في الموقع.
فبحسب ما نقله الدكتور إبراهيم أبو جابر لـ"البعد الرابع"، تقول المجموعة إنها استأجرت الأرض من الصندوق القومي اليهودي "كيرن كييمت" لاستخدامها في رعي المواشي.
أما المحامي حسين مناع، فيقول إن الاتفاق الذي اطلع عليه يرتبط بسلطة أراضي إسرائيل، وإن استخدام الأرض، بحسب قراءته، مخصص لرعي المواشي.
والفرق بين الروايتين ليس تفصيلًا هامشيًا، إذ إن تحديد الجهة المتعاقدة والطرف المؤجر والغرض المحدد من الاتفاق، يتطلب الرجوع إلى الوثيقة الأصلية نفسها.
ويبقى السؤال هنا: من هي الجهة التي أبرمت الاتفاق فعلًا؟ وما الذي يسمح به العقد حرفيًا؟
رئيس اللجنة الشعبية في مجد الكروم، رؤوف حمود، يقول لـ"البعد الرابع": "إن المجموعة الموجودة في الموقع تضم، وفق تقديره، ما بين 15 و30 شخصّا"
وبحسب روايته، فإن المشهد لا يقتصر على وجود أشخاص لممارسة الرعي، بل يشمل خيامًا ومنشآت ومركبات، إلى جانب تمديدات للمياه والكهرباء ومعدات وآليات، بينها جرارات وأدوات قال إنها تستخدم في أعمال مرتبطة بتجهيز الموقع.
ويرى حمود أن هذه المظاهر دفعت اللجنة الشعبية والأهالي إلى التعامل مع الوجود في الموقع باعتباره محاولة لإنشاء نقطة استقرار ثابتة، وليس مجرد وجود رعوي مؤقت.
لكن وصف الموقع بأنه "بؤرة استيطانية" يبقى، من الناحية الصحفية والقانونية، توصيفًا صادرًا عن مصادر محلية، ولا يمكن اعتباره حكمًا قانونيًا مستقلًا من دون التحقق من وضع الموقع لدى الجهات المختصة.
في المقابل، يلفت المحامي حسين مناع إلى مسألة يعتبرها أساسية في قراءة طبيعة الاستخدام، وهي غياب المواشي عن الموقع، وفق ما شاهده أو علم به بحسب إفادته.
ويطرح مناع سؤالًا مباشرًا: إذا كان الغرض المعلن من استخدام الأرض هو الرعي، فأين الحيوانات التي يفترض أن يكون وجودها أساس هذا الاستخدام؟
لكن غياب المواشي في وقت محدد لا يكفي وحده لإثبات أن النشاط ليس رعويًا، فقد تكون الحيوانات في مكان آخر أو قد يتغير توقيت وجودها في الموقع.
ولهذا، تبقى هذه النقطة بحاجة إلى توثيق ميداني مستقل ومتكرر، خصوصًا لمعرفة ما إذا كانت المواشي موجودة فعلًا في الموقع خلال الفترة التي بدأت فيها الخيام والتجهيزات بالظهور.
هنا ينتقل الخلاف من المشهد الميداني إلى الجانب القانوني، المحامي حسين مناع يرى أن هناك فرقًا جوهريًا بين استخدام الأرض للرعي وبين تحويلها إلى مكان إقامة مستمر.
وبحسب إفادته، فإن الاتفاق الذي اطلع عليه يتيح استخدام الأرض لغرض رعي المواشي، لكنه لا يمنح، وفق قراءته، حق إقامة موقع سكني دائم أو تغيير طبيعة الأرض أو تنفيذ أعمال إنشائية وتجهيزية تتجاوز الغرض المتفق عليه.
ويقول مناع إن وجود الخيام وحده لا يكفي لتحديد طبيعة الاستخدام، لكن الصورة تصبح مختلفة عندما ترافقها، بحسب وصفه، مرافق معيشية مثل أماكن النوم والطهي والمراحيض والاستحمام، إلى جانب تمديدات المياه والكهرباء وأعمال تسوية أو تجريف للأرض.
ومن وجهة نظره، فإن السؤال القانوني الأساسي لا يتمثل في معرفة ما إذا كان الرعي مسموحًا، بل في تحديد ما إذا كان الاستخدام الفعلي للأرض لا يزال ضمن حدود الرعي، أم أنه تحول إلى استخدام آخر يتطلب موافقات أو تراخيص مختلفة.
من أبرز العناصر التي تثير أسئلة إضافية في القضية تمديدات المياه والكهرباء التي تتحدث عنها المصادر المحلية.
ويقول حمود إن الموقع شهد تمديدات للمياه والكهرباء، فيما يرى مناع أن هذه الأعمال، إذا تمت من دون الموافقات المطلوبة، يمكن أن تطرح مسألة قانونية مستقلة عن موضوع الرعي؛ لكن تحديد المسؤولية يتطلب معرفة الجهة التي نفذت التمديدات، وتوقيت تنفيذها، ومصدر الخدمات، وما إذا كانت هناك تصاريح أو موافقات رسمية.
وهذه نقطة لا يمكن حسمها بالتصريحات وحدها، ويمكن للوثائق الرسمية أن تقدم إجابة واضحة بشأنها.
بحسب قراءة المحامي مناع، فإن الفرق بين الرعي المؤقت والإقامة الثابتة لا تحدده الخيمة وحدها، وإنما طبيعة الاستخدام الفعلي للأرض بمجمله.
فوجود رعاة مع مواشيهم لفترة محددة ثم مغادرتهم يختلف عن وجود أشخاص بشكل مستمر، مع أماكن للنوم ومرافق معيشية وشبكات خدمات ومعدات وأعمال لتغيير طبيعة الأرض.
ويرى مناع أن ما يصفه في القطعة 89 يتجاوز الاستخدام الرعوي الذي يتحدث عنه الاتفاق؛ لكن إثبات ذلك بصورة نهائية يتطلب مقارنة المشهد الفعلي على الأرض مع نص العقد الأصلي، والتراخيص، وأوامر التخطيط والبناء، وأي مستندات صادرة عن الجهات الرسمية المختصة.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القضية: الروايات المتاحة تقدم صورة عن الواقع الميداني، لكن الوثائق هي التي تستطيع تحديد ما إذا كان هذا الواقع متوافقًا مع الاستخدام المسموح به أم يتجاوزه.
الخلاف لا يتوقف عند طبيعة وجود المجموعة، إذ يقول رؤوف حمود إن أصحاب أراضٍ من مجد الكروم يخشون الوصول إلى أراضيهم، وإن بعضهم واجه صعوبات في الدخول إليها، خصوصًا مع اقتراب موسم الزيتون.
وهذه الإفادة بدورها تحتاج إلى توثيق مستقل، لأنها تفتح سؤالًا آخر: إذا كان أصحاب الأرض يواجهون صعوبة في الوصول إلى ممتلكاتهم، فما الجهة التي تمنعهم؟ وهل يوجد قرار رسمي بهذا الشأن؟ وهل المنع مرتبط بدواعٍ أمنية أم بوضع قانوني للأرض؟
ولا يمكن حسم هذه الأسئلة بالمواقف السياسية وحدها، وإنما من خلال شهادات أصحاب الأراضي والسجلات الرسمية وأي أوامر أو محاضر ذات صلة.
بالنسبة إلى اللجنة الشعبية في مجد الكروم، لا تنحصر القضية في حدود القطعة 89، ويقول حمود إن ما يحدث قد يكون جزءًا من نمط أوسع لاستخدام المزارع أو المواقع الرعوية كمدخل لإنشاء وجود ثابت في مناطق مختلفة من الجليل.
كما يرى أن استمرار الوجود في الموقع قد يحوله مع الوقت إلى أمر واقع، وهو ما يجعل الأهالي يتعاملون مع التطورات الحالية باعتبارها مسألة تتجاوز حدود القطعة نفسها.
لكن الانتقال من واقعة محلية إلى الحديث عن نمط أوسع يحتاج إلى أدلة تتجاوز الانطباعات الميدانية، مثل وثائق تخطيط، وقرارات رسمية، وعقود متشابهة في مناطق أخرى، أو حالات موثقة يمكن مقارنتها بما يحدث في مجد الكروم.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل القطعة 89 حالة منفردة، أم نموذج لأسلوب يتكرر في مناطق أخرى؟
يشير أبو جابر وحمود إلى محاولات سابقة شهدتها مناطق أخرى، من بينها منطقة قرب طرعان، ويعتبران أن المقارنة بين الحالات تستحق المتابعة، فإذا ثبت وجود تشابه في طريقة استخدام الأراضي، والعقود، والخيام، والبنية التحتية، وآلية التعامل الرسمي، فقد يصبح بالإمكان الحديث عن نمط أوسع.
أما إذا اختلفت الوقائع القانونية من حالة إلى أخرى، فقد تبقى المقارنة في إطار القراءة السياسية أكثر من كونها إثباتًا على نمط قانوني موحد.
ولهذا فإن السؤال الاستقصائي الأوسع يتمثل في معرفة عدد المواقع الرعوية أو الزراعية المشابهة التي ظهرت في الجليل خلال السنوات الأخيرة، وما الوضع القانوني لكل منها من حيث الملكية والعقد والتراخيص والبنية التحتية ووجود المواشي.
يضع الدكتور إبراهيم أبو جابر، رئيس حزب الوفاء والإصلاح، الواقعة ضمن سياق سياسي أوسع.
وفي مقابلة مع "البعد الرابع"، يرى أبو جابر أن تحويل الأراضي المحاذية للبلدات العربية إلى مواقع رعوية أو نقاط استقرار يمكن أن يفاقم أزمة الأراضي والتوسع العمراني التي تعاني منها البلدات العربية في الجليل.
ويربط أبو جابر ما يجري بما يسميه مشروع "تهويد النقب والجليل"، ويحذر من أن استمرار مثل هذه المواقع يمكن أن يضيّق أكثر المساحات المتاحة للتوسع العمراني العربي.
لكن هذا التوصيف يبقى قراءة سياسية من جانب أبو جابر، ولا يمكن التعامل معه باعتباره إثباتًا على وجود خطة حكومية محددة تستهدف القطعة 89 ما لم تدعمه وثائق أو قرارات رسمية.
وهنا يفصل التحقيق بين ما تقوله المصادر عن الدوافع السياسية وبين ما يمكن إثباته بالمستندات والوقائع.
وكان حزب الوفاء والإصلاح - فرع دير الأسد قد أصدر في 14 أيلول/سبتمبر 2026 بيانًا بعنوان "البؤرة الاستيطانيّة في مجد الكروم غير شرعيّة ومرفوضة"، قال فيه إن خيامًا وتمديدات للمياه أقيمت في منطقة الروس تحت ذريعة الرعي.
وأشار البيان إلى تحرك المجلس المحلي واللجنة الشعبية والأهالي إلى الموقع، وإلى دعوة رئيس المجلس المحلي سليم صليبي إلى الحفاظ على حضور دائم في المكان، إلى جانب متابعة قانونية ورسمية للقضية.
كما ربط الحزب الواقعة، في بيانه، بما وصفه بـ"مشروع تهويد النقب والجليل"، وأشار إلى محاولات سابقة قرب طرعان، وتتعامل "البعد الرابع" مع البيان باعتباره موقفًا سياسيًا صادرًا عن الحزب، وليس وثيقة تثبت بصورة مستقلة الوضع القانوني للموقع.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، تتحدث الإفادات المحلية عن وجود مجموعة في الموقع، وخيام ومركبات وتجهيزات وتمديدات للمياه والكهرباء، إلى جانب تحرك أهالي مجد الكروم ولجنتهم الشعبية.
في المقابل، تبقى مجموعة من الأسئلة القانونية والوثائقية دون حسم، أبرزها: ملكية القطعة 89، والجهة التي أبرمت اتفاق استخدامها، والطرف المتعاقد، والغرض المحدد في الاتفاق، وما إذا كان العقد يسمح بالمبيت أو إقامة المنشآت، وما إذا كانت هناك تصاريح لأعمال التسوية أو الحفر أو البناء وتمديدات المياه والكهرباء، فضلًا عن التحقق من وجود المواشي في الموقع.
هذه التفاصيل ليست هامشية، لأنها تحدد طبيعة ما يجري: هل نحن أمام استخدام رعوي للأرض ضمن حدود اتفاق قائم، أم تحول فعلي في طبيعة استخدامها، أم محاولة لإنشاء وجود ثابت يحتاج إلى مسار قانوني وتنظيمي مختلف؟
قصة القطعة 89 لا تختصرها الخيام، ولا عدد الأشخاص الموجودين في الموقع، ولا الشعارات السياسية التي رفعتها الأطراف، جوهر القضية يقع في المسافة بين الحق في استخدام الأرض وحدود هذا الاستخدام.
فإذا كان هناك اتفاق للرعي، فإن نص الاتفاق هو نقطة البداية: ماذا يمنح؟ وماذا يمنع؟ ومن يملك الأرض؟ ومن يملك صلاحية تأجيرها؟
وإذا كان الواقع الميداني يتجاوز ما يسمح به الاتفاق، فإن السؤال التالي يصبح: من الجهة التي ستثبت هذا التجاوز، وما الإجراء الذي ستتخذه؟
أما إذا كان الموقع يتحول بالفعل إلى وجود ثابت، فإن عامل الزمن يصبح جزءًا من القضية، مع كل ما قد يرافق استمرار الوجود من بنية تحتية واعتياد على المكان وتعقيد أكبر في تغيير الواقع القائم.
لذلك، لا تسأل "البعد الرابع" فقط: هل ما يحدث في منطقة الروس رعي أم بؤرة؟
بل تطرح السؤال الأعمق: كيف يمكن لاستخدام رعوي معلن أن يتحول إلى واقع ثابت على الأرض، ومن يملك الوثيقة والقرار لتحديد أين ينتهي الرعي وأين يبدأ الاستقرار؟
هذه هي النقطة التي تبدأ عندها قصة القطعة 89، وربما لا تنتهي عند حدودها.
