
2026-09-09 07:50
خاص 4dPAL
لم يعد التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يقتصر على اعتداءات ينفذها مستوطنون بصورة منفردة، إذ تظهر قرارات حكومية وموازنات رسمية وإجراءات إدارية وعسكرية أن جزءًا من التوسع يجري ضمن سياسة أوسع تشارك فيها مؤسسات الدولة الإسرائيلية.
وفي أحدث المؤشرات على ذلك، أقرت الحكومة الإسرائيلية في يوليو/تموز الماضي ميزانية بقيمة 1.3 مليار شيكل، أي نحو 434 مليون دولار، مخصصة لإنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش.
ولا يقتصر الدعم على التمويل؛ أظهر تحقيق نشرته رويترز هذا الأسبوع أن نشاط عائلة إسرائيلية تعمل في إنشاء البؤر الاستيطانية توسع خلال السنوات الأخيرة، مع استفادتها من تصاريح وتمويل وتنسيق مع جهات حكومية وعسكرية إسرائيلية. ووفق التحقيق، ساهمت أنشطة الشركة المرتبطة بالعائلة في إنشاء تسع بؤر استيطانية على الأقل منذ عام 2023.
وتكشف هذه الوقائع عن مسار يتجاوز الاعتداءات الفردية، إذ تتداخل فيه أعمال المستوطنين مع قرارات حكومية تتعلق بالأرض والبناء والتمويل والبنية التحتية، بما يعزز وجود المستوطنات والبؤر الاستيطانية في مناطق مختلفة من الضفة.
وفي يونيو/حزيران، أفادت رويترز بأن الحكومة الإسرائيلية أحالت خطة لتخصيص مليار شيكل، أي نحو 340 مليون دولار، لإنشاء مستوطنات جديدة في الضفة إلى المجلس الوزاري الأمني للتصويت عليها، وكانت الخطة مدفوعة من سموتريتش، المعروف بدعمه لتوسيع الاستيطان ورفض إقامة دولة فلسطينية.
وفي أبريل/نيسان، أُعلن عن موافقة الحكومة الإسرائيلية على إنشاء 34 مستوطنة جديدة، بحسب منظمة "السلام الآن" التي تتابع النشاط الاستيطاني، في خطوة جاءت بالتزامن مع تصاعد الهجمات التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين وزيادة عمليات التهجير في مناطق مختلفة من الضفة.
وتشير منظمة العفو الدولية، استنادًا إلى بيانات "السلام الآن"، إلى أن عدد البؤر الاستيطانية التي أنشأها مستوطنون في الضفة الغربية وصل إلى 363 بؤرة حتى نهاية أبريل/نيسان 2026، بينها 212 أُنشئت منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة.
وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن كل بؤرة استيطانية أو كل اعتداء ينفذه مستوطنون يحظى بموافقة رسمية مباشرة من الحكومة الإسرائيلية؛ فقد أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بحسب مصادر نقلت عنها رويترز هذا الأسبوع، بإزالة نحو 100 بؤرة استيطانية غير مرخصة وفق القانون الإسرائيلي؛ لكن تنفيذ القرار وتوقيته ما زالا غير واضحين، فيما أبدى سموتريتش اعتراضه على الخطوة.
وتقول "إسرائيل" إن بعض هذه البؤر أُنشئ من دون موافقة رسمية، وتتعامل معها في بعض الحالات باعتبارها غير قانونية حتى وفق القانون الإسرائيلي. أما على المستوى الدولي، فتُعد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وبينما تتواصل اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، فإن الصورة الأوسع تشمل أيضًا قرارات حكومية تتعلق بالأرض والميزانيات والتخطيط والبناء والإدارة، وهو ما يدفع منتقدين وسياسيين ودولًا غربية إلى التعامل مع الاستيطان باعتباره سياسة مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية، وليس مجرد ظاهرة أمنية منفصلة عن مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى هذا الأسبوع إجراءات تستهدف منتجات المستوطنات وجهات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني، فيما وصفت الحكومة البريطانية التوسع الاستيطاني بأنه تهديد لإمكانية إقامة دولة فلسطينية؛ وردت إسرائيل بإجراءات دبلوماسية ضد بريطانيا، من بينها قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية.
وهكذا، فإن ملف الاستيطان في الضفة الغربية لا يتوقف عند صورة المستوطن الذي يهاجم فلسطينيًا أو يقيم بؤرة على أرض زراعية؛ فخلف هذه المشاهد توجد منظومة أوسع من القرارات والتمويل والتخطيط والإجراءات الرسمية التي أسهمت خلال السنوات الأخيرة في توسيع المشروع الاستيطاني وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على مساحات متزايدة من الضفة.
