
2026-11-02 10:58
فلسطين - رنيم علوي - البعد الرابع (4dPAL)
لم يكن وعد بلفور، الذي أصدرته بريطانيا في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917، مجرد رسالة دبلوماسية عبّرت عن تأييد إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، بل جاء في مرحلة كانت فيها القوى الاستعمارية الأوروبية تعيد رسم خريطة المنطقة، على وقع الحرب العالمية الأولى وتراجع الدولة العثمانية، وفي ظل تلاقي المصالح البريطانية مع أهداف الحركة الصهيونية.
وبعد أكثر من قرن على صدور الوعد، لا تزال تداعياته حاضرة في النقاش السياسي والتاريخي المتعلق بفلسطين، ليس فقط باعتباره محطة سبقت قيام إسرائيل، بل بوصفه قرارًا اتخذته قوة استعمارية بشأن مستقبل أرض يسكنها شعب لم يكن طرفًا في صياغته أو الموافقة عليه.
وفي حديث خاص لـ"البعد الرابع"، قدّم المحلل السياسي عمر عساف قراءة لخلفيات الوعد، معتبرًا أن صدوره لم يكن حدثًا منفصلًا عن المشروع الاستعماري البريطاني في المنطقة، بل جاء نتيجة التقاء المصالح الإمبراطورية مع طموحات الحركة الصهيونية، في ظل ظروف دولية وإقليمية وفّرت الأرضية السياسية لتنفيذه.
يرى عساف أن فكرة استخدام الوجود اليهودي في فلسطين ضمن مشروع نفوذ استعماري لم تبدأ مع صدور وعد بلفور، بل سبقتها محاولات وتصورات طرحتها شخصيات وقوى أوروبية خلال القرن التاسع عشر.
ويستحضر في هذا السياق تحركات نابليون بونابرت عام 1799، وما ارتبط بها من طرح لفكرة إعادة إقامة كيان يهودي في فلسطين تحت الحماية الفرنسية، خلال حملته العسكرية على المنطقة. كما يشير إلى السياسات البريطانية السابقة للوعد، ولا سيما توجهات وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون، الذي وجّه عام 1840 رسالة إلى السفير البريطاني في إسطنبول تحدث فيها عن تشجيع استقرار اليهود في فلسطين، وربط ذلك بمصالح الدولة العثمانية وحساباتها الإقليمية.
وتؤكد وثائق تاريخية أن شخصيات بريطانية خلال القرن التاسع عشر طرحت تصورات بشأن الاستيطان اليهودي في فلسطين، وأن بالمرستون دعا في مراسلته عام 1840 إلى تشجيع عودة اليهود واستقرارهم فيها؛ وتُظهر هذه السوابق أن النقاش البريطاني بشأن فلسطين سبق الحركة الصهيونية السياسية الحديثة ووعد بلفور بعقود.
وبحسب قراءة عساف، فإن هذه الطروحات تعكس اهتمامًا استعماريًا مبكرًا بإيجاد قاعدة نفوذ في المنطقة، واستخدام مشروع استيطاني يرتبط بالمصالح الأوروبية، وهو ما يجعل وعد بلفور، من وجهة نظره، امتدادًا لمسار سياسي أقدم، وليس مجرد استجابة لظروف الحرب العالمية الأولى.
جاء وعد بلفور في مرحلة كانت فيها بريطانيا وفرنسا تتنافسان على مناطق النفوذ في الأراضي التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، المعروفة آنذاك في الأدبيات الأوروبية بـ"الرجل المريض".
وفي عام 1916، وقّعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس بيكو السرية، التي رسمت تصورات لتقسيم مناطق النفوذ والسيطرة في المشرق العربي بعد هزيمة الدولة العثمانية؛ وبعد ذلك بعام، أصدرت بريطانيا وعد بلفور، معلنة دعمها إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
ويشير عساف إلى أن الوعد صدر في إطار التنافس الاستعماري بين القوى الأوروبية، وسعي بريطانيا إلى تعزيز موقعها في المنطقة، وضمان مصالحها الاستراتيجية، بالتوازي مع تقاطع هذه المصالح مع طموحات الحركة الصهيونية.
ولم تكن بريطانيا، وفق هذه القراءة، تتحرك في فراغ سياسي؛ فقد كانت تسعى إلى تثبيت نفوذها في منطقة ذات أهمية جغرافية واستراتيجية، تربط بين مصر وشرق المتوسط والطرق المؤدية إلى الهند، فيما رأت في المشروع الصهيوني أداة يمكن أن تتقاطع مع أهدافها الإقليمية.
وتشير قراءات تاريخية إلى أن الحسابات البريطانية شملت اعتبارات استراتيجية مرتبطة بموقع فلسطين، إلى جانب اعتبارات سياسية ودينية وتقديرات بشأن كسب دعم الحركة الصهيونية واليهود في دول مؤثرة خلال الحرب.
لم يصدر وعد بلفور بمعزل عن تطور الحركة الصهيونية السياسية، التي بدأت تتبلور بصورة مؤسسية في أواخر القرن التاسع عشر، مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897، وطرح مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
ويرى عساف أن صدور الوعد جاء نتيجة التقاء المصالح البريطانية مع طموحات الحركة الصهيونية، التي كانت تبحث عن قوة دولية تتبنى مشروعها وتوفر له الغطاء السياسي والدبلوماسي اللازم.
ويشير إلى أن الحركة الصهيونية كانت تطرح فكرة الوطن القومي في سياق البحث عن مشروع سياسي، وأن مواقع أخرى طُرحت تاريخيًا ضمن النقاشات المتعلقة بالاستيطان اليهودي، من بينها الأرجنتين وأوغندا وسيناء وقبرص؛ لكنه يرى أن التقاء المصالح البريطانية مع المشروع الصهيوني، إلى جانب ظروف الحرب وموازين القوى، أسهم في ترجيح فلسطين بوصفها موقع المشروع.
ومن الناحية التاريخية، ارتبطت الحركة الصهيونية الحديثة بفكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، فيما اكتسب المشروع دعمًا بريطانيًا رسميًا عبر إعلان عام 1917، الذي منح الحركة سندًا سياسيًا دوليًا مؤثرًا في مسار الأحداث اللاحقة.
وفي قراءته للعوامل التي ساعدت على تنفيذ وعد بلفور، لا يحصر عساف المسؤولية في بريطانيا والحركة الصهيونية، بل يتحدث أيضًا عن البيئة السياسية العربية التي رافقت مرحلة انهيار الدولة العثمانية، وما شهدته من تفاهمات وتحالفات مع القوى الاستعمارية.
ويشير إلى أن عددًا من الأنظمة والقيادات العربية تعاملت مع السياسات البريطانية والفرنسية في المنطقة، وأن هذا الواقع أسهم، بحسب تقديره، في توفير ظروف سياسية سمحت للقوى الاستعمارية بفرض تصوراتها بشأن مستقبل الأراضي العربية.
ويربط عساف ذلك بالتفاهمات التي جرت بين بريطانيا وبعض القيادات العربية خلال الحرب العالمية الأولى، وبالنفوذ الفرنسي في سوريا ولبنان، معتبرًا أن غياب موقف عربي موحد قادر على مواجهة المشروع الاستعماري أضعف القدرة على التصدي للتطورات التي كانت تُرسم بشأن فلسطين.
وفي هذا السياق، برزت المراسلات بين الشريف حسين والمندوب السامي البريطاني في مصر هنري مكماهون خلال عامي 1915 و1916، والتي تضمنت تعهدات بريطانية تتعلق بالاستقلال العربي بعد الحرب، بالتوازي مع اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور؛ وهي التزامات وتفاهمات متداخلة أصبحت لاحقًا محورًا لخلافات تاريخية بشأن مستقبل المنطقة.
لم يبقَ وعد بلفور في حدود التصريح السياسي، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تأثيرًا مع دخول بريطانيا فلسطين وفرض الانتداب عليها بعد الحرب العالمية الأولى.
فبعد هزيمة الدولة العثمانية، أصبحت فلسطين خاضعة للإدارة العسكرية البريطانية، ثم أُقر نظام الانتداب من عصبة الأمم عام 1922، ودخل حيز التنفيذ في عام 1923. وتضمّن صك الانتداب التزامات تتعلق بتهيئة الظروف لإقامة الوطن القومي اليهودي، والاعتراف بدور الوكالة اليهودية في التعاون مع إدارة الانتداب، إلى جانب نصوص تتحدث عن حماية الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ إذ انتقل الوعد من رسالة سياسية صدرت عن الحكومة البريطانية إلى سياسة أصبحت جزءًا من الإطار الإداري والقانوني الذي حكم فلسطين خلال فترة الانتداب.
ويشير عساف إلى أن هزيمة الدولة العثمانية، وخروج بريطانيا وفرنسا من الحرب في موقع المنتصر، ووجود الحركة الصهيونية المنظمة، إلى جانب الظروف السياسية العربية، تضافرت جميعها لتوفير الأرضية الدولية والسياسية لتنفيذ الوعد.
وبذلك، لم يعد الأمر متعلقًا بتأييد دبلوماسي فحسب، بل أصبح مرتبطًا بإدارة الأرض والسياسات التي رافقت الانتداب، وما ترتب عليها من تحولات في فلسطين.
في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أعلن فيها أن الحكومة البريطانية تنظر بعين التأييد إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وتتعهد ببذل جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف.
وتضمنت الرسالة إشارة إلى عدم القيام بأي عمل من شأنه الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو بالحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
لكن عساف يرى أن هذه الصياغة لم تنصف أصحاب البلاد الأصليين، إذ تحدثت عن حقوق مدنية ودينية للسكان غير اليهود، من دون الإقرار الواضح بحقوقهم السياسية والوطنية أو حقهم في تقرير المصير.
ويعتبر أن الإشارة إلى حماية حقوق السكان لم تمنع، وفق قراءته، تطور المشروع الاستيطاني على حساب الفلسطينيين، وما رافقه لاحقًا من تهجير ومصادرة للأراضي وحرمان من الحقوق الوطنية.
وقد أصبحت هذه المفارقة من أبرز النقاط التي يثيرها النقاش التاريخي حول الوعد، خصوصًا أن النص منح دعمًا سياسيًا لإقامة وطن قومي لليهود، بينما لم يذكر الفلسطينيين بوصفهم شعبًا صاحب حق سياسي ووطني في تقرير مصيره.
وفي تقييمه للمسؤولية البريطانية، يرى عساف أن بريطانيا تتحمل المسؤولية الأساسية عن إصدار وعد بلفور وعن الدور الذي أدته في توفير الظروف السياسية والإدارية لتنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين.
ويستند في موقفه إلى أن بريطانيا لم تكتفِ بإصدار الوعد، بل تولت إدارة فلسطين خلال فترة الانتداب، وأدرجت الالتزام بإقامة الوطن القومي اليهودي ضمن صك الانتداب، وهو ما يجعل مسؤوليتها، بحسب رأيه، سياسية وأخلاقية وإنسانية، ولا يمكن اختزالها في رسالة صدرت قبل أكثر من قرن.
ويستحضر عساف النقاشات المتعلقة بمطالبة بريطانيا بالاعتذار عن ماضيها الاستعماري، بما في ذلك تجارة العبيد واستعباد الشعوب الإفريقية، معتبرًا أن المسؤولية عن ما تعرض له الفلسطينيون من تهجير وفقدان للأرض والحقوق تستدعي موقفًا بريطانيًا يتجاوز الاعتذار الرمزي.
ويقول إن حجم التداعيات التي لحقت بالشعب الفلسطيني، من تهجير وفقدان للمنازل والأراضي والحقوق، يفرض على بريطانيا الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية، واتخاذ خطوات عملية لتصحيح ما يصفه بالخطأ التاريخي.
ويشدد على أن عبارة حماية حقوق السكان الأصليين الواردة في نص الوعد لا تعفي بريطانيا من المسؤولية، معتبرًا أن ما تلا ذلك من سياسات الانتداب والتحولات التي شهدتها فلسطين يفرض إعادة النظر في الموقف البريطاني من القضية الفلسطينية.
لا يطالب عساف، وفق حديثه، باعتذار بريطاني فحسب، بل يدعو إلى خطوات سياسية وعملية لتصحيح ما يعتبره نتائج مباشرة لوعد بلفور والسياسات التي تلته.
ويتمثل ذلك، بحسب موقفه، في أن تقف بريطانيا إلى جانب الحقوق الوطنية الفلسطينية، وأن تضغط على إسرائيل للامتثال للقرارات الدولية، بما يتيح للفلسطينيين ممارسة حقهم في العودة وتقرير المصير وإقامة دولتهم.
ويؤكد أن الاعتراف بالمسؤولية التاريخية ينبغي أن يترجم إلى مواقف سياسية واضحة، بدل الاكتفاء بإبداء الأسف أو تقديم اعتذارات لا تغير من واقع الفلسطينيين شيئًا.
وتتجاوز هذه المطالب مسألة تقييم حدث تاريخي، لتطرح سؤالًا بشأن كيفية تعامل الدول التي مارست الاستعمار مع إرث سياساتها، وما إذا كانت مستعدة لتحمل تبعات القرارات التي اتخذتها في أراضي شعوب أخرى، وما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.
بعد مرور أكثر من مئة عام على صدور وعد بلفور، لا تزال فلسطين تعيش تداعيات مرحلة تاريخية تشابكت فيها المصالح الاستعمارية الأوروبية مع المشروع الصهيوني، في ظل غياب الفلسطينيين عن القرارات الدولية التي رسمت جانبًا أساسيًا من مستقبل بلادهم.
وبين نص الوعد الذي تحدث عن وطن قومي لليهود، والانتداب البريطاني الذي تولى تنفيذ السياسة المعلنة، وما تلا ذلك من تهجير ونزاع مستمر، يرى عمر عساف أن المسؤولية البريطانية لا تنتهي بانتهاء الانتداب، بل تظل قائمة من الناحية السياسية والأخلاقية بسبب الدور الذي أدته بريطانيا في تأسيس المسار الذي قاد إلى ما آلت إليه القضية الفلسطينية.
ويعيد هذا النقاش طرح أسئلة تتجاوز الاعتذار عن الماضي: هل يمكن تحويل الاعتراف بالمسؤولية التاريخية إلى خطوات عملية؟ وهل تكتفي بريطانيا بمراجعة خطابها بشأن فلسطين، أم تتجه إلى ممارسة ضغط سياسي يضمن احترام الحقوق الفلسطينية؟
وبالنسبة إلى عساف، فإن المعيار لا يتمثل في اعتذار رمزي عن وعد صدر عام 1917، بل في المساهمة في تصحيح نتائجه، والوقوف إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته.