2026-09-16 18:44
القدس - ضحى مزيد - البعد الرابع (4dpal)
لم يعد المشهد في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، ومحيط باب الرحمة تحديدًا، يقتصر على مرور المقتحمين ضمن مسار الزيارة التقليدي، في ظل تكرار الطقوس اليهودية والوقوف لفترات أطول في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وتطرح هذه الممارسات أسئلة حول طبيعة التغير الذي يشهده المكان، وما إذا كانت تتجاوز كونها أحداثًا متفرقة إلى نمط متكرر يمكن أن يترك أثرًا على واقع المسجد الأقصى ووضعه القائم.
وفي هذا التقرير، تتتبع "البعد الرابع" أبرز المؤشرات الميدانية المرتبطة بالمنطقة الشرقية وباب الرحمة، من خلال شهادات وملاحظات باحثين ومتابعين للشأن المقدسي.
يقول الباحث والمتابع للشأن المقدسي فخري أبو ذياب، في حديث خاص لـ"البعد الرابع"، إن التغير الأبرز خلال الفترة الأخيرة يتمثل في انتقال بعض الاقتحامات من المرور السريع داخل ساحات المسجد إلى التمركز في المنطقة الشرقية لفترات أطول.
ويربط أبو ذياب هذا التحول بالدعوات الصادرة عن جماعات دينية يهودية لإقامة وجود ديني أكثر ثباتًا في المنطقة، مشيرًا إلى أن التحضيرات لذلك، بحسب قراءته، باتت تظهر بصورة أكثر وضوحًا.
ويضيف أن المنطقة تشهد خلال بعض الاقتحامات أداء طقوس دينية وإلقاء دروس والنفخ في الشوفار، في ظل حماية أمنية، معتبرًا أن تكرار هذه الممارسات يختلف عن نمط الاقتحامات التقليدي الذي كان يقوم بصورة أساسية على الحركة داخل مسار محدد في ساحات المسجد.
ويرى أبو ذياب أن أهمية المنطقة لا ترتبط بموقعها الجغرافي فقط، وإنما بطبيعة المساحة المحيطة بها وبكونها جزءًا من الجهة الشرقية للمسجد الأقصى.
ويشير إلى أن الإجراءات التي تحد من وجود المصلين أو حراس الأوقاف في المنطقة، إلى جانب تكرار الطقوس، يمكن أن تؤدي تدريجيًا إلى تغيير طبيعة الاستخدام اليومي للمكان.
وشهد باب الرحمة خلال الفترة الأخيرة إجراءات إسرائيلية وإخلاءات للمصلين، في وقت تتواصل فيه حالة الجدل حول طبيعة استخدام المنطقة والوجود فيها.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع من التطورات المرتبطة بباب الرحمة، الذي شهد خلال السنوات الماضية إجراءات ومواجهات متكررة على خلفية استخدامه والصلاة فيه.
من جانبه، يقرأ الباحث المختص في شؤون القدس الدكتور عبد الله معروف تكرار الطقوس في المنطقة باعتباره مؤشرًا يستحق المتابعة، موضحًا أن تكرار ممارسة معينة في المكان نفسه يمكن أن يحولها، بمرور الوقت، من حدث استثنائي إلى مشهد مألوف.
ويقول معروف لـ"البعد الرابع": "إن أهمية الأمر لا تكمن في الطقس منفردًا، وإنما في تكراره في الموقع ذاته، وفي توقيته، وفي طريقة التعامل الأمني معه".
وبحسب قراءته، فإن استمرار هذه الممارسات يطرح سؤالًا حول ما إذا كان يجري اختبار حدود ما يمكن فرضه ميدانيًا داخل المنطقة الشرقية من الأقصى، ومدى قدرة هذا التكرار على خلق واقع جديد بمرور الوقت.
ويؤكد معروف أن تقييم هذا المسار يحتاج إلى رصد متواصل للوقائع على الأرض، وعدم التعامل مع كل حادثة بمعزل عن غيرها.
ويرى رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد ناصر الهدمي أن التركيز على المنطقة الشرقية يحمل أهمية خاصة في الحسابات المتعلقة بمستقبل المسجد الأقصى.
ويقول الهدمي لـ"البعد الرابع": "إن طبيعة المنطقة ومساحتها وموقعها داخل المسجد تجعلها موضع اهتمام لدى جماعات يهودية تسعى إلى تعزيز حضورها الديني في المكان".
ويضيف أن تكرار محاولات فرض طقوس دينية في المنطقة، إلى جانب التضييق على وجود الأوقاف والمصلين، يستدعي متابعة ما إذا كانت هذه الممارسات ستبقى مؤقتة أم ستتحول إلى ترتيبات ثابتة.
لا يكفي، في قراءة هذا المشهد، رصد صور الطقوس أو مقاطع الفيديو المتداولة وحدها؛ ففهم الاتجاه الذي يسير فيه الواقع الميداني يحتاج إلى مقارنة مجموعة من المؤشرات، من بينها قرارات الإبعاد بحق حراس الأوقاف، والتعليمات الأمنية المتعلقة بأبواب المسجد، والدعوات المنشورة من جماعات دينية يهودية، إلى جانب مواقف المسؤولين السياسيين والقرارات الرسمية ذات الصلة.
كما يتطلب التحقق من أي حديث عن اقتطاع مساحات محددة أو إقامة منشآت دائمة العودة إلى خرائط ووثائق ومصادر ميدانية مستقلة، بدل الاكتفاء بالتقديرات أو التصريحات.
وهنا تحديدًا تتحول القضية من متابعة يومية للاقتحامات إلى سؤال استقصائي أوسع: هل نحن أمام سلسلة من الإجراءات المنفصلة، أم أمام مسار متراكم يسعى إلى تغيير طبيعة استخدام المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى؟
تكشف متابعة التطورات حول باب الرحمة عن مشهد يتغير تدريجيًا من حيث مدة التواجد، وتكرار الطقوس، وطبيعة الإجراءات الأمنية المحيطة بالمنطقة.
لكن تحديد ما إذا كانت هذه التطورات تشكل بالفعل تحولًا مؤسسيًا في واقع المسجد الأقصى يحتاج إلى تتبع القرارات والخرائط والإجراءات الرسمية، إلى جانب الخطاب الصادر عن الجماعات الدينية والسياسية الإسرائيلية.
