منوعات

من "الغميضة" إلى الألعاب الإلكترونية .. أين ذهبت ألعاب الحارة؟

Case

2026-09-05 10:37

Copy Link

خاص 4dpal

قبل أن يصبح لكل طفل شاشة في يده، كانت الحارة نفسها ملعبًا مفتوحًا. مجموعة أطفال يجتمعون بعد الظهر، يتفقون بسرعة على اللعبة، يختلفون على القواعد، ثم يبدأ الركض.

"غميضة"، "حَبْل"، "سبع حجار"، كرة القدم في الشارع، أو حتى لعبة اخترعها الأطفال في لحظتها. لم تكن الألعاب تحتاج إلى أجهزة أو اشتراكات أو اتصال بالإنترنت؛ كانت تحتاج فقط إلى مجموعة أطفال ومكان يمكنهم الركض فيه.

اليوم، تغير المشهد.

لا يعني ذلك أن ألعاب الحارة اختفت تمامًا، لكنها لم تعد الشكل الوحيد للترفيه؛ فالألعاب الإلكترونية دخلت بقوة إلى حياة الأطفال، وأصبح بإمكان طفل أن يلعب مع أصدقاء موجودين في أماكن مختلفة، من خلال شاشة واحدة.

التغيير لم يكن في اللعبة فقط، بل في مفهوم اللعب نفسه.

في ألعاب الحارة، كان الطفل يتفاوض مع الآخرين، ويتعلم كيف يخسر، وكيف يطلب إعادة الجولة، وكيف يضع قواعد جديدة، وكيف يتعامل مع اختلاف الشخصيات داخل المجموعة.

أما اللعبة الإلكترونية، فالقواعد غالبًا محددة مسبقًا، والنتيجة تظهر على الشاشة، والمنافس قد يكون جالسًا في الغرفة نفسها أو في بلد آخر.

وفي المقابل، توفر الألعاب الرقمية مزايا لم تكن موجودة سابقًا؛ فهي تفتح عوالم واسعة أمام الأطفال، وتسمح لهم بالتفاعل مع لاعبين آخرين، وتقدم أنماطًا مختلفة من التفكير وحل المشكلات والتحديات؛ لكنها في الوقت نفسه غيّرت شكل الحركة اليومية.

فالطفل الذي كان يحتاج إلى الخروج من البيت لمقابلة أصدقائه، أصبح يستطيع التواصل واللعب معهم دون مغادرة غرفته.

وهنا تظهر الحارة كجزء من ذاكرة جيل كامل أكثر منها مساحة لعب فعلية.

كثير من الكبار اليوم يستطيعون استعادة تفاصيل ألعاب طفولتهم بسهولة؛ يتذكرون من كان يركض أسرع، ومن كان يغش في اللعبة، ومن كان يختبئ في المكان نفسه كل مرة، وحتى اللحظة التي كانت الأم تنادي فيها أبناءها للعودة إلى البيت.

هذه الذكريات لم تكن مرتبطة باللعبة وحدها، وإنما بالأشخاص والمكان والوقت.

وربما لهذا السبب لا يتعلق الحنين إلى ألعاب الحارة باللعبة نفسها بقدر ما يتعلق بالحياة الاجتماعية التي كانت ترافقها.

فالطفل لم يكن يخرج ليلعب فقط؛ كان يخرج ليلتقي بالآخرين، ويتعرف إلى أطفال الحي، ويصنع صداقات، ويتعلم التعامل مع الخلافات الصغيرة التي تنشأ أثناء اللعب ثم تنتهي بعد دقائق.

ومع تغير المدن ونمط السكن وزيادة حركة السيارات وتراجع المساحات المفتوحة في بعض المناطق، أصبحت الحارة نفسها أقل ملاءمة للعب كما كانت في السابق.

وهكذا، دخلت التكنولوجيا إلى مساحة كان الأطفال يشغلونها بأجسادهم، وأصبح جزء من اللعب ينتقل من الشارع إلى الشاشة.

لكن الحكاية ليست معركة بين "جيل قديم" و"جيل جديد".

فالأطفال اليوم يعيشون في عالم مختلف، ومن الطبيعي أن تكون ألعابهم مختلفة أيضًا؛ والسؤال الأهم ربما ليس كيف نعيد الماضي كما كان، وإنما كيف نوفر للطفل مساحة تجمع بين الاثنين: وقت للشاشة، ووقت للحركة، ووقت للعب مع الآخرين وجهًا لوجه.

ففي النهاية، ليست المشكلة في أن يعرف الطفل اللعبة الإلكترونية.

المهم ألا يصبح العالم كله بالنسبة إليه موجودًا داخلها.

لأن بعض الألعاب كانت تنتهي عندما يحلّ المساء، لكنها كانت تترك وراءها أصدقاء وذكريات تستمر لسنوات.

أقرأ ايضا