2026-09-02 05:36
على قمم التلال في الضفة الغربية، تتشكل ظاهرة استيطانية إسرائيلية تعرف باسم "فتيات التلال"، في نموذج مختلف عن الصورة التقليدية للمستوطنين؛ فبدلًا من المشهد العسكري، تظهر فتيات وشابات يعشن في خيام ومساكن بدائية، ويعملن في الزراعة وتربية الحيوانات، قبل أن تتحول هذه المواقع تدريجيًا إلى بؤر استيطانية تضم عائلات وأطفالًا.
وترتبط الظاهرة تاريخيًا بحركة "فتية التلال"، التي تقوم على إقامة بؤر استيطانية فوق التلال والمرتفعات في الضفة الغربية، ثم تثبيت الوجود فيها وتوسيعها. وتبرز بؤرتا "ماعوز إستير" و"أور أهوفيا" شمال شرقي رام الله كأبرز نماذج هذا النشاط.
بدأت "ماعوز إستير" كنقطة استيطانية صغيرة عام 2005، وتعرضت لهدم وإخلاء متكرر، لكن المستوطنين عادوا في كل مرة لإعادة البناء. ومع مرور السنوات، تحولت من موقع محدود إلى تجمع يضم عشرات العائلات والأطفال، فيما لعبت فتيات صغيرات دورًا في تثبيت الوجود الاستيطاني داخل الموقع.
وتكرر النموذج في "أور أهوفيا"، التي أقيمت عام 2023 قرب مستوطنة عوفرا، حيث بدأت مجموعة من الشابات بإقامة مساكن وزراعة الأرض وتطوير الموقع، قبل أن تتعرض البؤرة أيضًا لعمليات هدم من السلطات الإسرائيلية.
ولا تقتصر أهمية "فتيات التلال" على وجودهن في هذه البؤر، بل في النمط الذي يمثلنه؛ إذ يجري تقديم الاستيطان من خلال صورة حياة ريفية بسيطة: الزراعة، الرعي، الأسرة والحياة اليومية، فيما تتوسع البؤر تدريجيًا من خيام ومبانٍ مؤقتة إلى تجمعات أكثر ثباتًا.
وتستخدم هذه المجموعات منصات التواصل الاجتماعي للترويج لنمط الحياة في "التلال"، ونشر صور ومقاطع عن الزراعة والعمل والحياة الجماعية، إلى جانب دعوات للتعرف إلى التجربة والانضمام إليها أو دعمها. وبذلك تتحول السوشال ميديا إلى أداة لاستقطاب مستوطنين جدد وتقديم البؤر باعتبارها مجتمعات طبيعية قابلة للحياة.
ويرتبط هذا النشاط أيضًا بالسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومناطق الرعي، إذ يمكن أن يؤدي وجود البؤرة إلى تقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم المحيطة، فيما تتحول المساحات المستخدمة للرعي والزراعة إلى جزء من المجال الذي يفرض فيه المستوطنون وجودهم.
وتصنف "ماعوز إستير" و"أور أهوفيا" ضمن البؤر غير المرخصة وفق القانون الإسرائيلي، فيما تعتبر غالبية المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي. وفي مايو/أيار 2026، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على حركة "نحالا" الاستيطانية، مشيرًا إلى دورها في إقامة وتوسيع بؤر في الضفة، بينها "ماعوز إستير".
وهكذا، تبدو قصة "فتيات التلال" في ظاهرها حكاية فتيات اخترن حياة مختلفة فوق الجبال، لكنها في جوهرها ترتبط بمشروع استيطاني يقوم على تثبيت الوجود فوق الأرض ثم توسيعه تدريجيًا؛ من خيمة صغيرة ومجموعة من الشابات، إلى عائلات وطرق وزراعة وبنية تحتية، وصولًا إلى واقع استيطاني دائم يعيد تشكيل المشهد الجغرافي في الضفة الغربية.
