2026-09-24 07:17
جالود - ضحى مزيد - البعد الرابع (4DPal)
في مقابلة خاصة أجرتها "البعد الرابع" مع نائب رئيس مجلس قروي جالود مصباح حج محمد يتحدث عن ظروف مغادرة العائلة منزلها، وقرار عودتها اليوم الخميس، والمخاوف من تعرضها لاعتداءات جديدة، في ظل استمرار التضييق على سكان القرية وأراضيها وطرقها.
تستعد عائلة الطوباسي في قرية جالود، اليوم الخميس، للعودة إلى منزلها بعد نحو شهرين من مغادرته، عقب تصاعد المضايقات والتهديدات التي طالتها، وفق إفادة نائب رئيس مجلس قروي جالود مصباح حج محمد، ووصلت إلى قطع الكهرباء والمياه ومنع وصول الغذاء إلى المنزل.
وأوضح حج محمد، في مقابلة خاصة مع "البعد الرابع"، أن المضايقات تصاعدت خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة الأخيرة، بعد فترة من الضغوط التي بدأت منذ اندلاع الحرب، مشيرًا إلى أن العائلة اضطرت في نهاية المطاف إلى مغادرة منزلها.
وتأتي العودة بعد مسار قضائي استمر خلال الفترة الماضية، إذ وصل القرار إلى العائلة قبل نحو أسبوعين، فيما تلقى المجلس القروي عبر الارتباط، أمس، إبلاغًا بأن موعد العودة سيكون اليوم الخميس 24 أيلول/سبتمبر.
وترافق العودة مخاوف من تعرض العائلة لاعتداءات جديدة، في ظل استمرار التوتر في المنطقة والاعتداءات التي طالت سكانًا ومنازل وأراضي في جالود.
بحسب رواية حج محمد، أقام مستوطنون خيمة بمحاذاة منزل عائلة الطوباسي، قبل أن تتصاعد المضايقات تدريجيًا وتطال احتياجات أساسية للعائلة.
وأشار إلى أن "المستوطنين أقاموا خيمة بمحاذاة منزل العائلة"، ثم تطورت المضايقات إلى منع وصول الكهرباء والمياه والغذاء، ما أدى إلى نفاد المؤن من المنزل.
ومع استمرار التهديدات والخوف من الاعتداء، غادرت العائلة منزلها وانتقلت للإقامة لدى عائلة أخرى.
وكانت تقارير محلية قد وثقت في تموز/يوليو إجبار عائلة الطوباسي على مغادرة منزلها في جالود بعد حصار واعتداءات استمرت لأشهر، فيما وثقت أوتشا في وقت لاحق استمرار سيطرة مستوطنين على منزل فلسطيني قيد الإنشاء في جالود، وما رافق ذلك من عزل لعائلات مجاورة وقيود على المياه والكهرباء والخدمات.
منذ مغادرة العائلة، تحرك المجلس القروي على أكثر من مسار لمحاولة تأمين عودتها، وفق حج محمد.
وشملت التحركات التواصل مع الارتباط وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان والمحاكم والصليب الأحمر، إلى جانب مؤسسات إعلامية وصحفية، بهدف متابعة القضية والضغط من أجل حماية العائلة وإعادتها إلى منزلها.
وفي 29 آب/أغسطس، تعرض فلسطينيون وصحفيون دوليون لاعتداء في جالود أثناء إجراء مقابلة إعلامية مع عائلة فلسطينية، وفق توثيق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، الذي أفاد بإصابة فلسطينيين وصحفيين دوليين اثنين خلال الحادثة.
وصل القرار القضائي إلى عائلة الطوباسي قبل نحو أسبوعين، فيما تلقى المجلس القروي إشعارًا بعودة العائلة قبل نحو أسبوع، بحسب حج محمد، ومع وصول الإبلاغ الأخير عبر الارتباط، تحدد اليوم الخميس موعدًا لعودة العائلة إلى منزلها، وتضع هذه الخطوة حدًا لمرحلة استمرت نحو شهرين خارج المنزل، لكنها لا تنهي، بحسب المجلس القروي، المخاوف المتعلقة بأمن العائلة بعد عودتها.
المخاوف من المرحلة المقبلة تبدو حاضرة بقوة لدى المجلس القروي.
ووصف حج محمد مستوى الخوف بأنه "شديد جدًا"، محذرًا من احتمال تعرض العائلة لاعتداءات بعد عودتها، ويطالب المجلس بإجراءات حماية تضمن بقاء العائلة في منزلها، وإبعاد المستوطنين عن محيطه، بدل الاكتفاء بإجراءات مؤقتة قد لا تمنع تكرار الاعتداءات.
وتندرج هذه المخاوف ضمن واقع أوسع تشهده جالود، حيث وثقت الأمم المتحدة خلال الأشهر الماضية اعتداءات وقيودًا أثرت على وصول السكان إلى منازلهم وأراضيهم وخدماتهم الأساسية.
بعد مغادرة منزلها، اضطرت عائلة الطوباسي إلى الإقامة مع عائلة أخرى، لتجد أربع عائلات نفسها في منزل صغير، وفق حج محمد، وأشار إلى أن المنزل لا يتسع لهذا العدد من الأشخاص، فيما يستخدم الجميع حمامًا واحدًا، واصفًا الظروف الإنسانية للعائلتين بأنها "كارثية".
وتسببت مغادرة المنزل، بحسب المجلس، في تغيير كبير في ظروف العائلة، التي انتقلت من منزلها وحياتهائالمستقرة إلى إقامة مؤقتة لدى آخرين، ويتابع المجلس القروي أوضاع العائلة، إلى جانب التنسيق مع الجهات الرسمية والأهلية لتوفير ما تحتاج إليه خلال فترة العودة.
لا تتوقف تداعيات ما يجري في جالود عند حدود منزل عائلة الطوباسي، إذ يربط حج محمد القضية بالقيود المفروضة على مساحة واسعة من أراضي القرية وحركة سكانها، ويقدّر مساحة أراضي جالود سابقًا بنحو 23 إلى 25 ألف دونم، بينما لا يتجاوز المتاح للأهالي حاليًا، وفق تقديره، نحو 3 آلاف دونم.
وتواجه أجزاء من أراضي القرية صعوبات في الوصول إليها، بالتزامن مع اقتحامات واعتداءات ووجود مستوطنين في مناطق مرتفعة، بينها جبل الظهر وعين عينة، بحسب إفادته؛ كما تحدث عن بؤرة يسميها الأهالي "النجمة" بالقرب من المدرسة، مشيرًا إلى وجود أعمال حفر في المنطقة، وهو ما يزيد مخاوف الأهالي بشأن محيط المدرسة وحركة الطلاب والمعلمين.
وتتأثر حركة السكان أيضًا بإغلاق الطريق الواصل بين جالود وقصرة منذ 7 أكتوبر، بحسب المجلس القروي.
ويشير حج محمد إلى أن طريق الواد المؤدي إلى منطقة دار الطوباسي والمزارع أصبح "خطرًا جدًا" بسبب وجود المستوطنين في المنطقة، حيث تؤدي هذه القيود، وفق المجلس، إلى صعوبة وصول السكان إلى أراضيهم ومزارعهم والخدمات، فضلًا عن تأثيرها على التواصل بين جالود والقرى المحيطة.
وفي وصفه للعلاقة بين جالود وقصرة، لخّص حج محمد الواقع بالقول: "القلب واحد والمعاناة واحدة".
تواجه البنية التحتية في المناطق المتضررة من جالود مشكلة إضافية تتمثل في صعوبة الوصول إلى مواقع الأعطال.
وبحسب حج محمد، تعذر في حالات عدة وصول فرق الصيانة إلى المناطق المتضررة، حتى عند محاولة إجراء التنسيق، ما أدى إلى استمرار أعطال الكهرباء والمياه، وتشكل مزارع الدجاج المتضررة من انقطاع الكهرباء مثالًا على التداعيات الاقتصادية لهذه القيود، إذ تحتاج الأعطال إلى وصول فرق فنية لا تتمكن دائمًا من الوصول إلى الموقع.
وكانت أوتشا قد وثقت في تموز/يوليو أضرارًا طالت أنابيب مياه وخزانات وكابلات كهرباء في جالود، مع استمرار انقطاع الكهرباء عن بعض المنازل لعدة أيام بسبب صعوبة الوصول لإجراء الإصلاحات.
وفي القطاع الزراعي، يقدّر حج محمد أن ما لا يقل عن ألفي شجرة زيتون قُطعت وأُحرقت في مناطق من جالود.
وتكتسب هذه الخسارة أهمية خاصة بالنسبة للأهالي، نظرًا لاعتماد عائلات في القرية على الزيتون وموسمه كمصدر للغذاء والدخل، كما يربط المجلس تراجع الإنتاج بصعوبة الوصول إلى الأراضي، ومنع قطف الثمار، والاعتداءات المتكررة، إضافة إلى تدمير الأشجار.
وبحسب تقديره، فقدت جالود نحو ثلثي إنتاجها من الزيتون، ما ينعكس على دخل العائلات والموسم الزراعي في القرية.
وتشمل الاعتداءات التي يتحدث عنها المجلس القروي منازل السكان ومركباتهم ومعداتهم.
ووفق حج محمد، شهدت القرية خلال فترة استمرت نحو شهر اعتداءات متكررة تضمنت تكسير نوافذ منازل وسرقة معدات من محيطها، إلى جانب هجمات أكبر وقعت بأعداد كبيرة خلال ساعات الليل، وتضمنت بعض هذه الاعتداءات، بحسب إفادته، إحراق مركبات وتكسير زجاج المنازل وسرقة معدات، ما زاد من حالة الخوف لدى العائلات التي تقع منازلها بالقرب من مناطق وجود المستوطنين.
ولم تكن عائلة الطوباسي الحالة الوحيدة التي غادرت منزلها في جالود، وفق المجلس القروي.
فقد اضطرت عائلة أخرى إلى ترك منزلها بعد تعرضها لمضايقات متكررة، شملت الضجيج والصراخ والأغاني، إضافة إلى قيود على فتح النوافذ والخروج من المنزل، وانتهى الأمر بالعائلة إلى الانتقال إلى منزل مستأجر، بحسب حج محمد، وتأتي هذه الحالات ضمن سياق أوسع وثقته أوتشا في جالود، شمل عزل عائلات وقيودًا على وصولها إلى المنازل والأراضي، إلى جانب أضرار طالت البنية التحتية للمياه والكهرباء.
ويصف حج محمد ظروف بعض العائلات في جالود بأنها تشبه "سجونًا داخلية"، في ظل الخوف والقيود المفروضة على الحركة.
وأشار إلى أن بعض العائلات لا تنام ليلًا، فيما يتناوب أفراد منها على حراسة منازلهم خشية وقوع هجمات، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنين، وبحسب إفادته، أصبح الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، سواء عند فتح النوافذ أو الوصول إلى الأراضي أو التنقل بين المناطق.
ولا يرى حج محمد صورة واضحة للمستقبل في ظل استمرار الظروف الحالية، قائلًا: "المستقبل بالنسبة لنا مجهول".
وأشار إلى محاولات بعض المؤسسات مساعدة الأهالي من خلال توفير الأسلاك الشائكة والجدران وحماية النوافذ، لكنه يرى أن هذه الإجراءات لا تكفي لمعالجة الظروف الأمنية والاقتصادية التي تواجهها القرية.
كما لفت إلى أن صعوبة الوصول إلى الأراضي وتراجع مصادر الدخل يزيدان الضغوط على السكان، وقد يدفعان بعضهم إلى التفكير في الرحيل، ويعمل المجلس، وفق حج محمد، على تقديم الدعم للأهالي في المجالات الزراعية والاقتصادية والنفسية، إلى جانب التواصل مع المؤسسات المختلفة.
وفي ختام حديثه، دعا حج محمد إلى مواصلة تسليط الضوء على ما يجري في جالود، ونقل تفاصيل الحياة اليومية للسكان إلى الرأي العام.
ويرى أن القضية لا تقتصر على الاعتداءات المباشرة، وإنما تشمل أيضًا إغلاق الطرق، وصعوبة الوصول إلى الأراضي، وتعطل الخدمات، وتضرر مصادر الرزق، والخوف الذي يرافق العائلات في منازلها.
ويضع المجلس عودة عائلة الطوباسي في هذا السياق الأوسع، باعتبارها عودة إلى منزل محاط بواقع أمني واقتصادي لا تزال تداعياته قائمة.
بعد نحو شهرين من مغادرة منزلها، تعود عائلة الطوباسي اليوم الخميس إلى منزلها في جالود، بموجب المسار القضائي والإبلاغ الذي وصل إلى المجلس عبر الارتباط.
لكن العودة لا تعني انتهاء القضية بالنسبة للعائلة أو المجلس القروي، في ظل المخاوف من تكرار الاعتداءات واستمرار القيود في محيط المنزل والقرية، وتبقى قدرة العائلة على البقاء في منزلها بأمان الاختبار الأهم بعد العودة، في وقت تستمر فيه القيود على الطرق والأراضي والخدمات في أجزاء من جالود.
ويختصر حج محمد واقع المنطقة بالقول: "القلب واحد والمعاناة واحدة"، في إشارة إلى امتداد آثار ما يجري في جالود إلى قصرة والقرى المحيطة.
أما عائلة الطوباسي، فتعود اليوم إلى منزلها بعد شهرين من الغياب، بينما يبقى السؤال الذي يرافق هذه العودة: هل ستتمكن من البقاء فيه بأمان؟
