تقارير

قبل أن يصدر القرار.. كيف يتغير الأقصى على الأرض؟

Case

2026-09-21 09:11

Copy Link

القدس - ضحى مزيد - البعد الرابع (4dpal)

في المسجد الأقصى، قد لا يبدأ التحول الكبير بقرار معلن أو نص قانوني واضح، بل قد تسبقه ممارسة تتكرر، وحضور يتوسع، وطقس ديني ينتقل من الاستثناء إلى الاعتياد، أو إجراء أمني يعاد تطبيقه حتى يتحول تدريجيًا إلى واقع على الأرض.

فهل يمكن أن يتغير استخدام المكان قبل أن يتغير القانون؟ وهل يمكن أن تتحول ممارسة عابرة إلى واقع معتاد، ثم تصبح لاحقًا أساسًا لترتيبات جديدة؟

هذه الأسئلة طرحتها "البعد الرابع" على الباحث في شؤون القدس والمسجد الأقصى الدكتور عبد الله معروف، مدير مركز دراسات القدس في جامعة 29 مايو في إسطنبول، ومسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق في المسجد الأقصى، في مقابلة تناولت التطورات في المنطقة الشرقية من المسجد، ولا سيما محيط باب الرحمة، وما إذا كانت الممارسات المتكررة هناك تعكس تغيرًا في طريقة استخدام المكان قبل صدور أي قرار رسمي.

هل يتغير المكان قبل أن يتغير القانون؟

وردًا على سؤال "البعد الرابع" حول المعيار الذي يمكن من خلاله التمييز بين ممارسة عابرة وممارسة تبدأ بالتحول إلى واقع معتاد، يرى معروف أن المسألة لا تتوقف عند لحظة صدور القرار الرسمي، بل ينبغي النظر إلى ما يتكرر على الأرض وإلى الطريقة التي يجري بها التعامل معه.

وبحسب معروف، فإن وجودًا يتكرر في منطقة محددة، وترتبط به صلوات أو طقوس دينية، ويجري تحت حماية أمنية، يمكن أن ينتقل تدريجيًا من كونه ممارسة استثنائية إلى حضور أكثر انتظامًا.

ويضيف أن هذه العملية لا تحتاج بالضرورة، في بدايتها، إلى إعلان قانوني يغيّر وظيفة المكان، إذ يمكن أن تبدأ بتثبيت ممارسة معينة على الأرض، ثم يصبح تكرارها عاملًا في تغيير الواقع العملي.

ويستحضر معروف، في هذا السياق، تجربة المسجد الإبراهيمي في الخليل، موضحًا أنها تمثل، من وجهة نظره، مثالًا على كيفية تراكم التغييرات في استخدام المكان قبل الوصول إلى مرحلة أكثر رسمية.

ويشدد على أن المقارنة بين المسجدين لا تعني تطابق التجربتين، وإنما تُستخدم لفهم آلية التغيير التدريجي في الأماكن المقدسة.

المنطقة الشرقية.. لماذا تتكرر الممارسات عند باب الرحمة؟

ولفهم خلفية اهتمامه بالمنطقة الشرقية، يعود معروف إلى دراسته الأكاديمية المنشورة عام 2022، والتي تناول فيها المنطقة الشرقية في المسجد الأقصى، وخصص جانبًا منها لباب الرحمة وتطورات المنطقة منذ عام 1967.

ويقول معروف إن ما يحدث اليوم في المنطقة الشرقية لا يمكن، في قراءته، فصله عن هذا السياق التاريخي، مشيرًا إلى أن المنطقة شهدت خلال العقود الماضية محطات متعددة جعلتها واحدة من أكثر المناطق حساسية في المسجد.

وخلال أيلول/سبتمبر 2026، تكررت دعوات لإقامة صلوات وطقوس يهودية بمحاذاة السور الشرقي للمسجد، قرب باب الرحمة من الجهة الخارجية، فيما تحدثت محافظة القدس عن تحركات مماثلة شهدتها المنطقة في 27 آب/أغسطس و3 و10 أيلول/سبتمبر، وشملت صلوات جماعية واستخدام الشوفار.

وأفادت وكالات محلية في 11 أيلول بأن عشرات المستوطنين أقاموا طقوسًا في مقبرة باب الرحمة من جهتها الخارجية، ونفخوا في البوق بمحاذاة القبور، في تحرك قالت إنه تكرر للأسبوع الثالث على التوالي.

وعن دلالة هذا التكرار، يوضح معروف أن أهمية الأمر لا تكمن في واقعة منفردة، وإنما في السؤال عما إذا كانت الممارسة بدأت تتحول إلى نمط متكرر يمكن البناء عليه لاحقًا.

باب الرحمة.. من ممارسة عابرة إلى تغيير في الوظيفة؟

وعندما سُئل معروف عن أهمية باب الرحمة تحديدًا، أوضح أن القضية، من وجهة نظره، لا تتعلق فقط بمن يدخل المنطقة أو يخرج منها، وإنما بطبيعة الوظيفة التي يؤديها المكان، قال : " إن تكرار ممارسة معينة في الموقع نفسه يمكن أن يؤثر، مع مرور الوقت، في الطريقة التي يُنظر بها إلى استخدام المكان، خصوصًا عندما تصبح الممارسة مرتبطة بمواعيد أو مناسبات متكررة".

ومن هنا، يرى معروف أن متابعة ما يحدث في باب الرحمة تحتاج إلى رصد مستمر لعدد مرات تكرار الممارسة، وطبيعتها، ومستوى الحماية الأمنية المصاحبة لها، وطريقة تعامل السلطات معها؛ وبالنسبة إليه، تساعد هذه المؤشرات في الإجابة عن سؤال أساسي: هل نحن أمام أحداث منفصلة، أم أمام ممارسة بدأت تتحول إلى نمط؟

الأوقاف.. هل بقيت صاحبة القرار؟

وفي محور آخر، تناول الحديث مع معروف وضع دائرة الأوقاف الإسلامية، في ظل ما يُطرح من حديث عن تقييد وصول الحراس والمصلين إلى بعض مناطق المسجد، ودور الشرطة الإسرائيلية في تنظيم الدخول والحركة، ويجيب معروف بأن القضية، في رأيه، لا تتعلق بمجرد بقاء الأوقاف موجودة داخل المسجد، وإنما بمدى قدرتها الفعلية على إدارة شؤونه.

ويشير إلى أن إدارة الإعمار، وتنظيم الحشود، وإدارة الحراس، وتنظيم الوجود الإسلامي، كلها جوانب يرى أن قدرة الأوقاف على التعامل معها أصبحت مقيدة.

ويعتبر معروف أن استمرار المؤسسة مع تقليص قدرتها على اتخاذ القرار يمكن أن يؤدي تدريجيًا إلى تغيير طبيعة دورها، مؤكدًا أن ما يراه اليوم هو تراجع في قدرتها على إدارة تفاصيل المسجد.

وهنا يطرح حديثه سؤالًا عمليًا يمكن متابعته على الأرض: من يملك القرار الفعلي في إدارة المسجد؟ ومن يستطيع فرضه أو منعه؟

الميدان والسياسة والقضاء.. هل هناك مسار واحد؟

وفي محور آخر من المقابلة، تناولت "البعد الرابع" مع معروف تزامن التحركات الميدانية في المنطقة الشرقية مع مطالب سياسية بفتح الأقصى أمام اليهود أيام السبت، إلى جانب التحرك القضائي المرتبط بهذا الملف.

ويرى معروف أن هذه المسارات لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن بعضها، مشيرًا إلى أن مواقف جماعات دينية وشخصيات سياسية بشأن الصلاة اليهودية في المسجد ظهرت بصورة علنية.

وفي الوقت نفسه، يقر بأن ذلك لا يعني بالضرورة وجود اتفاق كامل بين جميع المؤسسات والتيارات الإسرائيلية حول كل تفاصيل التعامل مع الأقصى، أما عن إثبات وجود علاقة تنظيمية مباشرة بين المسارات الدينية والسياسية والقضائية، فيرى معروف أن تصريحات الشخصيات والجهات المعنية وما تعلنه عن أهدافها توفر، من وجهة نظره، مادة لقراءة العلاقة بين هذه المسارات.

لكن صحفيًا، يبقى التمييز ضروريًا بين التزامن وإثبات التنسيق المؤسسي؛ فإثبات وجود علاقة مباشرة يحتاج إلى وثائق أو تعليمات أو قنوات اتصال أو قرارات تكشف طبيعة هذه العلاقة.

لماذا يستحضر معروف المسجد الإبراهيمي؟

وخلال الحديث، عاد اسم المسجد الإبراهيمي أكثر من مرة في طرح معروف، فكان السؤال عن سبب استحضاره لهذه التجربة عند الحديث عن الأقصى.

ويوضح معروف أن المسجد الإبراهيمي يمثل بالنسبة إليه مثالًا تاريخيًا على التغيير التدريجي في استخدام الأماكن المقدسة، حيث يمكن أن تبدأ العملية بتغييرات في الوصول والاستخدام، ثم تتطور إلى ترتيبات أكثر استقرارًا.

ويؤكد أن ذلك لا يعني أن الأقصى يسير بالضرورة في المسار نفسه، فلكل مسجد سياقه وتاريخه ووضعه القانوني والسياسي المختلف؛ لكن النقطة التي يريد معروف لفت الانتباه إليها، بحسب حديثه، هي أن القرار الرسمي قد يأتي بعد أن تكون سلسلة من الممارسات قد غيّرت جزءًا من الواقع على الأرض.

ستة عقود من المشهد

وعند سؤاله عما إذا كانت التطورات الحالية تمثل بداية لمسار جديد، يربط معروف ما يحدث بتاريخ يمتد منذ عام 1967، مؤكدًا أن التعامل مع الأقصى شهد خلال العقود الماضية مراحل متعددة من التوتر والتحولات.

ويستند في ذلك أيضًا إلى دراسته عن المنطقة الشرقية، التي تناول فيها محطات مختلفة وصولًا إلى أحداث باب الرحمة عام 2019، ويرى معروف أن الأدوات المستخدمة في التعامل مع المسجد أصبحت متعددة، من الإجراءات الأمنية والحضور الميداني إلى الطقوس الدينية والخطاب السياسي والمسارات القانونية.

لكن تعدد هذه الأدوات، بحد ذاته، لا يكفي لإثبات وجود خطة مؤسسية واحدة، وهو ما يجعل متابعة الوثائق والقرارات والتصريحات الرسمية أمرًا أساسيًا لفهم العلاقة بينها.

ما الدليل الذي نحتاجه كصحفيين؟

وفي ختام المقابلة، طُرح على معروف سؤال مباشر: إذا كان الحديث يدور عن انتقال من "اقتحام عابر" إلى "واقع معتاد"، فما الدليل الذي ينبغي أن يبحث عنه الصحفي حتى يستطيع نشر هذا الاستنتاج بمسؤولية؟

يرى معروف أن التعامل مع القضية باعتبارها سلسلة أحداث منفصلة يتجاهل، في رأيه، تراكم الوقائع على مدى عقود، مشيرًا إلى أن ما يجري اليوم يجب أن يُقرأ ضمن هذا السياق الطويل.

أما على المستوى الصحفي، فإن اختبار هذه الفرضية يحتاج إلى متابعة دقيقة لما يحدث على الأرض: كم مرة تتكرر الممارسة؟ أين تحدث؟ هل تتوسع؟ ما مستوى الحماية الأمنية التي ترافقها؟ كيف تتعامل السلطات معها؟ وما موقف الأوقاف منها؟

كما أن المتابعة لا تتوقف عند أبواب المسجد، بل تمتد إلى ما يحدث في السياسة والقضاء والإدارة: هل تتحول المطالب إلى تصريحات رسمية؟ هل تنتقل إلى قرارات أو إجراءات؟ وهل تتحول ممارسة سابقة إلى سياسة معلنة؟

قبل أن يصدر القرار.. ماذا يتغير؟

في ختام حديثه مع "البعد الرابع"، يضع معروف التطورات الحالية ضمن مسار أوسع يرى أنه يتجاوز واقعة واحدة أو موسمًا دينيًا بعينه.

لكن الوقائع على الأرض تظل بحاجة إلى متابعة وتوثيق مستمرين؛ فالممارسة المتكررة لا تعني وحدها تغييرًا قانونيًا، والتزامن بين المسارات المختلفة لا يثبت وحده وجود تنسيق مؤسسي بينها.

ويبقى السؤال الذي فتحته المقابلة مع الدكتور عبد الله معروف حاضرًا أمام المتابعة الصحفية: هل تتحول الممارسات التي كانت استثنائية إلى عادات؟ وهل تتحول العادات إلى ترتيبات؟ وهل تجد هذه الترتيبات لاحقًا طريقها إلى السياسة أو القضاء أو الإدارة الرسمية؟

ففي الأقصى، قد لا تبدأ لحظة التحول عند صدور القرار وحده، بل قد تسبقها سلسلة من الوقائع الصغيرة التي تتكرر، وتتوسع، وتصبح مع الوقت جزءًا من المشهد.

ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط: ماذا سيقول القرار عندما يصدر؟ بل: ماذا يكون قد تغير على الأرض قبل صدوره؟

أقرأ ايضا