تقارير

"يحيى هذه أرضك؟".. صحفي يجد نفسه داخل القصة التي يغطيها في نعلين

Case

2026-09-22 08:04

Copy Link

رام الله – ضحى مزيد – البعد الرابع (4dpal)

لم يكن يحيى نافع يعرف، وهو يقدّم النشرة الإخبارية من الاستوديو، أن التغطية التي يتابعها في بلدة نعلين غرب رام الله ستأخذ منحى شخصيًا بهذه السرعة، "يحيى.. هذه أرضك؟".

جاء السؤال على الهواء بينما كان مراسل "التلفزيون العربي" في الضفة الغربية فادي العصا ينقل مباشرة مشاهد عمليات التجريف في المنطقة، قبل أن يكشف لنافع أن الأرض التي تعمل فيها الجرافات تعود إلى عائلته.

في لحظة واحدة، انتقل الخبر بالنسبة إلى نافع من مشهد ميداني يتابعه كصحفي إلى أرض يعرفها ويعرف أصحابها، وأشجار زيتون يقول إن عائلته ارتبطت بها منذ أجيال، لم تعد الجرافات التي تظهر أمام الكاميرا تعمل في أرض مجهولة بالنسبة إليه.

المكان الذي ينقل خبره يحمل ذاكرة عائلية، وأرضًا يقول إن عائلته تملكها منذ سنوات طويلة، وأشجار زيتون يقدر عمر بعضها بمئات السنين؛ لكن المفارقة أن نافع لم يتوقف عند الجانب الشخصي من القصة.

في اللحظة التي أصبح فيها واحدًا من أصحاب الأرض، بقي أيضًا الصحفي الذي يقدم الخبر ويتابع ما يجري أمامه على الهواء.

الأرض التي ظهرت خلف السؤال

تقع الأرض في الجهة الشمالية الغربية من بلدة نعلين، قرب الحدود مع قرية بدرس، ضمن منطقة شهدت خلال السنوات الماضية تحولات كبيرة بفعل الجدار والإجراءات العسكرية والتوسع الاستيطاني.

وكانت أعمال التجريف في المنطقة قد دخلت يومها الثالث في 16 أيلول/سبتمبر، حيث واصل مستوطنون، برفقة حفارات وجرافات، أعمال الحفر وشق الطرق في منطقة زبدة غرب البلدة.

وخلال التغطية المباشرة، قال العصا إن المنطقة المستهدفة تقع بين ثلاث بلدات فلسطينية غرب رام الله، وإنها تقع خلف الجدار من جهة الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن ثلاث جرافات كانت تعمل في البداية قبل أن يرتفع العدد إلى خمس جرافات.

ثم جاءت الجملة التي غيّرت طبيعة التغطية بالنسبة إلى نافع، " يحيى، هذه أرضك"؟، لم يعد المكان مجرد نقطة على خارطة التغطية، أصبح أرضًا ترتبط بعائلته مباشرة.

نحو 60 دونمًا من أرض العائلة

يقول نافع في حديثه لـ"البعد الرابع": " إن مساحة الأرض التي تملكها عائلته تقارب 60 دونمًا، وإن ملكيتها تعود إلى العائلة منذ أجيال، وتوجد بحوزتهم الوثائق والأوراق التي تثبت ملكيتها".

ويشير إلى أن هذه الأرض ليست منفصلة عن تاريخ العائلة، إذ يقول إن ملكيتها تعود إلى فترة العهد العثماني، وإنها بقيت ضمن ملكية العائلة عبر السنوات، وتضم الأرض، بحسب روايته، أشجار زيتون قديمة، يقدر عمر بعضها بمئات السنين.

ولهذا، فإن ما شاهده نافع على الشاشة لم يكن بالنسبة إليه مجرد أعمال تجريف في أرض زراعية، كان يرى جزءًا من أرض عائلته يتغير أمام عينيه، بينما كان يؤدي في الوقت نفسه وظيفته الصحفية وينقل للمشاهدين ما يحدث في المكان.

من التجريف إلى شق الطرق

لم تتوقف الأعمال التي تحدث عنها نافع عند إزالة التربة أو تغيير شكل الأرض، فبحسب التغطية الميدانية، شملت الأعمال الحفر وشق الطرق، فيما تحدث "التلفزيون العربي" عن مساعٍ لإقامة بؤرة استيطانية في المنطقة الواقعة خلف الجدار.

وكانت عمليات التجريف مستمرة لليوم الثالث، وسط وجود جنود إسرائيليين ومستـوطنين في المنطقة، فيما تحدثت مصادر محلية عن مواصلة أعمال الحفر وشق الطرق في أراضي المواطنين.

وبالنسبة إلى أصحاب الأراضي، فإن شق الطرق في منطقة زراعية لا يعني فقط تغيير طبيعة المكان، إنه يفتح أسئلة أخرى حول مستقبل الأرض، وإمكانية الوصول إليها، وما إذا كانت الأعمال ستتوسع إلى مساحات إضافية.

منع الوصول.. الوجه الآخر للقصة

يقول نافع إن المشكلة بالنسبة إلى أصحاب الأراضي لا تتوقف عند أعمال التجريف؛ فبحسب روايته، يحاول الجيش الإسرائيلي والمستوطنون منع أصحاب الأراضي من الوصول إلى المنطقة، وإن من يحاول الاقتراب يواجه التهديد والترهيب.

وهنا، تتحول القضية من سؤال يتعلق بما حدث للأرض إلى سؤال يتعلق بإمكانية وصول أصحابها إليها أصلًا، فصاحب الأرض الذي يريد تفقد أشجاره أو متابعة أعمال التجريف أو معرفة ما حل بممتلكاته، يجد نفسه أمام واقع ميداني يصعّب عليه الوصول إلى ملكيته.

ويقول نافع إن هذا الأمر لا يقتصر على أرض عائلته، وإنما يطال مساحات واسعة من الأراضي الخاصة التي تملكها عائلات من نعلين والقرى المحيطة؛ وبذلك، فإن ما حدث في المنطقة، وفق روايته، لا يمكن اختزاله في أرض واحدة أو عائلة واحدة.

أوراق الملكية حاضرة.. والإخطارات غائبة

في حديثه لـ"البعد الرابع"، يؤكد نافع أن الأرض ملكية خاصة، وأن أصحابها يحتفظون بالأوراق الثبوتية ووثائق الطابو التي تثبت ملكيتهم؛لكن، في المقابل، يقول إن أصحاب الأراضي لم يتلقوا إخطارات مسبقة بشأن ما يجري في أراضيهم، ولم يعرفوا طبيعة الإجراءات التي تقف خلف أعمال التجريف وشق الطرق.

وهنا تظهر مفارقة أخرى في القصة.

هناك وثائق تثبت الملكية، لكن أصحاب الأرض، وفق رواية نافع، يجدون أنفسهم أمام أعمال ميدانية تجري في ممتلكاتهم من دون أن يعرفوا مسبقًا ماذا سيحدث لها أو إلى أين ستصل.

وبالنسبة إلى عائلة نافع، لا تتعلق الوثائق بإثبات ملكية مجردة، بل بأرض يقول إن العائلة حافظت عليها عبر أجيال.

موسم الزيتون.. الخوف من فقدان المحصول

مع اقتراب موسم قطف الزيتون، تأخذ القضية بعدًا إضافيًا، فالأرض بالنسبة إلى العائلات في نعلين ليست مجرد ملكية يمكن الاحتفاظ بها على الورق، وإنما مصدر زراعي يرتبط بالمحصول والعمل والدخل.

ويحذر نافع من أن استمرار منع أصحاب الأراضي من الوصول إلى المنطقة قد يحرم عشرات العائلات من قطف الزيتون هذا الموسم، ويصف الأراضي الزراعية في المنطقة بأنها تمثل "السلة الغذائية الوحيدة المتبقية لأهالي البلدة"، في ظل ما يقول إنه مصادرة آلاف الدونمات المزروعة بالزيتون خلال السنوات الماضية.

وهكذا، يصبح السؤال أكبر من: ماذا حدث للأرض؟

فالتجريف يغيّر شكل الأرض، لكن منع الوصول إليها يغيّر أيضًا علاقتها بأصحابها.

نعلين.. قصة أوسع من أرض واحدة

لكن نافع يرفض أن تبدأ القصة من أرض عائلته أو أن تنتهي عندها؛ فبالنسبة إليه، ما يحدث في نعلين يأتي ضمن واقع أوسع عاشته البلدة لسنوات، ويتحدث عن عمليات الاستيلاء على الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون التي يقول إنها مستمرة منذ سنوات، وعن أراضٍ خاصة لعائلات أخرى باتت مهددة.

وتشهد نعلين منذ أيام عمليات تجريف وحفر وشق طرق في منطقة زبدة، وبحسب مصادر محلية إن مستوطنين واصلوا هذه الأعمال لليوم الثالث على التوالي، بالتزامن مع اقتحامات لقوات الاحتلال لعدد من المنازل في البلدة واحتجاز مواطنين والتحقيق معهم ميدانيًا.

ويربط نافع ما يحدث في البلدة بالمشهد الأوسع في غرب رام الله، حيث تقع المنطقة قرب الخط الأخضر، وحيث يقول إن التوسع الاستيطاني خلال السنوات الماضية أدى إلى زيادة الضغط على الأراضي الزراعية ومحاولة فصل البلدات والقرى عن بعضها.

وهنا تتجاوز القصة حدود قطعة أرض واحدة، فالطريق الذي يُشق في الأرض، بالنسبة إلى أصحابها، لا ينفصل عن الأرض نفسها، والأرض لا تنفصل عن القرية، والقرية لا تنفصل عن قدرة أهلها على الوصول إلى مواردهم الزراعية.

حين يصبح الصحفي طرفًا في المشهد

لكن أكثر ما يميز قصة نافع ليس فقط الأرض التي تعرضت للتجريف، وإنما موقعه هو داخل القصة، فالصحفي الذي اعتاد أن يسأل الناس عن أراضيهم، وجد نفسه أمام سؤال مختلف: "يحيى.. هذه أرضك؟".

يقول نافع إن تعامله مع التغطية لم يتغير، وإن المذيع في مثل هذه المواقف يحتاج إلى رباطة جأش، لأن القضية الشخصية لا ينبغي أن تطغى على العمل المهني؛ لكنه في الوقت نفسه لا يخفي أن المشهد حمل بالنسبة إليه شعورًا بالمرارة والظلم والقهر والعجز.

فهو كان يرى الأرض التي يعرفها منذ طفولته أمامه، والجرافات تعمل فيها، بينما كان مطلوبًا منه أن يستمر في تقديم الخبر والتعامل معه باعتباره حدثًا صحفيًا.

وهنا تصبح المسافة المهنية أكثر صعوبة، فالصحفي عادةً يقف خارج الحدث كي يستطيع نقله، أما نافع، فقد وجد نفسه داخل الحدث نفسه.

"لا أريد أن أختزل الأمر في قصتي الشخصية"

رغم كل ذلك، يصر نافع على ألا تتحول القصة إلى حكاية أرض عائلته وحدها، ويقول لـ"البعد الرابع": "لا أريد أن أختزل الأمر في قصتي الشخصية، لأن ما جرى هو جزء من حالة عامة يومية في الضفة الغربية".

بالنسبة إليه، هذه النقطة أساسية؛ فهو يغطي يوميًا قصصًا عن الأراضي والاعتداءات والدمار والمعاناة، ويرى أن ارتباط هذه الأرض بعائلته لا يمنحه الحق في التعامل معها باعتبارها أهم من أراضي الفلسطينيين الآخرين الذين ينقل قصصهم.

وهذا تحديدًا ما يجعل تجربته مختلفة، فاللحظة كانت شخصية جدًا، لكن نافع أراد أن يعيدها إلى سياقها العام، أرض عائلته أصبحت جزءًا من خبر، لكن الخبر نفسه، بالنسبة إليه، ليس استثناءً.

خلف كل أرض.. عائلة وذاكرة

يقول نافع إن ما جرى أعاده إلى حقيقة يعرفها الصحفيون الفلسطينيون جيدًا، لكنها تبدو مختلفة عندما تصبح الأرض المعنية أرض العائلة، خلف كل قطعة أرض قصة أصحابها، وخلف كل شجرة زيتون سنوات من العمل والذاكرة.

وخلف كل عملية تجريف عائلة لا تعرف فقط ماذا سيحدث لأرضها، وإنما ماذا سيحدث للموسم الذي كانت تنتظره، وللمكان الذي اعتادت الوصول إليه، ولعلاقتها بأرض ورثتها عن آبائها وأجدادها.

ولهذا، يرى نافع أن القصة لا ينبغي أن تتوقف عند لحظة ظهوره على الشاشة أو عند انتشار مقطع "يحيى.. هذه أرضك؟"؛ فاللحظة التلفزيونية كانت مدخلًا إلى قضية أوسع تتعلق بالأرض والوصول إليها والاستيطان ومصير الأراضي الزراعية في نعلين.

القصة التي لم تنتهِ بانتهاء البث

انتهت لحظة البث، لكن القصة لم تنتهِ، الجرافات غادرت المشهد التلفزيوني، لكن الأرض بقيت في مكانها، والأسئلة بقيت مفتوحة، ما الذي سيحدث للأرض التي جرى تجريفها؟ إلى أين ستصل الطرق التي يجري شقها؟هل ستتوقف الأعمال عند حدودها الحالية، أم تمتد إلى مساحات أخرى؟وماذا سيكون مصير أشجار الزيتون؟وهل سيتمكن أصحاب الأراضي من الوصول إليها وقطف محصولهم مع اقتراب موسم الزيتون؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل قصة نافع تتجاوز لحظة مؤثرة على الهواء إلى ملف يحتاج إلى متابعة ميدانية مستمرة، فالمشهد الذي شاهده الجمهور خلال دقائق لا يختصر بالضرورة ما يحدث للأرض خلال أيام وشهور وسنوات.

"يحيى.. هذه أرضك؟"

في النهاية، لم تكن الجملة التي قالها فادي العصا مجرد تعليق عابر على الهواء، "يحيى.. هذه أرضك؟"، كانت لحظة وضعت الصحفي نفسه داخل الخبر، لم يعد يسأل صاحب الأرض عن شعوره، أصبح هو صاحب الأرض، لم يعد ينقل صورة الجرافات من مكان بعيد، أصبح يشاهدها وهي تعمل في أرض يعرفها، ولم يعد يتابع قصة عائلة فلسطينية فقدت السيطرة على أرضها، اكتشف أن عائلته نفسها جزء من القصة؛ ومع ذلك، اختار نافع ألا يجعل من تجربته الشخصية مركز الحكاية.

عاد إلى موقعه كصحفي، وترك السؤال مفتوحًا على ما هو أكبر من أرض عائلته: ماذا يحدث للأراضي الفلسطينية عندما يصبح الوصول إليها أصعب، وماذا يحدث للعائلات عندما تتحول الأرض التي ورثتها إلى مساحة لا تستطيع الوصول إليها؟

ربما لهذا السبب بقيت جملة واحدة عالقة من تلك التغطية:

"يحيى.. هذه أرضك؟"، سؤال بسيط في ظاهره، لكنه في تلك اللحظة لم يكن سؤالًا عن ملكية أرض فقط، كان سؤالًا عن الذاكرة، والعائلة، والزيتون، والملكية، والصحافة، وعن اللحظة التي يكتشف فيها الصحفي أن القصة التي جاء لينقلها كانت، منذ البداية، جزءًا من قصته هو.