2026-09-09 10:34
خاص 4dPAL
لم يكن الرحيل من مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم مجرد انتقال مؤقت لعائلات اعتادت على الاقتحامات والعمليات العسكرية، بل وجد عشرات الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم أمام واقع جديد: مخيمات خالية من سكانها، ومنازل لم تعد صالحة للسكن، وأحياء كاملة تغيرت ملامحها خلال أشهر من العمليات العسكرية.
في مطلع عام 2025، غادرت العائلات مخيماتها تحت وطأة العمليات العسكرية الإسرائيلية، بعدما تعرضت منازل وشوارع ومنشآت لأضرار واسعة. ومنذ ذلك الوقت، بقيت عائلات كثيرة خارج المخيمات، تنتظر لحظة العودة إلى المكان الذي لم يكن بالنسبة إليها مجرد عنوان، بل مساحة تحمل ذاكرة عائلات توارثت اللجوء جيلًا بعد جيل.
ويشير تقرير أممي حديث إلى أن أكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم لم يتمكنوا من العودة حتى يوليو/تموز 2026.
بالنسبة للعائلة التي تُجبر على ترك منزلها، لا ينتهي الأمر بمجرد العثور على مكان بديل للنوم.
البيت يعني غرفة الطفل، وصور العائلة، وأثاثًا جمعته الأسرة على سنوات، وذكريات مرتبطة بكل زاوية فيه. وعندما يعود أحد السكان إلى مكانه ويجد أن المنزل قد دُمر أو تضرر، فإن الخسارة لا تُقاس بعدد الجدران التي سقطت، وإنما بما تحمله تلك الجدران من حياة كاملة.
وفي المخيمات الثلاثة، امتد الضرر إلى مئات المنازل والطرق وشبكات المياه والكهرباء، ما جعل العودة بالنسبة إلى كثير من العائلات مرتبطة أولًا بإمكانية توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
تحمل ما استطاعت إنقاذه من الملابس والأوراق وبعض المقتنيات، ثم تبدأ حياة جديدة في مكان آخر، غالبًا في ظروف ضيقة ومع موارد محدودة.
الأطفال يتركون مدارسهم وأصدقاءهم، والآباء يبحثون عن طرق للوصول إلى أعمالهم، والأمهات يحاولن إعادة ترتيب حياة الأسرة في مساحة لم تكن مهيأة أصلًا لاستقبالها.
ومع مرور الوقت، يتحول النزوح المؤقت إلى حالة من عدم الاستقرار. فلا العائلة قادرة على العودة، ولا المكان الذي نزحت إليه يصبح وطنًا بديلًا.
هذه المخيمات لم تنشأ باعتبارها أحياء سكنية عادية.
فهي جزء من تاريخ اللجوء الفلسطيني، وأقيمت بعد تهجير الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وتحولت على مدى عقود إلى مجتمعات كاملة يعيش فيها أبناء اللاجئين وأحفادهم.
لذلك فإن فقدان المخيم لا يعني بالنسبة إلى سكانه خسارة مبانٍ فقط، بل يعني فقدان المكان الذي احتفظوا فيه بجزء من ذاكرتهم الجماعية.
وفي الأزقة التي كانت تضج بالأطفال والبائعين والجيران، أصبحت آثار الدمار جزءًا من المشهد اليومي، فيما بقيت عائلات كثيرة خارج المخيم تنتظر فرصة العودة.
وسط هذه الظروف، يجد الأطفال أنفسهم في قلب أزمة لم يختاروها.
طفل كان يعرف طريق المدرسة ومكان اللعب وبيت جده، أصبح مطالبًا بالتأقلم مع مكان جديد، ومدرسة جديدة، وأصدقاء جدد، بينما تظل صور منزله القديم حاضرة في ذاكرته.
ومع استمرار النزوح، لا تصبح المشكلة في فقدان التعليم أو الاستقرار فقط، بل في الإحساس بأن المكان الذي كان الطفل يعتبره بيته لم يعد متاحًا له.
لا يعرف كثير من النازحين متى يستطيعون العودة، ولا كيف ستكون العودة إن حدثت.
هل سيجدون منازلهم؟ هل ستكون المدارس مفتوحة؟ هل ستتوفر المياه والكهرباء؟ هل ستعود الشوارع التي كانوا يعرفونها؟ وهل سيتمكنون أصلًا من استعادة الحياة التي كانت قبل الدمار؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لعائلات المخيمات الثلاثة.
ويقول مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن العمليات العسكرية أدت إلى تدمير أو إلحاق أضرار واسعة بالمباني والبنية التحتية، وقطعت أو عطلت خدمات المياه والكهرباء، كما رافقتها قيود على وصول المساعدات الإنسانية.
في نهاية المطاف، لا تطالب العائلات النازحة بمكان جديد يحل محل مخيماتها بقدر ما تريد العودة إلى أماكنها واستعادة حياتها.
فالنازح الذي ترك بيته لا يبحث فقط عن سقف، وإنما عن شعور بالأمان والانتماء والاستقرار.
وفي مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، يبدو هذا المعنى أكثر وضوحًا؛ إذ لا تزال آلاف العائلات تعيش خارج أماكنها، بينما بقيت منازلها وذكرياتها خلف طرق وأحياء تعرضت للدمار.
وبينما تستمر الجهود لإعادة بناء ما دمرته العمليات العسكرية، تبقى القضية الإنسانية الأهم هي مصير العائلات التي تريد العودة إلى بيوتها، لا أن تبدأ حياة جديدة في مكان آخر.
فالمخيم بالنسبة إلى سكانه ليس مجرد مبانٍ يمكن إعادة تشييدها، بل ذاكرة وحياة وهوية ومكان ظلّ يحمل قصة اللجوء الفلسطيني لعقود.
