
2026-11-04 09:26
غزة – البعد الرابع (4dPAL)
تتفاقم التداعيات الصحية والإنسانية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مع استمرار حرمان مئات الأطفال الذين فقدوا أطرافهم من حقهم في الحصول على العلاج والتأهيل الطبي المتخصص، في ظل القيود المفروضة على الإجلاء الطبي، والنقص الحاد في الكوادر الفنية والمختصين في مجال الأطراف الصناعية، الأمر الذي يهدد مستقبل هؤلاء الأطفال ويضاعف معاناتهم الجسدية والنفسية.
وقال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن إسرائيل تواصل حرمان 1134 طفلاً مبتور الأطراف في قطاع غزة من العلاج المتخصص، مشيراً إلى أن عرقلة خروج المرضى للعلاج خارج القطاع، إلى جانب محدودية الإمكانات الطبية المحلية، تحول دون حصول الأطفال على الخدمات الضرورية لاستكمال مراحل العلاج والتأهيل.
وأوضح المرصد أن احتياجات الأطفال المبتورين لا تقتصر على توفير أطراف صناعية بديلة، بل تشمل سلسلة متكاملة من التدخلات الطبية، تبدأ بالعمليات الجراحية اللازمة لتجهيز الأطراف المتبقية، مروراً بتصنيع الأطراف الصناعية ومواءمتها مع أجساد الأطفال، وصولاً إلى العلاج الطبيعي والتأهيل المستمر، بما يساعدهم على استعادة قدرتهم على الحركة وممارسة حياتهم اليومية.
وتزداد خطورة هذه الأزمة بالنظر إلى طبيعة الإصابات التي تعرض لها الأطفال خلال الحرب، وما خلفته من إعاقات دائمة واحتياجات علاجية معقدة تتطلب متابعة طبية طويلة الأمد. كما أن تأخر تركيب الأطراف الصناعية أو انقطاع جلسات التأهيل قد يؤدي إلى مضاعفات جسدية إضافية، ويحد من قدرة الأطفال على النمو والحركة والاندماج في محيطهم الاجتماعي والتعليمي.
ولا تنفصل هذه المعاناة عن الانهيار الواسع الذي أصاب القطاع الصحي في غزة، حيث تواجه المراكز الطبية المتخصصة صعوبات كبيرة في توفير المواد الخام والمعدات اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية، فضلاً عن النقص في الكوادر المؤهلة والأجهزة الطبية، ما يقلص قدرتها على الاستجابة للأعداد المتزايدة من المصابين.
وفي هذا السياق، أظهرت تقديرات منظمة الصحة العالمية الصادرة في أيار/مايو 2026 أن أكثر من خمسة آلاف حالة بتر أطراف سُجلت في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن نحو خُمس مبتوري الأطراف من الأطفال. كما أشارت المنظمة إلى أن أكثر من 50 ألف مصاب يحتاجون إلى خدمات إعادة تأهيل طويلة الأمد، في ظل قيود شديدة على إدخال المعدات والمستلزمات الضرورية.
وتنعكس هذه الظروف بصورة مباشرة على الأطفال، الذين يحتاجون إلى متابعة متكررة لتعديل الأطراف الصناعية بما يتناسب مع نمو أجسادهم، إلى جانب برامج تأهيل تساعدهم على التكيف مع إعاقاتهم واستعادة استقلاليتهم تدريجياً. ويعني غياب هذه الخدمات بقاء كثير منهم أمام تحديات يومية تتجاوز الإصابة نفسها، لتطال التعليم والحركة والتفاعل الاجتماعي والحياة الأسرية.
وفي ظل هذه المعطيات، دعا المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي إلى فرض حظر على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، ومساءلتها عن الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، مطالباً بإلزامها برفع القيود المفروضة على الإجلاء الطبي، وضمان خروج المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى علاج غير متوفر داخل القطاع.
كما شدد على ضرورة ضمان التدفق المنتظم للمساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية إلى غزة، بما يشمل المعدات والمواد اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية، وتوفير الكوادر المتخصصة والخدمات التأهيلية، حتى لا يتحول نقص الإمكانات والقيود المفروضة إلى عائق دائم أمام تعافي الأطفال المصابين.
وتكشف أزمة الأطفال مبتوري الأطراف في غزة عن جانب ممتد من آثار الحرب، إذ لا تنتهي معاناة المصابين بتوقف العمليات العسكرية أو خروجهم من المستشفيات، بل تبدأ بعدها رحلة طويلة من العلاج والتأهيل ومحاولة استعادة الحياة الطبيعية، وهي رحلة تبقى معلقة ما دامت أبواب العلاج مغلقة والإمكانات الطبية عاجزة عن تلبية الاحتياجات.
وبين طفل ينتظر طرفاً صناعياً يساعده على المشي، وآخر يحتاج إلى جراحة أو جلسات تأهيل لا تتوفر داخل القطاع، تتواصل معاناة جيل كامل من الأطفال، في وقت تفرض فيه القيود الطبية والإنسانية تحديات إضافية على حقهم في العلاج والحياة الكريمة.