2026-10-08 10:49
رام الله - ضحى مزيد - البعد الرابع (4DPal)
بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، لم يعد السؤال في الضفة الغربية يقتصر على عدد الحواجز التي أُغلقت، أو الطرق التي قُطعت، أو الوقت الذي يحتاجه الفلسطيني للانتقال من بلدة إلى أخرى.
السؤال الأوسع، وفق المختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور، يتعلق بما أنتجته هذه الإجراءات على الأرض: هل بقيت تدابير مؤقتة فرضتها الظروف الأمنية، أم تحولت تدريجيًا إلى واقع جديد يعيد تنظيم حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى الأرض والموارد والخدمات؟
في قراءة منصور، فإن التحول لم يبدأ في 7 أكتوبر 2023، لكنه دخل بعده مرحلة مختلفة من حيث السرعة والنطاق. فالحرب، بحسب تقديره، وفرت "الذريعة والمسوغات" والظروف السياسية والأمنية التي سمحت بتسريع توجه كان قائمًا قبلها، بينما أسهمت تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية في دفع هذا المسار إلى الأمام.
لذلك، لا يتعامل منصور مع الحواجز والإغلاقات ومصادرة الأراضي وتقييد الحركة باعتبارها ملفات منفصلة، بل يضعها ضمن صورة واحدة تتعلق بإعادة ترتيب العلاقة بين الفلسطيني والأرض، وبين الفلسطيني والطريق، وبين الفلسطيني والموارد، وبين المستوطن والمجال الذي يتحرك فيه.
وهنا، يرى أن اختبار السنوات الثلاث الماضية لا يكمن فقط في معرفة ما إذا كانت الإجراءات ستتراجع عندما تنخفض حدة الحرب، وإنما في معرفة أي جزء منها أصبح واقعًا دائمًا يصعب التراجع عنه.
يرفض منصور قراءة ما جرى في الضفة باعتباره نتيجة مباشرة للحرب وحدها، ويضع بداية التحول في مرحلة أسبق، ثم يربط تسارعه بما أعقب 7 أكتوبر من حرب وتوتر إقليمي وتركيبة سياسية إسرائيلية، معتبرًا أن هذه العوامل اجتمعت لتوفير ظروف مواتية لتنفيذ توجه كان قائمًا أصلًا.
ويقول إن "التغيير بدأ قبل 7 أكتوبر"، لكن 7 أكتوبر جاء ليمنح هذا التغيير "الذريعة والمسوغات"، ويخلق الظروف الملائمة للمضي فيه.
أما العامل الآخر، فيتمثل بالنسبة إليه في الحكومة الإسرائيلية نفسها، التي يصف تركيبتها بأنها أساسية في القفزة التي شهدها المسار. ويرى أن حكومة بنيامين نتنياهو، التي تضم وزراء من اليمين المتشدد، دفعت باتجاه سياسة أكثر وضوحًا في الضفة الغربية.
وفي هذا السياق، يربط منصور بين السياسة المعلنة لبعض أطراف الحكومة وبين ما يجري على الأرض، معتبرًا أن عنوان "حسم الصراع في الضفة لصالح المستوطنين" يعبر، بحسب قراءته، عن توجه سياسي يتجاوز إدارة وضع أمني مؤقت.
وتوجد مؤشرات ميدانية على تصاعد الاستثمار الحكومي في المشروع الاستيطاني. ففي تموز/يوليو 2026، أقرت الحكومة الإسرائيلية ميزانية بقيمة 1.3 مليار شيكل، نحو 434 مليون دولار، لإنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، إضافة إلى 1.075 مليار شيكل للبنية التحتية المرتبطة بها، وفق رويترز. وقال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن الخطوة تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة ومنع إقامة دولة فلسطينية.
وفي أيلول/سبتمبر، أضيفت مناقصة لبناء 2167 وحدة استيطانية إلى خطة منطقة E1، بعد مناقصة سابقة شملت 1234 وحدة، ليصل إجمالي الوحدات المطروحة ضمن الخطة إلى 3401 وحدة، بحسب رويترز. ويقع المشروع في منطقة استراتيجية شرق القدس، فيما حذر منتقدوه من أنه قد يؤدي إلى زيادة تجزئة الضفة الغربية وفصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
بالنسبة لمنصور، لا تكمن أهمية كل إجراء منفردًا، وإنما في تراكمها داخل اتجاه واحد.
المعيار الذي يضعه منصور للتمييز بين الإجراء الأمني المؤقت والسياسة طويلة المدى لا يتعلق فقط بالمدة الزمنية التي يستمر فيها الإجراء، وإنما بما ينتجه على الأرض، ولهذا تأتي إجابته مباشرة: "لا يوجد معايير للأسف".
ومن وجهة نظره، فإن إسرائيل تضع، بحسب قوله، "المعايير والقوانين والمبررات" بما يتناسب مع ما تريده استراتيجيًا في الضفة، بحيث يصبح التبرير الأمني متغيرًا، بينما يبقى الأثر الميداني هو الثابت.
ويختصر هذه الفكرة بقوله: "المعيار هو ما يُنجز على الأرض للأسف"، وهذه الجملة تفتح زاوية مختلفة لقراءة الحواجز والإغلاقات.
فإذا كان الحاجز يظهر في البداية باعتباره استجابة لحدث أمني محدد، فإن السؤال يصبح: هل يُرفع بعد انتهاء الحدث؟ وهل يعاد فتح الطريق بعد انحسار الخطر؟ أم يبقى مغلقًا، ويعاد تنظيم حركة الفلسطينيين عبر طرق أطول وشبكات ثانوية؟
المعطيات التي وثقها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تقدم مثالًا واضحًا على حجم هذا التحول. فقد وثق المكتب، حتى كانون الأول/ديسمبر 2025، وجود 925 عائقًا أمام الحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تقيد بصورة دائمة أو متقطعة حركة نحو 3.4 مليون فلسطيني. ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 43% عن المتوسط السنوي البالغ 647 عائقًا خلال العقدين السابقين.
لكن الأكثر دلالة في البيانات ليس العدد وحده، بل طبيعة هذه العوائق.
فالحواجز وبوابات الطرق تشكل قرابة 60% من إجمالي العوائق الموثقة، بعدما كانت تمثل نحو 15% فقط قبل عقدين، في حين كانت العوائق المؤقتة، مثل السواتر الترابية والحواجز الترابية، تشكل النسبة الأكبر سابقًا. كما وثق المكتب تركيب أكثر من 120 بوابة طرق جديدة خلال عام 2025.
وهذا تحديدًا هو النوع من التحول الذي يريد منصور لفت الانتباه إليه: الانتقال من إجراء يمكن إزالته إلى بنية تتحكم بالحركة نفسها.
في حديثه، لا يتوقف منصور عند الحاجز باعتباره نقطة تفتيش، يضعه ضمن شبكة أوسع تشمل الطرق، وغلاف المستوطنات، ومصادرة الأراضي، ومنع الوصول إلى مناطق الرعي والزراعة، وإعادة توزيع إمكانات الحركة بين الفلسطيني والمستوطن، ويصف هذه الإجراءات بأنها ترسم "ملامح واقع جديد".
فالفلسطيني، بحسب قراءته، لا يواجه فقط حاجزًا يمنعه من المرور، وإنما يجد نفسه محصورًا في شبكة طرق محددة، بينما تصبح مناطق كانت مفتوحة أمامه سابقًا أكثر صعوبة أو استحالة في الوصول إليها.
وتشير بيانات OCHA إلى أن 459 عائقًا، أي أكثر من نصف العوائق الموثقة، تعرقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية في الضفة. وتدفع هذه القيود حركة الفلسطينيين إلى شبكات طرق ثانوية أطول، فيما يؤثر 121 عائقًا منها على الوصول إلى شارع 60، وهو المحور الرئيسي الذي يربط شمال الضفة بجنوبها.
وفي حالة أم صفا شمال رام الله، وثق مكتب الأمم المتحدة استمرار إغلاق المدخلين الرئيسيين للبلدة منذ 7 أكتوبر 2023؛ أحدهما ببوابة طرقية والآخر بسواتر ترابية، ما أجبر السكان على استخدام طرق أطول. وذكر المكتب أن المدخلين فُتحا في عام 2025 في مناسبتين فقط، لنحو ثلاث ساعات في كل مرة، للسماح بمرور مواكب تشييع إلى مقبرة البلدة.
وبحسب OCHA، أثرت هذه القيود على الوصول إلى الصحة والتعليم وسبل العيش والخدمات الأساسية، كما كانت البلدة قبل الإغلاق نقطة عبور لست قرى محيطة، يستفيد نحو 15 ألف شخص من الوصول المباشر عبرها إلى الطريق 465.
هنا يصبح السؤال الذي تطرحه المقابلة أكثر تعقيدًا: متى يتوقف الحاجز عن كونه إجراءً أمنيًا، ويصبح جزءًا من طريقة إدارة المكان؟
منصور يرى أن الإجابة تكمن في النتيجة النهائية: إذا أعاد الإجراء تشكيل حركة الناس ووصولهم إلى الأرض والخدمات، واستمر بعد تغير الظروف التي قيل إنه فُرض بسببها، فإنه لم يعد، في قراءته، مجرد تفصيل أمني عابر.
في أكثر النقاط وضوحًا في حديثه، ينتقل منصور من الجغرافيا إلى الاقتصاد.
فالإجراءات التي تقيد الحركة، بحسب تحليله، لا تترك أثرها عند بوابة الطريق، وإنما تمتد إلى قدرة الفلسطيني على الوصول إلى العمل والأرض والأسواق والخدمات، وبالتالي إلى قدرته على الحفاظ على مستوى اقتصادي يسمح له بالبقاء في المكان.
ويقول إن هذه الإجراءات تهدف، وفق قراءته، إلى "خلق واقع اقتصادي في الضفة يجعل الهيمنة على كل الموارد للمستوطنين والفلسطيني مفقرًا ومعدومًا وحركته مقيدة"، وهنا تتداخل أربعة عناصر في تحليله: الأرض، والحركة، والموارد، والاستقرار الاقتصادي.
فحين تصبح الأرض أصعب وصولًا، والطريق أطول، والمرور أكثر خضوعًا للقيود، والوصول إلى مناطق الرعي والزراعة أكثر تعقيدًا، فإن النتيجة لا تكون أمنية فقط، بل اقتصادية واجتماعية أيضًا.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة أن القيود على الحركة تؤثر على الوصول إلى أماكن العمل والخدمات والأراضي الزراعية. كما وثق OCHA نحو ألفي حادثة مرتبطة بالوصول خلال عام 2025، شملت نقاط تفتيش متنقلة وتأخيرات وإغلاقات ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية.
ومن هنا، يرى منصور أن قراءة المشهد من خلال عنوان "الأمن" وحده تُسقط جانبًا أساسيًا من الصورة: ما الذي تنتجه الإجراءات بعد أن تستقر على الأرض؟
في قراءة منصور، لا يمكن فصل الدور الأمني عن السياق السياسي.
فهو يرى أن الجيش والشرطة الإسرائيليين أصبحا، بحسب تعبيره، جزءًا من تنفيذ السياسة القائمة في الضفة، وليس فقط الاستجابة لتهديدات أمنية محددة، ويصف الجيش والشرطة بأنهما يؤديان دورًا في "قمع الفلسطينيين" وفي حماية المستوطنين وتكريس السياسة التي تتبناها الحكومة.
وهذه قراءة سياسية يقدمها منصور، وليست حقيقة مستقلة تثبتها المقابلة وحدها؛ لكن الوقائع الميدانية التي توثقها جهات أممية تظهر بالفعل تداخل القيود على الحركة مع التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين والوصول إلى الأراضي.
وفي تقرير صدر في أيلول/سبتمبر 2026، وثق OCHA استمرار القيود على الوصول في أم صفا بالتزامن مع تصاعد هجمات المستوطنين والتوسع في البؤر الاستيطانية المحيطة بالبلدة، فيما أثرت القيود على الوصول إلى الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها عشرات الأسر.
فالسياسة، من وجهة نظر منصور، لا تبقى في مكاتب الحكومة أو في تصريحات الوزراء؛ بل تنتقل إلى الطريق والحاجز والأرض والمستوطنة.
وفي المقابل، فإن التوسع الاستيطاني والإنفاق الحكومي على البنية المرتبطة بالمستوطنات يقدمان مؤشرات مستقلة على أن المسار لا يقتصر على تدابير أمنية قصيرة الأجل. ومن أبرز الأمثلة ميزانية المستوطنات الجديدة التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية في تموز/يوليو، بقيمة 1.3 مليار شيكل لإنشاء 34 مستوطنة.
إذا كان التغيير، بحسب منصور، قد بدأ قبل 7 أكتوبر، فما الذي تغير بعده؟
إجابته تتمحور حول السرعة والنطاق والظرف السياسي.
ويصف ما حدث بأنه "قفزة نوعية"، ويربط ذروتها بتركيبة الحكومة وبرنامجها والظروف الإقليمية التي نشأت بعد الحرب، أي أن 7 أكتوبر، وفق هذه القراءة، لم يكن لحظة تأسيس للسياسة بقدر ما كان لحظة أعادت ترتيب قدرة الحكومة على تنفيذها.
الحرب جعلت الاعتبارات الأمنية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وأتاحت، بحسب منصور، تمرير إجراءات تحت عنوان الضرورة الأمنية، بينما كانت الحكومة نفسها تحمل توجهات سياسية سابقة تجاه الضفة.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار المقابلة: الفرق بين السياسة التي تُتخذ بسبب الحرب، والسياسة التي تستخدم الحرب لتسريع تنفيذها، منصور يضع ما يجري في الفئة الثانية.
وعند جمع المسارات الأربعة التي طُرحت عليه، الأمن الميداني، والقيود على الحركة، والقرار والخطاب السياسي، والمسار القانوني والقضائي، لا ينظر منصور إلى كل مسار منفردًا، الذي يراه أكثر دلالة هو تزامنها.
إذا فرض الجيش قيودًا جديدة، ثم تحولت القيود إلى بنية طرقية، وفي الوقت نفسه توسعت المستوطنات، وترافقت الإجراءات مع قرارات سياسية أو ترتيبات قانونية تعزز السيطرة على الأرض، فإن الصورة تصبح، وفق منطقه، أكبر من مجرد استجابة أمنية.
وهنا يصبح من الضروري مراقبة ما إذا كانت الإجراءات قابلة للعكس أم لا.
فالطريق الذي يمكن فتحه وإغلاقه بسهولة ليس كطريق جرى تغيير بنيته أو إعادة تنظيم استخدامه. والأرض التي تُغلق مؤقتًا ليست كالأرض التي تدخل في ترتيبات جديدة مرتبطة بمستوطنات وبنية تحتية. والقيود التي ترفع بانتهاء حدث أمني ليست كالقيود التي تستمر لأعوام وتصبح جزءًا من الحياة اليومية.
هذه هي النقطة التي يضعها منصور في قلب تفسيره: الزمن وحده لا يكفي، وإنما ما يتركه الزمن من وقائع.
المفارقة الأساسية في المشهد أن جزءًا من الإجراءات التي بدأت بعد 7 أكتوبر ما زال قائمًا بعد ثلاث سنوات.
وأم صفا تقدم مثالًا واضحًا على ذلك؛ فبحسب OCHA، لا تزال مداخل البلدة الرئيسية مغلقة منذ 7 أكتوبر 2023، بينما أدت هذه القيود إلى إطالة طرق الوصول إلى الصحة والتعليم والعمل والخدمات.
وعلى مستوى الضفة ككل، لا يقتصر الأمر على استمرار الإغلاقات القديمة، بل تظهر البيانات أيضًا تغيرًا في طبيعة البنية التي تتحكم بالحركة. فقد أصبحت الحواجز وبوابات الطرق تشكل قرابة 60% من العوائق الموثقة، فيما سجل عام 2025 تركيب أكثر من 120 بوابة جديدة.
هذه المعطيات لا تثبت وحدها الدافع السياسي الذي ينسبه منصور إلى الحكومة الإسرائيلية، لكنها تجعل السؤال الذي يطرحه قابلًا للرصد: إذا استمر الإجراء لسنوات، وتحوّل إلى بنية ثابتة، فإلى أي حد يمكن اعتباره إجراءً مؤقتًا؟
ولا ينفصل ملف الحركة، في قراءة منصور، عن ملف الاستيطان.
فخطة E1 تمثل أحد أبرز الأمثلة التي ظهرت خلال الأشهر الماضية. ففي أيلول/سبتمبر أضيفت مناقصة لـ2167 وحدة استيطانية إلى مناقصة سابقة شملت 1234 وحدة، ليصل الإجمالي إلى 3401 وحدة ضمن الخطة. وقالت رويترز إن المشروع يقسم الضفة الغربية جغرافيًا ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني إذا نُفذ.
وقبل ذلك، أقرت الحكومة الإسرائيلية في تموز/يوليو تمويلًا بقيمة 434 مليون دولار لإنشاء 34 مستوطنة جديدة، إلى جانب أكثر من مليار شيكل للبنية التحتية المرتبطة بها؛ وبذلك، فإن الحديث عن "الواقع الجديد" لا يتعلق بالحواجز وحدها، وإنما بتزامن قيود الحركة مع خطوات استيطانية وبنية تحتية جديدة.
وهنا يلتقي التحليل السياسي الذي يقدمه منصور مع وقائع يمكن رصدها بالأرقام والقرارات المعلنة.
هنا يصل الحديث إلى الاختبار الأصعب.
هل يعني تراجع الحرب والتوتر الأمني أن الضفة ستعود إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل 7 أكتوبر؟
منصور لا يتوقع ذلك تلقائيًا.
بل يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن العامل الأمني لم يعد، في تقديره، العامل الأكثر تأثيرًا في استمرار هذه الإجراءات.
ويقول: "أنا أعتقد أن الوضع الأمني لن يؤثر أكثر"، مشيرًا إلى أن استمرار هجمات المستوطنين يجعل من الصعب، في قراءته، تفسير كل الإجراءات باعتبارها استجابة مباشرة للوضع الأمني.
ومن وجهة نظره، فإن التغيير الحقيقي يحتاج إلى متغير سياسي، ويحدد عاملين يمكن أن يدفعا باتجاه ذلك: تغيير سياسي داخل إسرائيل، بما في ذلك تغيير الحكومة، أو تدخل أمريكي أكثر صرامة يتضمن إجراءات قادرة على الضغط على إسرائيل.
أما انخفاض مستوى الحرب وحده، فلا يراه كافيًا لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 7 أكتوبر.
إذا صح هذا التقدير، فإن السنوات الثلاث الماضية لا تُقرأ فقط من خلال ما حدث خلالها، وإنما من خلال ما ستتركه بعدها؛ فالإجراء الأمني المؤقت يفترض أن تكون له نقطة عودة؛ ينتهي الخطر، فينتهي الإجراء.
لكن عندما يتحول الإجراء إلى طريق جديد، أو حاجز دائم، أو نظام وصول مختلف، أو واقع استيطاني جديد، فإن العودة إلى نقطة البداية تصبح أكثر تعقيدًا.
وهذا هو جوهر التحول الذي يصفه منصور: الانتقال من إدارة وضع أمني إلى إعادة تشكيل شروط الحياة نفسها.
ولا تعني هذه القراءة أن كل حاجز أو كل إغلاق هو بالضرورة قرار سياسي لإعادة تشكيل الضفة؛ فالتبرير الأمني الإسرائيلي حاضر في كثير من الإجراءات، كما أن تحديد دوافع كل إجراء يحتاج إلى فحص منفصل للقرار والسياق والزمن والنتيجة؛ لكن ما يلفت الانتباه هو التراكم.
فبحسب بيانات الأمم المتحدة، لم يقتصر التغير على زيادة عدد العوائق، بل تغيرت طبيعة نظام الحركة نفسه، مع ارتفاع نسبة الحواجز وبوابات الطرق ذات الطابع الأكثر ثباتًا، فيما بقيت قيود عديدة قائمة لسنوات.
في النهاية، يضع منصور المشهد في إطار أوسع من الحاجز والإغلاق.
بالنسبة إليه، المعركة تدور حول شكل الضفة التي ستبقى بعد سنوات من هذه الإجراءات: كيف يتحرك الفلسطيني فيها؟ أين يستطيع الوصول؟ ما الأرض التي يمكنه استخدامها؟ وما الموارد التي تبقى متاحة له؟ وما المساحات التي تتوسع فيها المستوطنات؟
وعلى هذا الأساس، فإن السؤال عن اليوم التالي للحرب لا يصبح فقط: هل ستفتح الحواجز؟
بل: ماذا سيبقى وراءها؟
هل ستعود الطرق إلى وضعها السابق، أم ستبقى الشبكة الجديدة التي تشكلت خلال سنوات الحرب؟ هل ستعود القيود إلى مستوياتها السابقة، أم يصبح ما كان استثنائيًا هو الوضع الطبيعي؟ وهل يمكن تفكيك الوقائع التي نشأت على الأرض بالسرعة نفسها التي فُرضت بها؟
منصور يرى أن المؤشر الأول لن يكون في الخطاب، وإنما في القرار والممارسة.
فإذا تراجع التوتر، ثم بدأت إسرائيل بتفكيك القيود وفتح الطرق وإعادة الوصول إلى الأراضي وتراجع الإجراءات التي ترسخت خلال السنوات الثلاث الماضية، سيكون ذلك مؤشرًا على أن جزءًا من إجراءات الحرب كان مؤقتًا.
أما إذا انخفض التوتر وبقيت البنية نفسها، الحواجز والإغلاقات والقيود على الأرض والتوسع الاستيطاني والقرارات التي تعزز السيطرة، فسيكون ذلك مؤشرًا مختلفًا: أن الحرب لم تكن سوى الظرف الذي سمح بتسريع مسار كان قد بدأ قبلها.
ولهذا يختصر منصور قراءته للمشهد في فكرة واحدة: التغيير لم يبدأ في 7 أكتوبر، لكن 7 أكتوبر أعطاه السرعة والظروف.
ويبقى الاختبار الحقيقي الآن خارج ساحات الحرب نفسها: هل تستطيع إسرائيل أن تتراجع عن الوقائع التي تشكلت خلال السنوات الثلاث الماضية، أم أن هذه الوقائع ستصبح هي الوضع الجديد الذي ستبدأ منه المرحلة المقبلة؟
