2026-09-28 07:33
خاص - رام الله - البعد الرابع (4dpal)
تصادف اليوم الاثنين، 28 أيلول/سبتمبر، الذكرى الـ26 لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، المعروفة باسم "انتفاضة الأقصى"، التي بدأت عام 2000 في أعقاب زيارة أرييل شارون، الذي كان حينها زعيم المعارضة الإسرائيلية، إلى باحات المسجد الأقصى، بحماية قوات إسرائيلية كبيرة، لتتحول المواجهات التي اندلعت في القدس إلى انتفاضة امتدت سريعاً إلى مختلف أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبعد 26 عامًا، تأتي الذكرى في وقت يعود فيه المسجد الأقصى إلى واجهة الأحداث الفلسطينية، بالتزامن مع تصعيد ميداني في الضفة الغربية واعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم، فيما تشهد الساحة الإسرائيلية نفسها تصعيداً في الخطاب والممارسات المرتبطة بالقدس والأسرى.
في 28 أيلول/سبتمبر 2000، دخل شارون إلى باحات المسجد الأقصى وسط حماية أمنية إسرائيلية مشددة، في خطوة أثارت غضباً واسعاً بين الفلسطينيين، وتبعتها مواجهات في القدس سرعان ما امتدت إلى مدن وبلدات الضفة الغربية وقطاع غزة.
وخلال الأيام الأولى، استخدمت القوات الإسرائيلية الرصاص الحي وقنابل الغاز في مواجهة المتظاهرين، وسقط شهداء وجرحى فلسطينيون، لتتسع دائرة المواجهات وتتحول إلى انتفاضة فلسطينية واسعة.
ولم تبقِ الانتفاضة في إطار المواجهات في القدس، بل امتدت إلى مختلف المناطق الفلسطينية، وشهدت السنوات التالية عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة في الضفة الغربية، واجتياحات واعتقالات وعمليات هدم وتجريف، إلى جانب مواجهات مسلحة وهجمات داخل إسرائيل.
وشكلت السنوات التي تلت اندلاع الانتفاضة واحدة من أكثر المراحل دموية وتعقيداً في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، قبل أن تتراجع حدتها تدريجياً مع مرور السنوات، دون أن تنتهي معها القضايا التي كانت في صلبها، وفي مقدمتها القدس والأقصى والاستيطان والاعتقالات والوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
كان المسجد الأقصى في قلب اللحظة التي سبقت اندلاع الانتفاضة، وظل خلال السنوات التالية أحد أبرز عناوين الصراع.
وبعد مرور أكثر من ربع قرن، لا تزال باحات المسجد تشهد اقتحامات متكررة من المستوطنين الإسرائيليين، فيما تتخذ السلطات الإسرائيلية إجراءات أمنية مشددة في محيطه وتفرض قيوداً على وصول الفلسطينيين إليه.
وفي الأيام الأخيرة، تصاعدت وتيرة الاقتحامات بالتزامن مع الأعياد اليهودية، إذ اقتحم نحو 1500 مستوطن باحات المسجد الأقصى الأحد، وفق ما أوردته مصادر محلية، بينما قالت مصادر أخرى إن أكثر من ألف مستوطن شاركوا في الاقتحامات خلال الفترة الصباحية.
وتزامن ذلك مع ظهور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في منطقة حائط البراق، حيث أدى طقوسًا دينية بحماية أمنية، في وقت شهدت فيه باحات المسجد اقتحامات واسعة وطقوساً دينية للمستوطنين.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ذكرى انتفاضة الأقصى، التي ارتبط اندلاعها أساسًا بحدث وقع داخل المسجد ومحيطه، وأظهر منذ ذلك الوقت مدى قدرة القدس والمسجد الأقصى على التحول إلى نقطة اشتعال واسعة في الصراع.
ولا يأتي إحياء ذكرى الانتفاضة هذا العام في ظل أحداث القدس وحدها، إذ شهدت الضفة الغربية خلال الساعات الأخيرة سلسلة من الاعتداءات التي طالت بلدات فلسطينية وممتلكات المواطنين.
وفجر اليوم الاثنين، هاجم مستوطنون مناطق في رأس كركر ودير أبو مشعل، شمال وغرب رام الله، وأضرموا النار في مركبات وممتلكات فلسطينية.
وفي منطقة "الشعب الغويط" في رأس كركر، أُحرِق جرار زراعي وشاحنة، بينما هاجم مستوطنون منزلاً في دير أبو مشعل وأحرقوا مركبة كانت متوقفة في ساحته، وفق مصادر محلية .
كما أفادت تقارير محلية بأن مستوطنين هاجموا خلال ساعات الفجر قرية دير أبو مشعل ورأس كركر، وتركوا شعارات معادية بعد الاعتداء على الممتلكات، فيما تصدى مواطنون لمحاولة اقتحام منزل في محيط سنجل شمال رام الله.
وتأتي هذه الاعتداءات في سياق تصعيد أوسع تشهده الضفة، بالتزامن مع اقتراب موسم قطف الزيتون، الذي يشهد عادة زيادة في الاعتداءات على الأراضي والمزارعين والممتلكات الفلسطينية.
أما في قطاع غزة، فلم تغب العمليات العسكرية عن المشهد، إذ أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية بأن القطاع شهد خلال الأحد قصفاً إسرائيلياً في مناطق متفرقة، أسفر عن استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين.
وأشارت مصادر محلية إلى استشهاد مواطن جراء استهداف مركبة مدنية في حي تل الهوا جنوب غربي مدينة غزة، إلى جانب إصابات جراء استهداف مجموعة من المواطنين في مخيم الشاطئ، وإصابة أخرى قرب خيام النازحين في محيط سوق الشيخ رضوان.
وبذلك تحضر غزة والضفة والقدس في مشهد الذكرى في وقت واحد، وإن اختلفت طبيعة الأحداث من منطقة إلى أخرى.
وفي ملف الأسرى، شهد اليوم تطوراً أثار اهتماماً واسعاً، بعد نشر بن غفير مقطع فيديو ظهر فيه داخل زنزانة الأسير الفلسطيني حسن سلامة، موجهاً إليه تهديدات مباشرة بالقتل والإعدام.
وقالت تقارير إسرائيلية وفلسطينية إن الفيديو صُوّر قبل نحو أسبوعين وأعيد نشره اليوم، فيما ربطت مصادر إعلامية إسرائيلية وفلسطينية توقيت نشره بالمنافسة السياسية الإسرائيلية والانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
وسلامة معتقل منذ عام 1996، ومحكوم بالسجن 48 مؤبداً و30 عاماً، وفق ما أوردته الجزيرة، فيما قالت حركة حماس ومكتب إعلام الأسرى إن التهديدات التي ظهرت في الفيديو تمثل تصعيداً بحق الأسرى.
ويضيف هذا التطور ملف الأسرى إلى سلسلة الملفات التي تتصدر المشهد الفلسطيني في ذكرى الانتفاضة، إلى جانب القدس والاستيطان والعمليات العسكرية.
بين أيلول/سبتمبر 2000 وأيلول/سبتمبر 2026، تغيرت تفاصيل كثيرة في المشهد الفلسطيني، لكن ملفات أساسية بقيت حاضرة.
فالقدس ما زالت في مركز الصراع، والمسجد الأقصى ما زال نقطة توتر رئيسية، والضفة الغربية تشهد توسعًا استيطانيًا واعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم، فيما تستمر الاعتقالات والاقتحامات العسكرية.
وفي المقابل، تغيرت طبيعة المواجهة وأدواتها على مدار السنوات. فالانتفاضة الثانية شهدت مواجهات شعبية واسعة وعمليات عسكرية إسرائيلية كبيرة، ثم انتقلت الساحة الفلسطينية والإسرائيلية إلى مراحل مختلفة من الصراع، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي تتداخل فيه العمليات العسكرية والاقتحامات والاعتقالات واعتداءات المستوطنين والملفات المرتبطة بالقدس والأسرى.
ولهذا تبدو ذكرى 28 أيلول/سبتمبر أكثر من مناسبة تاريخية للفلسطينيين؛ فهي تعيد فتح الأسئلة حول العلاقة بين ما يجري في المسجد الأقصى وبين مسار التصعيد في باقي الأراضي الفلسطينية.
في عام 2000، بدأ المشهد من القدس بعد زيارة شارون إلى المسجد الأقصى، ثم خرجت المواجهات من أسوار البلدة القديمة لتصل إلى الضفة وغزة.
وفي عام 2026، تأتي الذكرى فيما يشهد الأقصى اقتحامات واسعة خلال الأعياد اليهودية، وفيما يتعرض فلسطينيون في الضفة لهجمات وإحراق مركبات وممتلكات، بينما تتواصل العمليات العسكرية والاعتقالات، وتتصاعد التهديدات بحق الأسرى.
ولا يعني ذلك أن أحداث اليوم هي تكرار حرفي لما جرى عام 2000، فالسياق السياسي والميداني مختلف، لكن استمرار حضور القدس والأقصى في قلب الأحداث بعد 26 عاماً يعكس بقاء أحد أبرز أسباب التوتر في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون تسوية.
وبين ذكرى انتفاضة اندلعت من باحات المسجد الأقصى، وأحداث تجري اليوم في المكان نفسه وفي محيطه وفي الضفة وغزة والسجون، يعود 28 أيلول/سبتمبر ليحمل للفلسطينيين ذاكرة مرحلة مفصلية، فيما تظل القدس والأقصى والأسرى والاستيطان من أبرز العناوين التي ترسم المشهد الفلسطيني الراهن.
