تقارير

من تغسيل الموتى إلى الغياب.. حكاية فاطمة الرجبي

Case

2026-09-19 15:10

Copy Link

القدس – ضحى مزيد – خاص بِـ"البعد الرابع"

في صباح الأحد 13 سبتمبر/أيلول، خرجت فاطمة الرجبي، المعروفة بين أهلها بـ«أم راجي»، إلى مستشفى المقاصد في القدس للمشاركة في تغسيل وتجهيز حالة وفاة، وهي مهمة اعتادت القيام بها ومساعدة العائلات في مثل هذه الظروف.

كانت فاطمة، البالغة 61 عامًا، أمًا لعشرة أبناء وبنات، وزوجة عاشت 45 عامًا مع زوجها، وعمةً محبوبة داخل عائلتها، وعُرفت بمساعدة الآخرين ومساندة العائلات في لحظات الفقد، بعد انتهاء مهمتها في المستشفى، تحدثت مع زوجها، وكان يعرف أنها في طريق عودتها إلى المنزل.

لكنها لم تصل، ومنذ تلك اللحظة، بدأت عائلتها رحلة بحث استمرت خمسة أيام، قبل أن تنتهي بالعثور عليها مقتولة، وفتح تحقيق في ملابسات وفاتها.

من التأخر إلى بلاغ فقدان

في الساعات الأولى، لم تتعامل العائلة مع غياب فاطمة باعتباره أمرًا غير معتاد؛ ربما تأخرت في الطريق، أو طرأ ما أخّر وصولها، لكن مع مرور الوقت، بدأت الاتصالات داخل الأسرة، وسأل أفراد العائلة عنها وحاولوا معرفة مكانها وآخر من تواصل معها، لكنها لم تصل الإجابة.

ومع استمرار غيابها، أدركت العائلة أن الأمر تجاوز التأخر العابر، فأُبلغت الشرطة وبدأت عمليات البحث في القدس ومحيطها، وشاركت في عمليات البحث قوات من الشرطة وحرس الحدود إلى جانب متطوعين، فيما واصلت العائلة والأهالي متابعة أي معلومة يمكن أن تقود إليها.

محمد شحادة، ابن شقيق فاطمة، يروي لـِ " البعد الرابع" أن الأيام الخمسة كانت ثقيلة على الأسرة، التي عاشت بين الدعاء والأمل والخوف، فيما زادت المعلومات غير المؤكدة المتداولة من حالة القلق، كان الاحتمال الذي تتمسك به العائلة طوال تلك الفترة أن تكون فاطمة على قيد الحياة وأن تعود إلى منزلها.

الجمعة.. العثور على جثة واعتقال مشتبه به

في مساء الجمعة 18 سبتمبر/أيلول، أعلنت الشرطة الإسرائيلية اعتقال رجل من سكان شرقي القدس، يبلغ 61 عامًا، للاشتباه بضلوعه في قضية اختفاء فاطمة والقتل، وقالت الشرطة إن التحقيق مع المشتبه به قاد إلى العثور على جثة امرأة في شرقي القدس، ونُقلت الجثة إلى معهد الطب الشرعي في أبو كبير لاستكمال إجراءات تحديد الهوية وفحص ظروف الوفاة.

لاحقًا، أكدت عائلة الرجبي أن الجثمان يعود إلى فاطمة، كما أعلن مجلس عائلة الرجبي الرفاعي أن "الحاجة أم راجي الرجبي وجدت مقتولة"، وأن المشتبه به اعترف بالجريمة، بينما بقيت تفاصيل أخرى من القضية خاضعة لقيود النشر.

وبذلك، انتهت عملية البحث التي استمرت خمسة أيام، لكن بالنسبة إلى العائلة بدأت مرحلة أخرى من الأسئلة حول ما حدث لفاطمة بعد مغادرتها المستشفى.

"في فرق كبير بين اختفائها وإيجادها بهذه الحالة"

يقول محمد: "  إن وقع العثور على عمتي كان مختلفًا تمامًا عن الأيام التي سبقت ذلك، خلال فترة اختفائها، كانت العائلة تبحث وتنتظر وتتمسك باحتمال عودتها، أما بعد التأكد من وفاتها، فقد تحولت حالة الانتظار إلى صدمة وفقد"

ويتحدث محمد عن اللحظة التي وصل فيها الخبر إلى الأسرة، وعن بكاء والده، الذي كان من أصعب المشاهد التي عاشوها خلال تلك الأيام، ويختصر ما عاشته العائلة بالقول: "في فرق كبير بين اختفائها وإيجادها بهذه الحالة".

فاطمة خارج تفاصيل القضية

وسط الحديث عن التحقيق والاعتقال والعثور على الجثمان، تتمسك العائلة بصورة أخرى لفاطمة، هي ليست فقط المرأة التي اختفت في 13 سبتمبر، ولا الاسم الذي ارتبط بقضية قتل في 18 سبتمبر، هي أم لعشرة أبناء وبنات، عاشت 45 عامًا مع زوجها، وكانت قريبة من عائلتها ومعروفة بمساعدة الآخرين، ومن بين ما عُرفت به مشاركتها في تغسيل الموتى وتجهيزهم، ومساعدة عائلات فقدت أحباءها.

وبالنسبة إلى محمد، فإن الحديث عنها لا يكتمل عند تفاصيل اختفائها، لأن عمته كانت صاحبة حياة وعلاقات وذكريات سبقت القضية، وهذه الصورة هي التي تريد العائلة الاحتفاظ بها.

أسئلة ما زالت مفتوحة

رغم العثور على فاطمة وتوقيف مشتبه به، لا تزال أسئلة العائلة مرتبطة بما جرى بعد خروجها من مستشفى المقاصد، ما الذي حدث في طريق عودتها إلى منزلها؟ وأين كانت خلال الأيام الخمسة التي بحثت فيها عائلتها عنها؟وما الظروف الكاملة التي انتهت بوفاتها؟

هذه الأسئلة مرتبطة بالتحقيق الجاري، فيما تخضع أجزاء من القضية لقيود النشر، ولذلك تبقى المعلومات المتداولة خارج ما أُعلن رسميًا بحاجة إلى تحقق، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع مثبتة.

العائلة تطلب الحقيقة وتتمسك بالقانون

في بيانها بعد العثور على فاطمة، طالبت عائلة الرجبي الرفاعي بتوسيع التحقيق وكشف ملابسات القضية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تثبت مسؤوليته، وفي الوقت ذاته، دعت أفراد العائلة وأبناءها إلى الهدوء وعدم الانجرار إلى الانتقام، والتعامل مع القضية من خلال القانون والقضاء، بالنسبة إلى الأسرة، فإن معرفة من يقف وراء الجريمة لا تنفصل عن معرفة ما حدث لفاطمة نفسها، وما الذي جرى خلال الساعات التي سبقت اختفائها.

"لن ننسى"

يقول محمد إن العائلة لا تريد أن تُختصر فاطمة في الطريقة التي انتهت بها حياتها، فوراء القضية أم فقدها أبناؤها، وزوج فقد رفيقة 45 عامًا، وعائلة فقدت واحدة من أفرادها، وأشخاص عرفوها من خلال مساعدتها لهم في أصعب لحظاتهم.

ويختصر محمد موقف العائلة بكلمتين: "لن ننسى"، لن تنسى الأسرة فاطمة كما عرفتها قبل القضية؛ المرأة التي كانت أمًا وزوجةً وعمةً، والتي اعتادت أن تمد يدها للعائلات التي تمر بالفقد.

وفي انتظار الإجابات، تبقى فاطمة بالنسبة إلى أهلها أكثر من خبر عن جريمة؛ تبقى المرأة التي عاشت 61 عامًا، وأمًا لعشرة أبناء وبنات، وزوجةً لـ45 عامًا، وعمةً محبوبة، وامرأةً اعتادت أن تكون إلى جانب الآخرين عندما يفقدون أحباءهم، قبل أن تصبح هي نفسها محور بحثٍ لم ينتهِ بالعثور عليها، بل بدأ معه سؤال الحقيقة.

أقرأ ايضا