أخبار

الضفة الغربية إلى أين؟ معركة تُحسم على الأرض قبل أن تُرسم على الخريطة

Case

2026-09-11 10:54

Copy Link

خاص 4dPAL

قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا في الضفة الغربية اليوم هو ماذا يحدث فيها، بل إلى أين يقود ما يحدث؟

فالمشهد لم يعد مقتصرًا على مستوطنة تتوسع هنا، وبؤرة تظهر هناك، أو تجمع فلسطيني يواجه اعتداءات متكررة؛ إذ تتراكم الوقائع فوق بعضها بصورة تعيد تشكيل الجغرافيا نفسها، من خلال التوسع الاستيطاني، والسيطرة على مساحات واسعة من الأرض، وتغيير أنظمة التخطيط والإدارة، والضغط على التجمعات الفلسطينية، وصولًا إلى مشاريع تهدد الاتصال الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية.

وبذلك، تبدو الضفة أمام مسارين متناقضين: مسار فلسطيني يقوم على إمكانية إقامة دولة متصلة جغرافيًا، ومسار استيطاني يعمل على إنتاج واقع مختلف، تصبح فيه المستوطنات والطرق والبؤر ومناطق السيطرة الإسرائيلية شبكة متصلة، بينما تتحول التجمعات الفلسطينية تدريجيًا إلى جزر منفصلة.

من الاستيطان إلى إعادة رسم الخريطة

خلال السنوات الأخيرة، لم يعد التوسع الاستيطاني يعتمد فقط على توسيع مستوطنات قائمة، بل شهد نموًا سريعًا للبؤر الاستيطانية، بما فيها البؤر الرعوية التي تعتمد على السيطرة التدريجية على مساحات واسعة من الأرض.

وتكشف تقارير حديثة أن شركات وأفرادًا إسرائيليين ساهموا في إنشاء بؤر جديدة في الضفة، بعضها بدأ بعد عام 2023، مع حصول مشاريع استيطانية على أشكال مختلفة من الدعم أو التنسيق الرسمي؛ وتقول تقارير إن التوسع بات يؤثر في مساحات واسعة من الضفة، فيما يترافق ذلك مع نزوح فلسطينيين من بعض المناطق نتيجة العنف والضغط المتواصل.

كل بؤرة جديدة يمكن أن تعني طريقًا جديدًا، ومنطقة رعي جديدة، ونقطة سيطرة جديدة، ومساحة إضافية يصبح وصول الفلسطينيين إليها أكثر صعوبة.

وبمرور الوقت، تتحول هذه النقاط الصغيرة إلى شبكة أكبر تعيد تعريف من يستطيع الوصول إلى الأرض ومن يستطيع استخدامها.

أخطر من البناء.. السيطرة على ما بين المستوطنات

إذا كانت المستوطنة هي الجزء الظاهر من المشروع، فإن المساحات الواقعة بينها قد تكون الجزء الأكثر أهمية.

فالسيطرة على الأرض لا تحتاج دائمًا إلى بناء مدينة كاملة؛ يمكن أن تبدأ بقطعة أرض، أو طريق، أو بؤرة رعوية، أو منع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، ثم تتوسع تدريجيًا، وهذا تحديدًا ما يجعل الضفة مختلفة عن مجرد سباق عمراني.

المسألة تتعلق بمن يملك القدرة على استخدام الأرض، ومن يستطيع التحرك فيها، ومن يستطيع إقامة البنية التحتية، ومن يستطيع الوصول إلى المياه والمراعي والطرق.

ولهذا، فإن إخراج عائلة فلسطينية من أرضها لا يمثل خسارة عائلة واحدة فقط؛ بل قد يفتح مساحة جغرافية جديدة أمام التوسع الاستيطاني.

E1.. النقطة التي قد تفصل الضفة عن القدس

في قلب هذا المشهد يقف مشروع E1، الذي يُعد من أكثر المشاريع الاستيطانية حساسية بالنسبة إلى مستقبل الضفة الغربية.

فالمنطقة الواقعة شرق القدس ترتبط جغرافيًا بالمسار الذي يربط شمال الضفة بجنوبها، وأي توسع استيطاني واسع فيها يمكن أن يزيد صعوبة إنشاء دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

ولهذا، لم تعد معركة E1 قضية بناء وحدات استيطانية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكبر: هل ستبقى الضفة الغربية مساحة جغرافية يمكن أن تُقام عليها دولة متصلة، أم ستصبح مجموعة مناطق فلسطينية منفصلة تتخللها كتل استيطانية وطرق ومناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية؟

وكانت دول أوروبية قد حذرت مؤخرًا من خطورة التوسع في E1، معتبرة أنه يهدد الاتصال الإقليمي للدولة الفلسطينية المستقبلية ويقوض حل الدولتين.

الضم قد لا يبدأ بإعلان

ربما يكون أخطر ما في المشهد أن تغيير وضع الضفة لا يحتاج بالضرورة إلى لحظة واحدة يُعلن فيها قرار رسمي بضمها.

قوانين جديدة، صلاحيات إدارية، تسجيل أراضٍ، توسع للمستوطنات، طرق جديدة، نقل صلاحيات إلى جهات مدنية إسرائيلية، ثم واقع يصبح من الصعب التراجع عنه.

وهذا ما يصفه محللون بأنه ضم فعلي أو تدريجي؛ أي تغيير في طريقة إدارة الأرض والسيطرة عليها دون انتظار إعلان سياسي شامل.

وفي هذا السياق، شهد عام 2026 إجراءات إسرائيلية لتعزيز السيطرة الإدارية على أراضٍ في الضفة، بالتزامن مع توسع استيطاني متسارع. كما تتحدث تقارير عن اتجاه لتحويل أجزاء متزايدة من الإدارة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى ترتيبات أكثر ارتباطًا بالمؤسسات المدنية الإسرائيلية.

وهنا يصبح السؤال: إذا تغير الواقع على الأرض بما يكفي، فما الذي سيبقى من فكرة الانسحاب أو التقسيم في المستقبل؟

المستوطنات لا تتوسع وحدها

في السنوات الأخيرة، أصبحت البؤر الرعوية إحدى الأدوات المهمة في التوسع الاستيطاني، ففي المناطق المفتوحة، لا تحتاج السيطرة إلى عشرات المباني، قد تبدأ بمزرعة، ثم طريق، ثم حظيرة، ثم مساحة رعي، ثم تتحول المنطقة المحيطة تدريجيًا إلى مجال يصعب على الفلسطينيين الوصول إليه.

وهذا النموذج يضغط بصورة خاصة على التجمعات البدوية والرعوية، لأن حياة هذه التجمعات تعتمد على الحركة ومساحات الرعي والوصول إلى مصادر المياه.

وحين يُمنع الراعي من الوصول إلى المرعى، أو تتعرض مواشيه للاعتداء، أو تُفكك حظيرته، لا يُنتزع منه منزل فقط؛ بل يُنتزع منه نمط الحياة الذي يجعل بقاءه في المكان ممكنًا.

وهنا تظهر قصص تجمعات مثل عرب المليحات وغيرها بوصفها جزءًا من صورة أكبر: إخلاء السكان من منطقة ما لا يعني فقط نقلهم إلى منطقة أخرى، بل قد يعني إفراغ مساحة جغرافية من وجودها الفلسطيني الدائم.

ماذا يحدث للفلسطينيين إذا استمر هذا المسار؟

إذا استمر التوسع الاستيطاني بالمعدلات الحالية، فإن أحد أكثر السيناريوهات خطورة يتمثل في تحول الضفة إلى مناطق فلسطينية منفصلة، تحيط بها أو تتخللها كتل استيطانية وشبكات طرق ومناطق عسكرية.

في هذا السيناريو، قد يبقى الفلسطينيون موجودين بأعداد كبيرة، لكن وجودهم لن يعني بالضرورة امتلاكهم للاتصال الجغرافي والسيادة على الأرض، وهنا تكمن المفارقة.

قد تكون هناك مدن فلسطينية مكتظة بالسكان، ومؤسسات فلسطينية، وحياة اقتصادية واجتماعية مستمرة، لكن المساحة التي يمكن لهذه المدن أن تتوسع فيها أو تتصل بها قد تصبح محدودة بصورة متزايدة.

بمعنى آخر، القضية ليست فقط: كم فلسطينيًا سيبقى في الضفة؟

بل: أين سيعيشون؟ وما المساحة التي ستبقى تحت سيطرتهم؟ وهل ستكون مناطقهم متصلة أم منفصلة؟

الضفة بين ثلاثة سيناريوهات

المستقبل ليس محسومًا بالكامل، لكن الوقائع الحالية تسمح برسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

الأول هو استمرار الوضع الحالي مع مزيد من التوسع الاستيطاني والضغط على الفلسطينيين، دون إعلان ضم رسمي شامل، وهذا يعني استمرار تغيير الواقع تدريجيًا، بحيث يصبح التراجع عنه أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

الثاني هو الانتقال إلى ضم رسمي أو خطوات قانونية وإدارية أكثر وضوحًا لفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة، وهو سيناريو يحمل مخاطر سياسية وأمنية ودولية كبيرة.

أما الثالث فهو حدوث ضغط دولي أكثر جدية يوقف التوسع الاستيطاني ويدفع باتجاه إعادة فتح الطريق أمام حل سياسي قائم على دولة فلسطينية قابلة للحياة، لكن المشكلة أن الفارق بين هذه السيناريوهات لا تحدده التصريحات السياسية وحدها.

الوقت نفسه أصبح عاملًا في المعادلة.

فكل منزل استيطاني جديد، وكل طريق جديد، وكل بؤرة جديدة، وكل عائلة فلسطينية تغادر أرضها، يمكن أن يغير شروط أي تسوية مستقبلية.

العالم بدأ يغيّر لهجته.. لكن هل يغيّر الواقع؟

في المقابل، بدأ الموقف الدولي تجاه الاستيطان يتخذ أشكالًا أكثر صرامة.

ففي أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت بريطانيا إجراءات تجارية تستهدف مستوطنات إسرائيلية في الضفة، بالتزامن مع إجراءات من دول أخرى، بينها فرنسا وكندا، في خطوة تعكس انتقال بعض الدول من الاكتفاء بإدانة الاستيطان إلى محاولة فرض تكلفة اقتصادية وسياسية عليه.

كما تصاعد الضغط الأمريكي على الحكومة الإسرائيلية بسبب عنف المستوطنين، ووصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل ما يقوم به المستوطنون العنيفون بأنه إرهاب، بينما طلب بنيامين نتنياهو، وفق مصادر نقلتها رويترز، إزالة نحو 100 بؤرة استيطانية غير مرخصة إسرائيليًا، في وقت أكد فيه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش معارضته لهذه الخطوة.

لكن السؤال يبقى: هل تكفي هذه الإجراءات لوقف الاتجاه العام؟

حتى الآن، لا يبدو أن الضغط الدولي نجح في عكس المسار الميداني بالكامل.

وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط المستقبل: أن يصبح الفرق بين ما يقوله العالم عن الضفة وما يحدث فيها على الأرض أكبر من أي وقت مضى.

ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟

مستقبل الضفة لن يتحدد فقط في مكاتب الحكومات أو قاعات الأمم المتحدة، سيتحدد أيضًا في قرية صغيرة، وفي أرض زراعية، وعلى قمة تل، وفي تجمع بدوي، وعند الطريق الذي يصل قرية بأخرى.

فكلما فقد الفلسطيني قدرته على الوصول إلى أرضه، وكلما خرج تجمع كامل من مكانه، وكلما توسعت بؤرة استيطانية، تصبح الخريطة المستقبلية مختلفة قليلًا، وبعد سنوات، قد لا يكون السؤال كيف بدأت العملية.

قد يصبح السؤال: كيف يمكن إعادة رسم الخريطة إلى الوراء؟

وهنا تحديدًا تكمن المعركة الحقيقية على مستقبل الضفة الغربية.

فالمشروع الاستيطاني لا ينافس الفلسطينيين على الأبنية فقط؛ إنه ينافسهم على المساحة، والاتصال، والموارد، والحركة، والزمن.

والفلسطيني الذي يبقى في أرضه اليوم لا يحافظ فقط على منزله أو مزرعته، بل يحافظ على إمكانية أن تكون هذه الأرض جزءًا من جغرافيا فلسطينية متصلة في المستقبل.

أما إذا استمر تفريغ المناطق المفتوحة، وتوسعت المستوطنات والبؤر، وتقطعت المساحات الفلسطينية إلى جيوب، فقد يأتي وقت تصبح فيه إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أصعب بكثير من مجرد قرار سياسي.

لهذا، فإن مستقبل الضفة الغربية لا يُكتب غدًا على طاولة المفاوضات فقط؛ إنه يُكتب اليوم، مترًا مترًا، فوق الأرض.

أقرأ ايضا