
2026-09-11 08:03
لم تكن خيام عرب المليحات في المعرجات، شمال غرب أريحا، مجرد مساكن متناثرة في منطقة نائية من الضفة الغربية؛ لعقود، عاش هنا تجمع بدوي فلسطيني يعتمد على الرعي، ويتحرك بين المراعي ومصادر المياه، ويحافظ على وجود بشري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الأغوار.
لكن ذلك الوجود انتهى عمليًا في صيف 2025، عندما بدأت عشرات العائلات تفكك مساكنها وترحل تحت وطأة اعتداءات المستوطنين والتهديدات المتواصلة؛ وبخروج السكان، لم يتغير مكان سكن عشرات العائلات فقط، بل تبدلت صورة جزء من الأرض التي كانت مأهولة بالحضور الفلسطيني.
يقع عرب المليحات في منطقة المعرجات شمال غرب أريحا، وهي منطقة رعوية مفتوحة تربط بين مناطق من وسط الضفة والأغوار.
وعاش سكان التجمع في المكان لعقود، فيما اعتمدت حياتهم بصورة أساسية على تربية المواشي والرعي؛ لكن السنوات الأخيرة حملت تصعيدًا متواصلًا من المستوطنين، ترافق مع إقامة بؤر استيطانية رعوية بالقرب من التجمع والاعتداء على السكان وممتلكاتهم.
وفي تموز/يوليو 2025، بدأت العائلات بتفكيك مساكنها ونقل ممتلكاتها ومواشيها؛ ووفق تقارير فلسطينية، وصل عدد العائلات التي اضطرت إلى الرحيل إلى عشرات العائلات، فيما قدرت مصادر عدد سكان التجمع بنحو 500 شخص.
لم يكن الرحيل قرارًا عاديًا بالبحث عن مكان آخر للسكن؛ السكان تركوا وراءهم مساكنهم وحظائر المواشي والأرض التي ارتبط مصدر رزقهم بها، وانتقل قسم منهم إلى مناطق أخرى تفتقر إلى المقومات التي كانوا يعتمدون عليها في حياتهم اليومية.
قصة المليحات تكشف نمطًا متكررًا في التجمعات البدوية الفلسطينية.
لا يبدأ الأمر بالضرورة بقرار إخلاء رسمي؛ في حالة المليحات، تحدث السكان عن سنوات من المضايقات والاعتداءات، قبل أن تصعد الضغوط مع اقتراب البؤر الاستيطانية من مساكنهم.
وفي الأيام التي سبقت الرحيل، مستوطنين مسلحين أقاموا بؤرة استيطانية بالقرب من التجمع، فيما تعرض السكان لضغوط واعتداءات دفعت بعض العائلات إلى تفكيك خيامها ومغادرة المكان.
وتوثق منظمة "بتسيلم" أن إقامة البؤرة بالقرب من منازل التجمع والاستيلاء على أحد المنازل كانت بمثابة اللحظة التي دفعت السكان إلى الرحيل، بعد سنوات من المضايقات والتهديدات والاعتداءات وهدم المنازل ومصادرة الممتلكات؛ كما أشارت إلى أن المستوطنين اقتحموا مدرسة التجمع وخربوا وسرقوا معدات منها خلال عملية الرحيل.
وهكذا، لا يبدو التهجير كحدث منفصل، بل كنهاية لمسار طويل من الضغط يجعل البقاء في المكان أكثر صعوبة يومًا بعد يوم.
قد يبدو تجمع يضم عشرات العائلات صغيرًا إذا قيس بالمدن والقرى الفلسطينية الكبرى؛ لكن قيمة المليحات لا تقاس بعدد سكانه فقط.
فالتجمع يقع في منطقة مفتوحة وواسعة، ويشكل جزءًا من النسيج الفلسطيني في المعرجات والأغوار؛ ووجود السكان في هذه المناطق يعني استمرار استخدام الأرض للرعي والحياة اليومية، والحفاظ على حضور فلسطيني في مساحة تتعرض لضغوط استيطانية متزايدة.
ولهذا، فإن إخلاء تجمع كامل يترك أثرًا يتجاوز حدود الخيام التي جرى تفكيكها.
عندما يغادر السكان، تختفي معهم المدارس والحظائر ومسارات الرعي والمساكن والحركة اليومية التي كانت تثبت وجود مجتمع فلسطيني في المكان.
تختلف البؤر الاستيطانية الرعوية عن الصورة التقليدية للمستوطنة التي تبدأ بمبانٍ سكنية وشوارع ووحدات استيطانية.
في مناطق الرعي، يمكن أن تبدأ السيطرة من نقطة صغيرة: خيمة أو حظيرة أو بؤرة على قمة تلة، ثم تتوسع تدريجيًا مع استخدام المراعي ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى مساحات كانت مفتوحة أمامهم.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن هذا النمط من الاستيطان يعتمد بصورة كبيرة على السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي من خلال الرعي، بما يؤدي إلى تقليص المساحات المتاحة أمام التجمعات الفلسطينية ودفع سكانها تدريجيًا نحو الرحيل.
وهنا تكمن أهمية المليحات؛ فالمعركة لم تكن على مساحة الخيمة التي يعيش فيها السكان، بل على المساحات المحيطة بها؛ على الأرض التي تحتاج إليها المواشي، وعلى الطرق التي يسلكها السكان، وعلى مصادر المياه، وعلى قدرة العائلات على الاستمرار في نمط حياتها.
في تموز/يوليو 2025، وبعد مغادرة السكان، لم يعد المشهد كما كان؛ خيام تُفكك، حظائر تُنقل، مواشٍ تحمل على الشاحنات، وأسر تبحث عن مكان آخر تستطيع فيه إعادة بناء حياتها.
وبحسب "بتسيلم"، فإن سكان المعرجات الشرقية، أو عرب المليحات، لم يغادروا بسبب رغبة في الانتقال، وإنما بعد سنوات من الضغوط التي جعلت البقاء في المكان بالغ الصعوبة؛ وتشير المنظمة إلى أن المستوطنين فككوا لاحقًا البؤرة التي أقاموها بالقرب من التجمع وغادروا أيضًا.
لكن مغادرة المستوطنين لا تعني أن التجمع عاد إلى ما كان عليه؛ فالسكان أنفسهم كانوا قد رحلوا، وفقدوا مساكنهم ومصادر رزقهم ومجتمعهم المحلي.
بعد التهجير، انتقلت بعض العائلات إلى مناطق أخرى، بينها منطقة جبل البلقا، على بعد نحو خمسة كيلومترات من التجمع الأصلي.
لكن المكان الجديد لم يكن بديلًا حقيقيًا بالنسبة للسكان؛ إذ تحدثوا عن غياب المياه والمراعي ومقومات تربية المواشي، وهي العناصر التي يقوم عليها اقتصادهم ونمط حياتهم.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات قسوة في قصة المليحات، قد يبدو على الخريطة أن العائلات لم تذهب بعيدًا، وأن المسافة بين المكان القديم والجديد بضعة كيلومترات فقط.
لكن بالنسبة لعائلة بدوية، خمسة كيلومترات يمكن أن تعني فقدان المرعى، والماء، والحظائر، والمدرسة، وشبكة العلاقات، ومصدر الدخل؛ فالمكان ليس مجرد إحداثيات، المكان هو الحياة نفسها.
ما جرى في عرب المليحات يأتي ضمن سياق أوسع تشهده التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية.
فوفق منظمة "هيومن رايتس ووتش"، أدى عنف المستوطنين بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 ونهاية 2025 إلى نزوح كلي أو جزئي لتجمعات سكانية في الأغوار الشمالية، بينما تعرضت المعرجات الشرقية لتهجير سكانها بعد سنوات من الاعتداءات والمضايقات.
وفي عام 2026 استمرت الاعتداءات على تجمعات بدوية أخرى، بينها تجمعات تحمل اسم المليحات في مناطق مختلفة من الضفة، ما يعكس اتساع نطاق الضغط على التجمعات الرعوية الفلسطينية.
لكن تجربة عرب المليحات تبقى مختلفة في نتيجتها؛ لأنها لم تقتصر على الاعتداء أو التهديد، بل انتهت إلى إخلاء تجمع كامل من سكانه.
الخسارة لا تبدأ وتنتهي عند عدد العائلات التي غادرت، هناك الأرض التي لم يعد أصحابها قادرين على الوصول إليها بالطريقة نفسها، والمراعي التي فقدت وظيفتها، والمدرسة التي تعرضت للتخريب، والحظائر التي جرى تفكيكها، ومجتمع كامل تفرق بين مناطق مختلفة.
والأهم هو فقدان الاستمرارية.
وجود تجمع فلسطيني في منطقة نائية يعني أن هناك عائلات تستخدم الأرض وتتحرك فيها وتعرف طرقها ومصادر مياهها ومراعيها؛ أما عندما يرحل الجميع، فإن المكان يفقد هذا الوجود اليومي، وهنا تتحول عملية تهجير صغيرة على مستوى الأرقام إلى تغيير أكبر على مستوى الجغرافيا.
الصراع على الأرض في الضفة الغربية لا يجري فقط حول المدن الكبيرة، أحيانًا تكون التلة البعيدة، أو الوادي، أو تجمع الخيام الصغير، جزءًا من معادلة أكبر.
في الأغوار والمرجات والمناطق المفتوحة، تتقاطع الأرض مع الاستيطان والطرق والمراعي ومصادر المياه؛ ولذلك فإن تفريغ تجمع صغير من سكانه يمكن أن يسهل لاحقًا إعادة استخدام المنطقة من حوله بما يخدم مشاريع استيطانية أوسع، ومن هذه الزاوية، يصبح عرب المليحات مثالًا على أن الاستيطان لا يتم فقط عندما تُبنى عمارات جديدة.
لهذا فإن وصف التجمعات البدوية بأنها "حاجز أمام التمدد الاستيطاني" يحتاج إلى قراءة دقيقة، هم ليسوا حاجزًا عسكريًا، ولا يملكون أدوات تمنع المشاريع الاستيطانية بالقوة.
لكن وجودهم على الأرض يؤدي وظيفة مختلفة: يحافظ على الحضور الفلسطيني في مناطق استراتيجية ويمنع تحولها بسهولة إلى مساحات خالية من السكان الفلسطينيين.
فالخيمة البسيطة، وحظيرة الأغنام، وبئر المياه، ومدرسة الأطفال، كلها علامات على أن هناك مجتمعًا فلسطينيًا يعيش هنا، وحين تُنتزع هذه العلامات واحدة تلو الأخرى، لا تختفي مساكن فقط، بل يتغير وجه المكان.
في المليحات، لم تكن النهاية مجرد ليلة رحيل، كانت نتيجة سنوات من الضغط، غادر السكان المكان الذي عاشوا فيه، ونقلوا ما استطاعوا حمله من متاعهم ومواشيهم، بحثًا عن مساحة يستطيعون فيها مواصلة حياتهم.
لكن الأرض التي تركوها بقيت شاهدة على السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما يصبح البقاء في مكان ما مستحيلًا؟
بالنسبة للفلسطينيين، الإجابة تتجاوز قصة تجمع بدوي واحد؛ إنها تتعلق بمستقبل مناطق كاملة من الضفة الغربية، حيث لا يجري الصراع فقط على ما بُني فوق الأرض، وإنما على من سيبقى فوقها.
وعرب المليحات، الذين كانوا لسنوات جزءًا من المشهد الفلسطيني في المعرجات، يقدمون واحدة من أكثر الصور وضوحًا لهذه المعركة: مجتمع صغير خرج من المكان، لكن خروجه لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل تحولًا في خريطة الحضور الفلسطيني نفسها.
وفي أرض تتسع فيها البؤر الاستيطانية وتتقلص فيها المساحات المتاحة للرعي، قد تكون المعركة الحقيقية أحيانًا أبسط مما تبدو عليه في الخرائط: أن تبقى الخيمة في مكانها، وأن يبقى أهلها معها.
