2026-09-06 07:31
في المغير، شرق رام الله، لم يعد الخوف حالة مرتبطة بحدث عابرخ، بل صار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ طريقٌ قد يُغلق في وجه العامل صباحًا، ومزارعٌ لا يستطيع الوصول إلى أرضه، وطفلٌ يخرج إلى مدرسته وسط قلق عائلته، وعائلاتٌ تواجه مداهمات ليلية واعتداءات تطال المنازل والممتلكات.
هكذا يصف رئيس مجلس قروي المغير، أمين أبو عليا، واقع قريته، التي يقول إنها تحولت خلال السنوات الأخيرة، وبصورة أكثر حدة منذ السابع من أكتوبر، إلى ساحة مفتوحة للإغلاقات والمداهمات والاعتقالات والاعتداء على الأرض والسكان.
ويضع أبو عليا المغير في سياق أوسع، معتبرًا أنها أصبحت أشبه بـ "خارطة للضفة الغربية"، إذ يقول إن ما تشهده مناطق الضفة من اعتقالات ومداهمات وإغلاقات واعتداءات حاضر في قريته بصورة مكثفة.
لكن ما يجري في المغير يمكن قراءته أولًا من خلال الأرض؛ فهناك تتضح المسافة التي تفصل بين القرية كما كانت، والقرية كما يعيشها سكانها اليوم.
بحسب أبو عليا، تبلغ مساحة أراضي المغير نحو 43 ألف دونم، فيما لم يعد السكان قادرين على الوصول واستخدام سوى نحو 900 دونم، وهي المساحة السكنية، وفق وصفه.
وبين المساحتين، تقع أراضٍ زراعية يقول رئيس المجلس إن الوصول إليها أصبح مقيدًا، فيما تحيط بالقرية البؤر الاستيطانية، وتُغلق مداخلها أو تُفرض عليها قيود متكررة.
ويقول أبو عليا لِـ " البعد الرابع" : " إن المغير باتت محاصرة من محيطها، وإن إجراءات الإغلاق تهدف، وفق تقديره، إلى فصل القرية وعزلها عن محيطها الفلسطيني، ما يجعل الدخول إليها والخروج منها، خصوصًا في ساعات الليل، رحلة محفوفة بالمخاطر".
ولا تتعلق المسألة بالنسبة لسكان المغير بالمساحة الجغرافية وحدها؛ فكل دونم خارج متناولهم يعني أرضًا لا يستطيع المزارع الوصول إليها، ومصدر رزق يتعطل، ومساحة إضافية تضيق فيها قدرة العائلة على ممارسة حياتها الطبيعية.
منذ السابع من أكتوبر، يقول أبو عليا إن أكثر من 25 ألف شجرة زيتون معمرة اقتُلعت أو جُرّفت في أراضي المغير.
والرقم هنا لا يعني خسارة زراعية فقط؛ ففي قرية ريفية يعتمد جزء من سكانها على الأرض والعمل، تمثل شجرة الزيتون مصدر دخل، وامتدادًا لذاكرة العائلة، وعلاقة متوارثة بالمكان.
ومع تراجع القدرة على الوصول إلى الأراضي، لا يخسر المزارع محصوله فحسب؛ بل يخسر إمكانية الاستمرار في الزراعة أصلًا.
ويقول أبو عليا إن هذه الإجراءات تترافق مع اعتداءات وإغلاقات ومداهمات تجعل الأرض أقل وصولًا، والعمل فيها أكثر خطورة، والحياة الزراعية التي اعتاد عليها الأهالي أكثر صعوبة.
لكن تأثير ما يحدث لا يبقى في أطراف القرية أو داخل الحقول. بحسب رئيس المجلس، يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
فالأطفال والطلاب يعيشون، وفق روايته، حالة من القلق بسبب صعوبة الحركة، بينما يواجه العمال والموظفون مشكلة أخرى؛ إذ يقول إن بعض أصحاب العمل خارج المغير يرفضون تشغيل عمال يحملون هوية القرية، في حين يتعذر على آخرين الوصول إلى أماكن عملهم بسبب الإغلاقات والحواجز.
ويشير أبو عليا إلى أن الإغلاقات تتزامن أحيانًا مع ساعات توجه العمال والموظفين إلى أعمالهم، ثم تعود في ساعات العودة، وقد تمتد من الرابعة عصرًا حتى ساعات متأخرة من الليل.
أما في ساعات الليل، فيتحدث عن مداهمات للمنازل وإلقاء قنابل صوتية وغازية واعتداءات على السكان والممتلكات والمركبات.
بهذا الشكل، يتحول الإغلاق من إجراء على الطريق إلى ضغط يطال العمل والتعليم والأمن والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في وقت واحد.
ومع صعوبة الحركة، يقول أبو عليا إن الحياة الاقتصادية في المغير تضررت بصورة واضحة.
فقد تراجعت الحركة التجارية، وانتقلت بعض الشركات والمحلات والأعمال إلى خارج القرية، بينما انخفض وصول الزوار والمتسوقين إليها.
وتأثرت بذلك المنتجات الموسمية التي كانت تجد طريقها إلى الأسواق، كما أصبح استمرار بعض المهن والأعمال أكثر صعوبة.
وهكذا، لا يعود الحصار متعلقًا بقدرة السكان على مغادرة القرية أو العودة إليها فقط، بل يمتد إلى قدرتهم على العمل والإنتاج والبيع والشراء، أي إلى الدورة الطبيعية للحياة داخل القرية.
على المستوى الإنساني، يقول أبو عليا إن المغير سجلت منذ السابع من أكتوبر أكثر من 340 إصابة بالرصاص الحي، وتسعة شهداء، إلى جانب إصابات أدت، وفق حديثه، إلى إعاقات دائمة لدى عدد من السكان.
كما يتحدث عن أكثر من 400 حالة اعتقال، مشيرًا إلى أن نحو 70 معتقلًا لا يزالون قيد الاعتقال.
ولا تتوقف الخسائر عند الأشخاص، إذ يقول إن أكثر من 35 منزلًا أُحرق، إلى جانب إحراق 15 مركبة وتضرر عشرات المركبات الأخرى.
لكن الأرقام، مهما بدت كبيرة، لا تختصر وحدها حجم الخسارة؛ فخلف كل إصابة عائلة، وخلف كل معتقل منزل ينتظر عودة أحد أبنائه، وخلف كل منزل متضرر عائلة فقدت جزءًا من شعورها بالأمان.
ولهذا، يقول أبو عليا إن التحدي الأكبر أمام المجلس والأهالي لم يعد فقط التعامل مع حادثة هنا أو إغلاق هناك، بل الحفاظ على قدرة الناس على الاستمرار في حياتهم داخل قريتهم.
يرى أبو عليا أن ما يجري في المغير لا يمكن فصله عن واقع أوسع في الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن الاعتداءات على القرية وأراضيها تعود إلى سنوات طويلة، وأن ما بعد السابع من أكتوبر أتاح، وفق تقديره، تصعيدًا في إجراءات الضغط والسيطرة على الأراضي.
ويعتبر أن موقع المغير الجغرافي ومساحتها الواسعة وطبيعة أراضيها جعلتها في مواجهة مستمرة مع مشاريع الاستيطان والاعتداءات.
لكن التوصيف الأبرز الذي يقدمه أبو عليا لما يجري هو "خلق بيئة طاردة".
وبحسب روايته، فإن تتابع الإغلاقات والاعتداءات والمداهمات والقيود على العمل والوصول إلى الأرض يهدف في النهاية إلى دفع السكان إلى الاعتقاد بأن البقاء أصبح مستحيلًا، وأن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم بات مهددًا.
ويقول إن الرسالة التي تصل إلى الأهالي هي: "لا مستقبل لك ولا لأبنائك، وعليك الخروج قبل فوات الأوان".
ورغم ذلك، لا ينهي أبو عليا حديثه عند الخوف، بل عند الصمود.
ففي قرية كانت تمتد أراضيها، بحسب روايته، على نحو 43 ألف دونم، وأصبح سكانها محاصرين في نحو 900 دونم فقط، وفي وقت اقتُلعت فيه آلاف أشجار الزيتون وسُجلت مئات الإصابات والاعتقالات، ما يزال الأهالي متمسكين بالبقاء.
بالنسبة لهم، الصمود ليس كلمة كبيرة تُقال في البيانات؛ هو أن يفتح التاجر محله، وأن يصل العامل إلى عمله، وأن يعود المزارع إلى أرضه، وأن يذهب الطالب إلى مدرسته، وأن تبقى العائلة في منزلها.
وفي المغير، تبدو المعركة في جوهرها أبسط من كل الأرقام وأكثر قسوة منها:
أن يبقى أهل القرية في قريتهم، وأن تظل الأرض التي ضاقت عليهم واسعةً في ذاكرتهم وحقهم وحياتهم.
