ثقافة و فن

حسن عبد الله لـ "4D Pal": اعتدت التنقل بين الفأس والقلم نكشًا وكتابةً

Case

2026-04-19 07:06

Copy Link

رام الله - خاص 4D Pal 

(الحلقة الثالثة والأخيرة)

في الحلقة الثالثة نواصل الإبحار مع الأديب حسن عبد الله في تجربته الغنية متعددة الأبعاد، حيث نجول بين الخاص والعام، بغية إعطاء هذه التجربة ما تستحق من اهتمام في إطار سعينا للتعريف بأدبنا الفلسطيني وأدبائنا الذين كان لهم بصمات واضحة في التجربة الأدبية والإبداعية:

س: في كتابك "البستان يكتب بالندى" الذي هو شذرات من مذكرات ظهر بشكل جلي حبك للطبيعة، الأشجار والزهور والنباتات، حتى كدنا نشم عبق الطبيعة من صفحات الكتاب. ماذا تقول عن هذه التجربة الإبداعية؟

- أولا الكتاب هو خلاصة تجربة عمل وعطاء بدأت منذ سنوات وما زالت مستمرة في بستاني بأشجاره وثماره وأزهاره وبين ورقتي التي أدوّن عليها أفكاري تمهيدا للبدء في عملية كتابية إما إبداعية أو بحثية. وأنا أعتني بأشجاري نكشاً وتعشيبًا وسقاية تجول بي الأفكار وينطلق الخيال بين الحاضر والماضي محاولًا استشراف المستقبل، وكلما ترسمت في ذهني فكرة تعجبني أضع الفأس جانبا وأسارع إلى ورقتي لتدوينها، لذلك فأنا أتنقل بسلاسة بين الفأس والقلم، فنكش الأرض وإزالة العشب بالفأس تشبه إلى حد كبير الكتابة على الورقة. كلا العمليتين فيهما عطاء وفعل وإنتاج وحب للقلم والورقة والأرض والحبر والعرق والزهور والصور القلمية التي ينتجها الخيال ويجسدها القلم.

في البستان أتوحد مع الطبيعة نصبح جسمًا واحدًا، روحًا واحدة، ومع القلم تدب الحياة في شرايين نصوصي فأتوازن معها بعد أن أتغلب على التوتر والاضطراب وأعود إلى نفسي أتوازن من جديد إلى أن يعود إليّ التوتر والاضطراب مرة أخرى مع عملية كتابة جديدة، وهكذا يستمر الوضع بين توتر وتوازن".

لا يعجبني مبدع مهما بلغت نتاجاته من إتقان إذا لم يجرب الإمساك بالفأس وتحريكها في التراب لتنقل إلى إليه الأرض طاقة تمده بالقوة والاستمرارية".

أنتجت كتاب "البستان يكتب بالندى"، وقد ولدت نصوصه جميعها في البستان، حلقت من البستان في الطفولة والشباب ومرحلة النضج بما فيها من إعلام وأدب وبحث وعمل نقابي وسنوات النشاط السياسي، وتبعيات ذلك في الانتفاضة الأولى وما قبلها في بداية الثمانينيات من سجن ومعاناة.

اليوم وأنا أضع كل خبراتي وطاقاتي في الثقافة والأدب، مغلبًا الثقافة على السياسة منتصرًا للثقافة، لأن الثقافة إستراتيجية، والسياسة تكتيكية تخدم أهدافًا آنية تخضع لمصالح ومساومات وامتيازات ومكاسب حيث لا يمر كل ذلك دون مؤامرات وعصبويات، فالسياسة في "العالم الثالث" كما "الأحزاب" لم تتخلص من العشائرية والتجاذبات؛ بل إن العشائرية هي بيئتها ومناخها، بينما الثقافة هي تكثيف لخلاصة معارف وتلاقح أفكار وانفتاح نقدي على آخر ما يتوصل إليه الفكر الإنساني.

س: "رام الله تصطاد الغيم" عنوان كتاب آخر صدر لك قبل عشر سنوات فهل حقا رام الله قادرة على اصطياد الغيم؟

- لا أحد بمقدوره اصطياد الغيم، العنوان يشير إلى أن هذه المدينة حاولت اصطياد الغيم، عندما كبرت بسرعة، تضخمت، تخلت عن هدوئها، غابت عنها بناياتها الأرضية الكرميدية الجميلة، ليحل محلها عمارات تشبه العلب الإسمنتية.

كانت رام الله في طفولتنا المدينة الأجمل بين المدن، والمدينة الأهدأ والأكثر وداعة، وفي رمشة عين أصبحت كما العواصم سريعة، تجري في كل الاتجاهات، صرنا نبحث عن رام الله القديمة، عن غابة أشجارها، عن شوارعها الأليفة، عن ناسها الذين يعرفون بعضهم بعضا، نبحث عن بقالاتها القديمة، دور السينما (سينما الجميل وسينما الوليد وسينما دنيا)، نبحث عن متنزهاتها ونواديها ومقاهيها المشرعة الأبواب على صيف رام الله المنعش، فنصطدم بعلب إسمنتية لا حصر لها.

وحقيقة أنا أحب رام الله في كل حالاتها، لكني أحب رام الله القديمة الوادعة أكثر، وأتعجب من بعضهم عندما يريدون انتقاد جماعة سياسية يصبون جام غضبهم على رام الله، وأنا أتساءل ما ذنب رام الله التاريخ والجغرافيا والعبق ونسائم الصيف، لماذا نظلم مدننا ونربطها بجماعات وتصفية حسابات.

رام الله مدينة تحب من يأتي إليها، لا تغلق أبوابها، لكنها لا تخفي في المقابل دلالها، أو ركضها المحموم لاصطياد الغيم، طموحها كبير، أكبر من إمكانياتها، لذلك سوف لا تستطيع اصطياد الغيم، لكن حبذا لو تهدأ رام الله، وتعرف حجمها جيدًا وتريح نفسها من الركض المحموم وتمسك بأيدي أبنائها وتهدهد عليهم في مرحلة يحتاج كل مواطن على أرضنا من يهدهد عليه، فالأزمات تطحننا طحنا.. عذرًا رام الله نحن ننتقدك، لكننا نحبك كثيرا.

س: وبالتوقف مع رام الله مرة أخرى التي كانت موضوع كتابك "دمعة ووردة على خد رام الله" لماذا جمعت بين المتناقضات في العنوان، الدمعة والوردة؟

- لا بد في البداية من الإشارة إلى كيف ولد هذا الكتاب وما هي ظروف ولادته.

اعتدت لسنوات أن التقي يوميا في الأمسيات مع صديقي الكاتب والمؤرخ جهاد صالح الذي رحل عن هذه الدنيا قبل ثلاث سنوات. كنا نجلس ساعة أو ساعتين في أحد المقاهي في مركز رام الله، نتبادل أحاديثنا مع فنجاني قهوة، ثم ننطلق في جولة سير على الأقدام مسائية من "دوار الساعة" مرورًا بشوارع معينة ثم نعود إلى نقطة البداية، وحينما ننهي جولتنا يعود كل واحد منا إلى بيته. لكن الجميل في هذه الجولات تلك الأحاديث والقصص التي كنا نتبادلها، هو عاش معظم سنوات عمره في الخارج وتنقل في عدد من الساحات، وأنا عشت في الوطن وملم بتفاصيله ومحطاته ومكوناته.. في جولاتنا استعراض يومي لمواضيع ثقافية وسياسية واجتماعية ونوادر وقفشات. كنت أحاول أن أصف له رام الله في الماضي والمتغيرات التي طرأت عليها. خزنت كل هذه الأحاديث ولم تخرج من ذهني سوى في فترة العزل في البيوت، عندما اجتاح فيروس كورونا العالم وشكل خطرًا حقيقيًا على البشرية. في العزل غَرَفَ قلمي من "جُرن" الذاكرة الحوارات المسائية مع جهاد، بينما كنت أتطلع بشوق إلى انتهاء فترة العزل لنعود هو وأنا إلى جولاتنا المسائية الصيفية التي كان نسيم رام الله يضفي عليها حيوية خاصة.

في الكتاب مجموعة من النصوص الأدبية المفتوحة المضمخة بعبق رام الله، وفي النصوص مسحات حزينة على رام الله القابعة في العزل، حيث تخلو الشوارع من المارة وتعاني الأسواق من حالة خواء موحشة. في كورونا كانت رام الله حزينة أسوة بمدن العالم من هنا جاءَت الدمعة، وفي النصوص تطل رام الله الجميلة الحالمة فكانت الوردة، لتتراوح النصوص بين الدمعة والوردة، إلا أن الوردة هي صاحبة الحصة الأكبر مقارنة بالدمعة، وهذا أمر طبيعي فأنا كاتب أميل للتفاؤل حتى في أشد الظروف حلكة. الكتاب صدر في العام 2020 وقد تبنت الكلية العصرية الجامعية إصداره بشكل أنيق.

س- من المدن التي وردت كثيراً في كتاباتك مدينة بيت لحم فما هي علاقتك بهذه المدينة؟

-علاقة خاصة جداً، ففي بيت لحم حين التحقت بالدراسة الجامعية تفتحت عيناي على الأدب والثقافة والسياسة والفكر، فيها كانت بواكيري الأدبية، وكانت بدايات أنشطتي الثقافية.. في بيت لحم أصدقاء مرحلة الشباب الأولى الذين تربطني علاقة قوية بعدد كبير منهم حتى الآن.

في بيت لحم قرأت وكتبت وحلمت، وفي بيت لحم دخلت بيوت أصدقائي الطلبة وتعرفت إلى آبائهم وأمهاتهم وتم التعامل معي كابن.. وعندما أقول بيت لحم أقصد أيضاً بيت جالا وبيت ساحور.. بيت جالا المدينة الجميلة المطلة على القدس، المحروسة بأشجار الزيتون، ومعروف أن زيت بيت جالا الزيت الأكثر جودة في بلادنا.. سكنت عاماً واحداً في بيت جالا ولي فيها ذكريات جميلة.

أما بيت ساحور فهي بلد الأصدقاء والعلاقات الدافئة والبيوت والقلوب المفتوحة.. يمتاز أهل بيت ساحور بالبساطة بيد أنها البساطة التي يكمن فيها عمق وذكاء اجتماعي. خَرجت هذه المدينة الوديعة الأدباء والمثقفين والأكاديميين والحرفيين المهرة في فن التحف المصنوعة والمشكلة من خشب الزيتون.

في كتابي " البستان يكتب بالندى" خصصت فصلاً كاملاً لبيت لحم بعنوان" بيت لحم تشرب من ينابيع السماء" وعن ذكرياتي في زيارتي الأولى للمدينة وعن دهشتي من عراقة بيت لحم ذكرت من بين ما ذكرت"….. سحبتني الحواري والأزقة القديمة من حاضري وحملتني إلى زمان مختلف حفر مئات سنينه في المكان المتشكل من حجارة البيوت العتيقة المصبوغة بلون القدم، والشوارع والأزقة الضيقة المسقوفة وغير المسقوفة، والكنائس التي تحوطتني من كل الاتجاهات تحرسها الكنيسة الأم " المهد"، والجوامع التي أخذت مواقعها في المكان والزمان يتقدمها " جامع عمر" الذي يقابل " المهد" بمحبة وتكامل وتعايش سلس مريح…".

وعن بيت لحم قلت أيضاً:

" سرت أكتشف المكان ومن حولي الأديرة الرابضة في حضن التاريخ والدكاكين المتلاصقة بتصالح تام مع الماضي والحاضر. إنه عبق معجون بحضارة عريقة، تشتت نسبياً إحساسك بالحاضر، وتدعوك إلى السير في مراحل تاريخية، ما انفكت تتلبس الزمن المعاش بمعالمها وحركتها البطيئة الهادئة…..".

 س: أصدرت عددًا من المجموعات القصصية التي تميزت فيها بأسلوبك الرشيق الخاص بك لاسيما مجموعة "عروسان في الثلج" فلماذا لم تواصل مسيرة الإنتاج القصصي؟

- "عروسان في الثلج" هي المجموعة القصصية الرابعة من حيث التسلسل في الإصدار، ولم أتوقف عندها فقد صدرت لي مجموعات قصصية بعدها مثل "من مذكرات زيتونة"، و"رام الله تصطاد الغيم"، و"إعلاميون في مهمة""، إضافة إلى نصوص أدبية مفتوحة "دمعة ووردة على خد رام الله" الكتاب الذي تطرقنا في السؤال السابق.

ما زلت أكتب أدبًا، ففي الأدب أجد متعتي، بيد أنني أواصل الإنتاج في مشروعي الثقافي البحثي، حيث وسعت هذا المشروع ليصبح أوسع من الاهتمام فقط بالشأن الفلسطيني، وأنجزت أبحاثًا صدرت في كتب تناولت قضايا ثقافية وإبداعية عربية بشكل عام، كما بينت في الحلقتين السابقتين من هذا الحوار.

س: ما الذي حققته في مشروعك الأدبي وما الذي لم تحققه؟

- لقد حققت بتواضع شديد ما يشعرني بنوع من الراحة، لكنها ليست الراحة الكلية، لأن لدي ما يجب أن استكمله وهذا يقلقني، فالأديب أو الباحث إذا شعر بالرضى التام عن نفسه وعن جهده، سوف يتوقف قلمه ويصمت. الصحيح أن يشجعك ما أنتجته على إنتاج مزيد من الإصدارات التي تسهم في إغناء المشهد الثقافي والإبداعي في بلادنا، وأقصد إصدارات نوعية وليست كمية.

أنا دائما أجد في كلمات الشاعر التركي التقدمي ناظم حكمت أجمل شعار "أجمل الأيام تلك التي لم نعشها بعد"، حتى لو كانت المرحلة موشحة بالسواد، لذلك أجد أن أفضل إصداراتي وأنضجها هي التي لم أصدرها بعد، هذا ما يعطيني أملا وحافزا على الاستمرار.

س: سؤالنا الأخير ضمن ثلاثية حلقاتنا التي خصصناها لتجربتك تعرضت قبل بضعة أشهر إلى وعكة صحية سببت قلقاً لأصدقائك ومحبيك ماذا عن وضعك الصحي بعد هذه الوعكة؟

- بالفعل تعرضت لطارئ صحي كان فيه بعض الخطورة، خضعت لعملية جراحية في المشفى الاستشاري في رام الله، وقد تكللت العملية بالنجاح، مكثت أسبوعين في المشفى ومثلهما في البيت، وعدت لممارسة حياتي العادية ونشاطي المهني والثقافي.

كانت تجربة إنسانية توقفت عندها كثيرًا، وقد غمرني الأصدقاء والأقارب بتعاطفهم وتضامنهم، كان الطابق الذي كنت أتعالج فيه يغص بالزائرين وصولًا إلى طوابق أخرى، واستمر ذلك طيلة فترة مكوثي في المشفى، وهذا تكرر في البيت بعد عودتي. إن السيل المتدفق من المحبين أكد لي أن الناس يقدرون القلم الموضوعي الذي لا ينجرف إلى مهاترات ومناكفات.

أنا رجل لا وقت لدي سوى لكتابة الإنجاز، لا أراقب زملائي ولا أتحسس مما ينجزون بل على العكس تماما، فإن كل إنجاز جيد لأي من الزملاء يشعرني بحق أنه إنجازي الشخصي. فمن تشغله التناقضات مع الآخرين يعيش على الهامش وتتآكل طاقاته في اللاشيء.

المرض أكد لي أن نعمة الأصدقاء والأحبة لا تضاهيها نعمة أخرى.

 

أقرأ ايضا