
2026-04-13 11:28
(الحلقة الثانية)
رام الله – خاص 4D Pal
نواصل في هذه الحلقة تسليط الضوْء على جوانب أخرى في تجربة الكاتب والإعلامي الفلسطيني حسن عبدالله، استكمالاً لما بدأناه في الحلقة الأولى.
س: بحثت أيضاً في تجربة الأديب البحار حنا مينه، وأبحرت معه في دراسة خاصة فكيف كان بحر حنا مينه؟
- حنا مينه هو مدرسة روائية بحد ذاتها، هو روائي له عالمه الخاص، له مفرداته الروائية ورموزه ومواضيعه وأسلوبه المتفرد في المعالجة.
"مينه"، هو أديب البحر بامتياز، الذي أوجد بشكل حصري الرواية البحرية، خصوصاً وأن الأدب العربي ابتداءً من الشعر، كانت الصحراء بيئته، وكان حضور البحر فيه عاماً عابراً وليس تخصصياً كما فعل حنا مينه.
كتب "مينه" عن البحر في كل أشكاله وحالاته، كتب عنه في هدوئه وانبساطه ورومانسيته، وفي هيجانه وعواصفه.
حنا "مينه" هو الذي جعلنا نعيش تفاصيل حياة البحارة، قوتهم وقسوتهم ولهوهم. عشنا معه الميناء بناسه وتحدياته ومشاكله وصراعاته.
"مينة" قد كرس في أعماله الروائية ثقافة البحر بكل ما فيها من معلومات وأبعاد.
منذ بداياتي الأدبية أعجبت بأسلوبه الروائي، بجمله الشاعرية الجميلة المكثفة، وتأثرت بروحه الروائية، ووجدت في مشروعه الأدبي روائياً كبيراً قد أثرى المكتبة العربية بنتاجاته الإبداعية ومعالجاته الثقافية، لذلك قررت أن أبحث في هذه التجربة الروائية وأن أسلط الضوء على مقوماتها وسياقاتها وما نتج عنها، وأنجزت دراسة مطولة سترى النور قريباً في كتاب. لقد كانت تجربة بحثية مهمة بالنسبة إليّ، وأزعم أنني سأقدم كتاباً ينصف هذه التجربة الغنية، ويقدم جديداً للقراء حول تجربة روائية ثرية.
س: لكن ما الذي دفعك أيضا لتبحث في تجربتي عبد الحليم حافظ وعبد الرحمن الأبنودي وتتعمق في تجربتهما المشتركة في الأغنية الوطنية؟
- لقد لفتت انتباهي هذه التجربة الإبداعية المشتركة مبكراً وعاشت معي لسنوات إلى أن حان وقت تكريس جهد بحثي لها. عبد الحليم حافظ فنان موهوب عاش كل حياته القصيرة زمنياً وهو منشغل بتطوير الأغنية العربية، وكرس عمره لهذه الغاية، ليتحول إلى ظاهرة فنية لها لونها وبصماتها ولها ملايين المتحمسين لها.
وعندما غنى الأغنية الوطنية أحدث انقلاباً في الأسلوب والأسس، حيث غناها بأسلوبه السلس الجميل، وحفظها الناس ورددوها بتلقائية، والتعاون بينه وبين "الأبنودي" قدم لنا تجربة غنائية مبهرة مثل أغنية "عدى النهار" التي كتبها "الأبنودي" بعد النكسة في العام 1967 لتصبح الأغنية الاستنهاضية الأولى، فقد خرج هذان المبدعان بعد النكسة عن الصمت وقررا التعبير عن الجرح والتحليق مع الحلم، حتى لو كان الصوت حزيناً وغارقاً في الحزن إلا أنه قد حمل بشرى أمل.
أنا كاتب وباحث يستهويني إبراز الإيجابي يفي التجربة الفلسطينية، وفي التجربة العربية بشكل عام، صحيح أن النقد ضروري للتطوير، بيد أن تعميم الإيجابي من شأنه أن يعزز الثقة بالنفس، ويدعم توجهات الانطلاق من إيجابي إلى إيجابي آخر، على اعتبار أن التجربة ليست عاقراً بل ولاّدة حتى وإنْ كانت المرحلة التي نعيش تغص بالسلبيات.
س: ما الذي يشغلك بحثياً الآن؟
- محمود درويش، فأنا أبحث الآن في مشروعه الإبداعي منذ انطلاق تجربته وحتى تحليقه في عالم العالمية.
في رأيي إذا كان هناك شاعر كبير في التاريخ العربي البعيد هو المتنبي، بينما في عصرنا الحديث لم ترتق شاعرية أخرى إلى مستوى شاعرية محمود درويش، بما فيها من وطن وتراث وفلسفة وإنسانية وتجريب. لكن الفارق بين "درويش" و"المتنبي" أن "المتنبي" كان يبحث عن سلطة في عيني القصيدة، أما درويش فكان يبحث عن وطن في عيني القصيدة. درويش استقال من عضوية اللجنة التنفيذية منحازا للقصيدة، والمتنبي أغرق "كافور" مديحاً وتبجيلا وقلبه معلق بوزارة أو منصب رفيع.
"درويش" مشروع شعري إبداعي كبير وخصب ومتعدد الأبعاد، حمل صاحبه من المحلية إلى العالمية، وصار رمزاً ثقافياً وإبداعياً لشعب، وترجمت أشعاره إلى عديد لغات الدنيا، لذلك لا بأس من تقليب أوجه رمزيته العالمية في بحث منهجي أعكف عليه الآن.
س: تقديرك واخترامك لمحمود درويش بات معروفاً فقد عبرت عن ذلك في كتابيك "رام الله تصطاد الغيم"، و"دمعة ووردة على خد رام الله"، لكن فريق الأدباء في الوطن المستمر في عطائه على من يؤشر الأديب والإعلامي حسن عبد الله من الأدباء داخل الوطن؟
- أولا محمود شقير هو شيخ الكتاب والمبدعين الآن، وهو النموذج الأول في القدرة على العطاء، هو يكتب وينتج ويصدر باندفاع الشباب أطال الله في عمره ليظل يتحفنا ويمتعنا ويعلمنا أيضا.
وفي القصة القصيرة، فإن زياد خداش هو صوت متجدد مبهر، قادر على طرق مواضيع جديدة بأسلوبه المدهش. أما خالد جمعة فهو أديب حساس وذكي يختار مواضيعه بعناية ويمتاز بأسلوبه السلس الرقراق.
في النقد أنا معجب بالإنتاج النوعي للدكتور عادل أسطه الممتد من سبعينيات القرن الماضي، ناقد وأكاديمي مثقف واسع الاطلاع، لا يكل ولا يمل. إنه موسوعة أدبية ثقافية. وفي النقد أيضا من الطبيعي أن أتوقف باحترام عند تجربة الدكتور نبيه القاسم، النشطة منذ سبعينيات القرن الماضي، غزير الإنتاج طويل النفس وعميق المعالجة.
لفت انتباهي مؤخرا الجهد البحثي المطعم بالنقد الأكاديمي الذي يبذله د. مفيد عرقوب، في نتاجاته التي تناولت ظواهر ثقافية وتراثية ندرت الكتابة فيها وحولها.
وأرى أيضا ناقدا أصغر ممن ذكرت في العمر والمسيرة النقدية، هو تحسين يقين، لكنه يمتلك قدرات لافتة في النقد، حيث يمتاز بمنهجيته النقدية.
الدكتور سمير شحادة ناقد وشاعر كان له حضوره في الساحة الثقافية والإبداعية وما زال مستمراً في إنتاجه وعطائه، وكذلك إسهامات الدكتور روحي زيادة النقدية ذات الطابع الأكاديمي.
أما الدكتور قسطندي الشوملي، فإن لديه رؤيته النقدية المنبثقة من منهجيته الأكاديمية النقدية الصارمة، وهو قدم للمكتبة الفلسطينية والعربية نتاجات نوعية.
ولا أنسى في هذا الإطار صديقي الناقد إبراهيم جوهر بعينه النقدية الثاقبة وبإسهاماته الغنية المنوعة.
س: وماذا عن الشعر والرواية، على من تؤشر داخل الوطن من الشعراء والروائيين؟
- حينما يطلب مني أن أؤشر على شاعر أو روائي، فإنني تلقائياً أفكر في المشروع، أي من ينجز مشروعاً شعرياً أو روائياً ويسهر عليه منذ سنوات، أنا لا أقصد هنا شاعراً بديوان شعر واحد أو بمحاولة يتيمة، لذلك في الشعر لا بد وأن أذكر الشاعر المتوكل طه الذي يكرس حياته من أجل الارتقاء بقصيدته، وهو مستمر في تطوير مشروعه، إنه بنجز مشروعاً شعرياً يستحق الاحترام.
ولا يفوتني أن أذكر بالطبع غسان زقطان بقصيدته الرشيقه والعميقة معاً.
ولقد فقدت الحركة الأوروبية والثقافية مؤخراً شاعراً كبيراً ومهماً، صال وجال في قصيدته ومعها منذ سنوات طوال واقصد المرحوم عبد الناصر صالح.
ويحضر كمثال أيضا الشاعر سميح محسن، فهو شاعر مثقف حقا، وقصيدته قصيدة مثقفة بمعنى أنها عالية. وهناك شعراء أتوقف متأملاً قصادئهم لأنها تغريني على التأمل، والقصيدة التي تغريك لكي تتأملها، فإن ذلك يعني أنه يقف خلف هذه القصيدة شاعر مهم كقصائد د. إيهاب بسيسو ومراد السوداني وعبد السلام العطاري وناصر عطالله وسميح فرج الشاهر الذي له صوته الخاص ومذاقه المختلف عن أي شاعر فلسطيني آخر، وسامي مهنا وجمعة الرفاعي. فيما تواصل بنجاح حنان عواد مشروعها الشعري والثقافي الخصب والعميق، وريتا عودة كذلك لها مشروعها المدهش، أما في النصوص المفتوحة أرى في تجربة عيسى قراقع ما هو غزير وعميق ووطني وإنساني.
"قراقع" صاحب قلم متمرن وعميق يعرف تماما كيف يوظفه، وفي النصوص المفتوحة أجد نفسي معجبا أيضا بما ينتجه عبد السلام عابد وأسمى وزوز وإيمان زياد.
في الرواية كثيرة هي النتاجات الروائية في السنوات الأخيرة، لكن لا بد وأن أتوقف عند مشاريع كتابية لليانا بدر وأحمد رفيق عوض وصافي صافي ووليد الهودلي. إنها مشاريع روائية انطلقت منذ بضعة عقود وما زالت تشق طريقها بنجاح ودون كلل.
أما أسعد الأسعد فقد قدم كثيراً للمشهد الثقافي والإبداعي الفلسطيني في الشعر والرواية والإعلام الثقافي. "الأسعد" هو مؤسس ورئيس تحرير مجلة الكاتب، ويواصل مشروعه الثقافي والابداعي منذ بداية سبعينيات القرن الماضي.
وللمناسبة، فإن الأسماء التي ذكرت ليست كل ما في الموضوع، فهناك أسماء لم اطلع على مشاريعها بشكل كافٍ، أنا ذكرت المشاريع التي تابعتها واطلعت على تفاصيلها ومحطاتها، حيث تجد روائي أصدر رواية أو روايتين وترك بصمات إبداعية واضحة كصالح أبو لبن، وروائي بنى المدماك تلو المدماك في مشروعه الروائي أو القصصي مثل أسامة العيسة الذي حصد جوائز قيمة على مستوى عربي.
س: ما رأيك بمستوى الأدب النسوي؟
- أولا أنا لا أؤمن أن هناك أدباً نسوياً أو غير نسوي، الأدب هو تعبير عن موقف وطني وطبقي وإنساني للأديب أكان رجلا أم ارأة.
وفي رأيي يمكن تقسيم الأدب إلى أدب تقدمي وأدب رجعي بصرف النظر عمن يكتبه، فالأدب التقدمي الذي يسير مع حركة التاريخ ويضطلع بدور نقدي استشرافي، والأدب الرجعي هو الذي يناطح حركة التاريخ ويسعى إلى إعادة الحياة إلى مربعات ودوائر تجاوزتها الحضارة الإنسانية.
المرأة ليس شرطا أن تكتب أدبا تقدمياً؛ بل إن بعض النساء قد يكتبن أدباً ضدهن، أي ضد المرأة وحقوقها ودورها التاريخي وهناك نساء في المقابل يكتبن نصرة للمرأة لأنهن يناضلن ومن أجل شعبها، وهناك رجال كتبوا لصالح المرأة، ومنهم من كتب ضدها. المعيار بالنسبة للأدب أولاً وطني وطبقي وتقدمي وإنساني. وثانياً هل توافرت فيه الاشتراطات الفنية أم جاء مسطحا بلا فنيات؟
في بلادنا أبدعت المرأة أدبا وطنيا وإنسانيا كما فدوى طوقان وسميرة عزام وسحر خليفة وعائشة عودة وإيمان زياد وبديعة زيدان ومايا أبوالحيات وسهام السايح وشوقية عروق وهي كاتبة قديرة وأسماء أبوعياش بمسيرتها الأدبية والإعلامية وديما السمان ودنيا الأمل اسماعيل وزهيرة الصباغ ومليحة المسلماني وأسماء وزوز ووداد البرغوثي ورولا غانم وقمر عبد الرحمن ورائدة الطوري وغيرهن.
هل يمكن لي في الإجابة عن السؤال الإكتفاء بالأسماء التي ذكرت ؟ بالطبع لا، لأن اسهامات النساء الفلسطينيات في الوطن في مجال الأدب كثيرة ومتعددة، ولا يمكن لي الإحاطة بكل الأسماء لأن ما ذكرت هو أمثلة.
س: لماذا كانت المؤسسات الثقافية في بلادنا أكثر نشاطاً مقارنة بالوضع الحالي؟
- نعم نشهد تراجعاً في الحالة الثقافية أسوة بالحالة السياسية في بلادنا، لكن علينا أن نلحظ أن لدينا حركة إصدارات نشطة.
لقد تراجعت حركة الفعل الثقافي والإبداعي في الجامعات، في المقابل نجد نشاطاً ثقافياً وإبداعياً يضطلع به أمين عام اتحاد الكتاب والادباء الفلسطينين مراد السوداني على مستوى عالمي، فيما برز في السنوات الاخيرة نشاط ملحوظ للمؤرخ حسام أبو النصر من خلال وزارة الثقافة، والمؤتمرات التي يبادر إليها من خلال الوزارة تشكل علامات مضيئة في هذه المرحلة.
ولمناسبة ذكر المؤرخ حسام أبو النصر، فقد فقدنا مؤخراً مؤرخاً كبيراً رفد المكتبتين الفلسطينية والعربية بسلسلة من الأعمال الموسوعية، وأقصد المرحوم جهاد صالح.
وعليّ قبل أن أختم إجابتي عن أسئلة هذه الحلقة القول إن الأسماء التي أوردتها هي تعيش داخل الوطن، ولو تم توجيه سؤال عام عن الأدب الفلسطيني في كل ساحاته، لوجدت نفسي أمام قائمة طويلة من الأسماء الباسقة التي تفرض وجودها، حيث يمكن إعطاء عشرات الأمثلة في حال وجه لي سؤال عن الأدب الفلسطيني ورموزه في الساحات الخارجية.
يتبع في الحلقة الثالثة