تقارير

حين يلاحق الخوف الطالب إلى مقعد الدراسة.. كيف تستنزف الحواجز والاقتحامات الصحة النفسية للطلبة الفلسطينيين؟

Case

2026-11-07 12:21

Copy Link

المدير العام لمؤسسة "نفس للتمكين" للاستشارات النفسية والاجتماعية ناصر يوسف أبو مطر في مقابلة حصرية لـ"البعد الرابع": لا يمكن مطالبة الطالب بالتركيز والإنجاز بينما يعيش الخوف وعدم اليقين.. والمؤسسات التعليمية لا تمتلك الإمكانات الكافية لمواجهة حجم الاحتياجات النفسية

نابلس - ضحى مزيد - البعد الرابع (4dPAL)

لا تنتهي معاناة الطالب الفلسطيني بمجرد وصوله إلى مدرسته أو جامعته، فجلوسه على مقعد الدراسة لا يعني بالضرورة أنه أصبح بعيدًا عن الخطر أو قادرًا على التركيز والتعلّم. قد يدخل قاعته حاملًا قلق الطريق، وذاكرة اقتحام سابق، وخوفًا على أسرته، وأسئلة مفتوحة بشأن ما قد يحمله اليوم التالي، في وقت لا تظهر فيه هذه الأعباء في سجلات الحضور والغياب أو النتائج الأكاديمية، رغم ما تتركه من آثار على صحته النفسية وقدرته على مواصلة تعليمه.

وفي ظل واقع تتداخل فيه الاقتحامات العسكرية والحواجز والقيود على الحركة والضغوط الاقتصادية والمعيشية، لم تعد التحديات التي تواجه الطلبة الفلسطينيين مقتصرة على صعوبة الوصول إلى المؤسسات التعليمية أو تعويض الدروس والمحاضرات، بل امتدت إلى شعورهم بالأمان والاستقرار، وانعكست على نومهم وتركيزهم ودافعيتهم وعلاقاتهم الاجتماعية ونظرتهم إلى المستقبل.

وفي مقابلة حصرية لـ"البعد الرابع"، يحذر المدير العام لمؤسسة "نفس للتمكين" للاستشارات النفسية والاجتماعية، والخبير ناصر يوسف أبو مطر، من التعامل مع هذه الآثار باعتبارها مجرد صعوبات دراسية أو مشكلات سلوكية عابرة، مؤكدًا أن الطلبة يعيشون ظروفًا ضاغطة ومتراكمة تستنزف قدراتهم النفسية، في وقت لا تمتلك فيه المؤسسات التعليمية الإمكانات الكافية لمواجهة حجم الاحتياجات المتزايدة.

من الطريق إلى الصف.. رحلة مثقلة بالخوف

لا يبدأ التأثير النفسي للحواجز والاقتحامات العسكرية عند وصول الطالب إلى مدرسته أو جامعته، بل قد يبدأ قبل مغادرة منزله، حين لا يعرف إن كان سيتمكن من الوصول إلى وجهته، أو ما إذا كان الطريق سيُغلق، أو سيواجه حاجزًا أو اقتحامًا عسكريًا. ومع تكرار هذه التجارب، يتحول الطريق من مسار يومي اعتيادي إلى مصدر دائم للقلق والترقب.

ويوضح أبو مطر أن الطالب الذي يعيش في بيئة يسودها التهديد يستهلك جزءًا كبيرًا من انتباهه وطاقته الذهنية في مراقبة المخاطر وتوقع ما قد يحدث، بدلًا من توجيهها إلى الفهم والاستيعاب والتفاعل داخل الصف، الأمر الذي قد ينعكس على تركيزه وذاكرته ونومه، ويزيد من شعوره بالتعب وسرعة الانفعال، فضلًا عن تراجع دافعيته وقدرته على التحصيل الأكاديمي.

ولا تتوقف هذه الآثار عند الجانب النفسي، بل تظهر أيضًا في الحياة التعليمية اليومية، من خلال التأخر عن المحاضرات والغياب المتكرر وتراجع المشاركة الصفية وتأجيل الامتحانات، وقد تصل في بعض الحالات إلى الانقطاع المؤقت عن الدراسة. غير أن النظر إلى هذه المظاهر باعتبارها مشكلات تتعلق بالالتزام وحده يتجاهل الظروف التي يعيشها الطالب، وما تفرضه عليه من شعور بفقدان السيطرة على تفاصيل حياته.

ويؤكد أبو مطر أن "المشكلة ليست في قدرة الطالب الفلسطيني على التعلم أو طموحه، بل في الظروف التي تعترض طريقه وتستنزف طاقته"، مشيرًا إلى أن المطالب الأكاديمية لا تراعي دائمًا الفوارق الكبيرة في الظروف التي يبدأ منها الطلبة يومهم الدراسي.

وتزداد هذه الأعباء حين تتزامن مع أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة؛ فبعض الطلبة يواجهون صعوبة في تغطية تكاليف المواصلات والتعليم، فيما يعيش آخرون في أسر فقدت مصادر دخلها أو يتحملون مسؤوليات أسرية إضافية، إلى جانب متطلبات الدراسة والامتحانات والقلق بشأن المستقبل وفرص العمل. وبذلك يجد الطالب نفسه أمام ضغوط متراكمة تتجاوز قدرته على المواجهة، في وقت تتراجع فيه الموارد التي يمكن أن تساعده على التكيف.

وتعكس الأرقام المتعلقة بحرية الحركة والوصول إلى التعليم جانبًا من هذه البيئة الضاغطة؛ فوفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الصادر في نيسان/أبريل 2026، بلغ عدد عوائق الحركة الموثقة في الضفة الغربية 925 عائقًا، تؤثر في حركة نحو 3.4 مليون فلسطيني. ورغم أن هذه العوائق لا تستهدف الطلبة جميعهم بصورة مباشرة، فإنها تفرض قيودًا على حركة السكان ووصولهم إلى الخدمات والمؤسسات التعليمية.

وفي السياق ذاته، أشار تقرير لليونيسف عن الضفة الغربية، يغطي الفترة حتى 30 نيسان/أبريل 2026، إلى أن أكثر من 150 ألف طفل يواجهون عوائق أمام الوصول إلى تعليم آمن ومستمر، نتيجة انعدام الأمن والقيود على الحركة والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. وهي مؤشرات تكشف أن انتظام التعليم لا يرتبط بوجود مدرسة أو جامعة فحسب، بل يتطلب أيضًا ضمان الوصول الآمن والمستمر إليها.

آثار لا تظهر في العلامات.. ضغوط تتجاوز التحصيل الدراسي

ورغم أن بعض الطلبة يواصلون الحضور وأداء الامتحانات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم بمنأى عن التأثيرات النفسية للظروف المحيطة بهم. فقد يخفي الانتظام الدراسي مستويات مرتفعة من القلق والخوف والإرهاق، لا يلاحظها المعلمون أو المحيطون بالطالب بسهولة.

وتشير البيانات التي أوردها أبو مطر إلى اتساع نطاق الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، خصوصًا في ظل استمرار الأزمات وتراكم آثارها. ففي قطاع غزة، أشارت تقديرات اليونيسف، التي أوردتها وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إلى أن نحو مليون طفل يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، وأن قرابة تسعة من كل عشرة أطفال شملتهم مشاورات اليونيسف أفادوا بشعورهم بالحاجة إلى هذا النوع من الدعم، وهي أرقام تشمل الأطفال عمومًا ولا تقتصر على الطلبة وحدهم.

أما في الضفة الغربية والقدس، فقد أفادت اليونيسف بأن أكثر من 150 ألف طفل يواجهون عوائق أمام الوصول إلى تعليم آمن ومستمر، إلى جانب مستويات مرتفعة من الضيق النفسي لدى الأطفال في المناطق عالية الخطورة، تظهر في الخوف الشديد واضطرابات النوم والتغيرات السلوكية.

وعلى مستوى طلبة الجامعات، أظهرت دراسة فلسطينية شملت 410 طلاب أن 58.5% من أفراد العينة سجلوا مؤشرات ضيق نفسي وفق أداة القياس المستخدمة في الدراسة. غير أن هذه النسبة تخص العينة التي شملتها الدراسة، ولا يجوز تعميمها على جميع طلبة الجامعات الفلسطينية، كما لا تعني بالضرورة أن جميع من شملتهم يحتاجون إلى علاج نفسي متخصص.

ويشدد أبو مطر على ضرورة التمييز بين الحاجة إلى الدعم والمساندة النفسية، والحاجة إلى التقييم أو العلاج المتخصص، حتى لا تتحول الاستجابات الإنسانية الطبيعية للظروف الاستثنائية إلى تشخيصات مرضية؛ فالقلق والخوف والحزن واضطراب النوم قد تكون ردود فعل مفهومة في سياقات التهديد والفقدان وعدم الاستقرار، لكنها تستدعي الانتباه والمتابعة عندما تستمر أو تؤثر بصورة واضحة في حياة الطالب وقدرته على التعلم والتواصل وممارسة أنشطته اليومية.

ومن خلال المتابعة الميدانية والعمل مع الطلبة، يلفت أبو مطر إلى أن الضغوط المتراكمة قد تظهر في ارتفاع مستويات القلق والتوتر، والخوف من الفشل، والانشغال بالمستقبل الأكاديمي والمهني، إلى جانب مشاعر الحزن والإحباط والإنهاك وتقلبات المزاج وسرعة الاستثارة. وقد تمتد هذه التغيرات إلى السلوك والدافعية، فيتراجع شغف الطالب بالتعلم، ويصبح اهتمامه منصبًا على اجتياز المتطلبات الدراسية بأقل جهد ممكن، فيما تزداد المماطلة وتأجيل المهام نتيجة الإرهاق واضطرابات النوم وكثرة التفكير.

ولا تقتصر هذه التأثيرات على الأداء الدراسي، إذ قد يميل بعض الطلبة إلى الانسحاب من الأنشطة الجماعية والابتعاد عن أقرانهم، بينما تظهر لدى آخرين سرعة في الانفعال أو سلوكيات عدوانية لفظية أو بدنية تجاه الزملاء والمعلمين. وقد يجد الطالب صعوبة في التعبير عن مشاعره، ما ينعكس على علاقاته داخل الأسرة والمؤسسة التعليمية.

وفي هذا السياق، يحذر أبو مطر من التعامل مع هذه المظاهر باعتبارها دليلًا تلقائيًا على الإهمال أو ضعف الالتزام، موضحًا أن بعض السلوكيات التي تبدو للوهلة الأولى مشكلات انضباطية قد تكون تعبيرًا عن إنهاك نفسي أو صعوبة في التكيف مع ظروف ضاغطة. كما يوضح أن الأرقام التي أوردها تستند إلى مؤشرات وطنية ودراسات منشورة، وليست إحصاءات صادرة عن مؤسسة "نفس للتمكين"، مؤكدًا أهمية عدم نسبة أعداد الطلبة الذين جرى تقييمهم أو تقديم الخدمات لهم إلى المؤسسة دون الرجوع إلى سجلاتها وتقاريرها المعتمدة.

إمكانات محدودة واحتياجات متزايدة

ولا تنفصل معاناة الطلبة عن قدرة المؤسسات التعليمية على الاستجابة لاحتياجاتهم النفسية؛ إذ يرى أبو مطر أن المدارس والجامعات والمؤسسات الإرشادية والحقوقية لا تمتلك الإمكانات الكافية لمواجهة حجم الاحتياجات المتزايدة، في ظل محدودية الميزانيات المخصصة للصحة النفسية والإرشاد التربوي، ونقص الكوادر المتخصصة مقارنة بأعداد الطلبة.

وتنعكس هذه الفجوة على طبيعة الخدمات المقدمة، إذ يصعب على المؤسسات توفير متابعة فردية ومعمقة لجميع الطلبة، فيما تقتصر الاستجابة في كثير من الأحيان على التعامل مع الحالات الأكثر إلحاحًا. كما تفتقر بعض المؤسسات إلى غرف إرشاد مجهزة وآمنة تضمن خصوصية الطالب وسرية الجلسات، وقد يُستنزف وقت المرشدين في معالجة المشكلات السلوكية والقضايا الأكاديمية المباشرة، على حساب الرعاية النفسية المتخصصة.

وتظهر عقبات إضافية عندما تحتاج حالة الطالب إلى تدخل طبي أو علاج نفسي متخصص، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الجلسات والأدوية، وصعوبة تحملها بالنسبة إلى أسر تعاني أصلًا من أوضاع اقتصادية صعبة. وهكذا لا تتوقف المشكلة عند اكتشاف الحاجة إلى المساعدة، بل تمتد إلى إمكانية الوصول إلى الخدمة المناسبة والاستمرار فيها.

وإلى جانب ذلك، لا تزال الوصمة الاجتماعية والخوف من الأحكام المسبقة يدفعان بعض الطلبة إلى التردد في طلب الدعم النفسي، خشية أن يُنظر إليهم باعتبارهم ضعفاء أو أن تؤثر مراجعتهم للمختصين في صورتهم أمام زملائهم أو في مستقبلهم الأكاديمي والمهني. لذلك، تصبح الثقة والسرية شرطين أساسيين لنجاح أي خدمة إرشادية، إذ يصعب على الطالب اللجوء إلى جهة لا يشعر فيها بالأمان أو يخشى أن تتحول مشكلاته إلى موضوع للتداول.

وتزداد صعوبة الاستجابة مع توالي الصدمات واستمرارها؛ فالاقتحامات والحروب والاعتقالات وفقدان الأقارب تضع المؤسسات التعليمية أمام ظروف متجددة، لا يمكن التعامل معها من خلال تدخلات قصيرة أو جلسات محدودة، بل تتطلب متابعة طويلة الأمد وخدمات قادرة على مواكبة احتياجات الطلبة المتغيرة.

من الاستجابة المحدودة إلى منظومة دعم مستدامة

وأمام هذه التحديات، يدعو أبو مطر إلى الانتقال من التدخلات الموسمية والمحدودة إلى منظومة متكاملة تجمع بين الاستجابة العاجلة وبناء خدمات مستدامة، بمشاركة المؤسسات التعليمية والجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني.

ويضع في مقدمة الأولويات إدماج الإسعاف النفسي الأولي ضمن خطط الطوارئ في المدارس والجامعات، بما يتيح التعامل السريع مع الصدمات الناتجة عن الفقدان أو الاعتقال أو الهدم أو الأحداث الأمنية، إلى جانب توفير مساحات آمنة للتفريغ النفسي والاجتماعي، وإدماج الأنشطة الفنية والرياضية والموسيقية والكتابة الإبداعية في اليوم الدراسي، بوصفها وسائل تساعد الطلبة على التعبير والتكيف.

كما يشدد على ضرورة مراعاة الظروف الاستثنائية التي يمر بها الطلبة عند تنظيم العملية التعليمية، من خلال تخفيف الأعباء الأكاديمية وتكييف المناهج والامتحانات وفترات الدوام عند الحاجة، حتى لا تتحول المتطلبات الدراسية إلى ضغط إضافي على طلبة تأثر انتظامهم بظروف خارجة عن إرادتهم.

وعلى مستوى المؤسسات الرسمية، يدعو إلى زيادة أعداد المرشدين النفسيين، وتدريب المعلمين والأكاديميين على رصد المؤشرات النفسية والسلوكية المبكرة والتعامل معها بمرونة ودعم بدلًا من العقاب أو زيادة الضغط الأكاديمي. ويطرح في هذا السياق مقترحًا بألا يتجاوز عدد الطلبة لكل مرشد متخصص 250 طالبًا، باعتباره توصية تستدعي الدراسة والتخطيط وفق احتياجات المؤسسات وقدراتها.

كما يؤكد أهمية توفير غرف إرشاد تضمن الخصوصية والسرية، وبناء جسور الثقة مع الطلبة، وتوفير مسارات علاجية مجانية أو منخفضة التكلفة بالتعاون مع الجهات الصحية المختصة، للحالات التي تحتاج إلى تدخل يتجاوز إمكانات المرشد المدرسي أو الجامعي.

أما مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية، فيرى أن دورها يجب ألا يقتصر على تنفيذ أنشطة متفرقة، بل أن يمتد إلى برامج دعم نفسي واجتماعي مستمرة، وفرق متنقلة تصل إلى المدارس والجامعات في المناطق الأكثر تضررًا وتهميشًا، للمساهمة في سد الفجوات التي تعجز المؤسسات التعليمية عن تغطيتها.

ولا يغفل أبو مطر ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية للمعلمين والمرشدين أنفسهم، في ظل تعاملهم اليومي مع صدمات الطلبة ومشكلاتهم، معتبرًا أن حمايتهم من الاحتراق النفسي وتوفير برامج الرعاية الذاتية والإحالة إلى مراكز العلاج المتخصصة، جزء من قدرة المؤسسات على مواصلة تقديم الدعم.

الإعلام شريك في كسر الوصمة

ولا تكتمل منظومة الدعم النفسي من دون دور إعلامي يسهم في تغيير النظرة المجتمعية إلى الصحة النفسية، ويشجع الطلبة على طلب المساعدة دون خوف أو خجل. وفي هذا الإطار، يدعو أبو مطر إلى إطلاق حملات إعلامية مستمرة عبر التلفزيون والإذاعة والبودكاست والمنصات الرقمية، لتوضيح أهمية الدعم النفسي، والتأكيد أن اللجوء إلى المختصين خطوة واعية لمواجهة الصعوبات، وليس علامة ضعف.

كما يشدد على أهمية إنتاج محتوى رقمي مبسط يوجه إلى الطلبة والأهالي، ويتناول طرق التعامل مع القلق وإدارة الصدمات وتقديم الدعم داخل الأسرة، إلى جانب تسليط الضوء على المبادرات والتجارب التي نجحت في توفير المساندة النفسية والاجتماعية.

غير أن هذا الدور يتطلب خطابًا إعلاميًا مسؤولًا يحترم خصوصية الطلبة وكرامتهم، ويبتعد عن التهويل والتشخيص غير المتخصص، فلا يختزل معاناتهم في مشاهد مؤثرة أو أرقام مجردة، بل يقدم معلومات موثوقة ويوجه إلى مصادر المساعدة المتاحة، ويضع الصحة النفسية ضمن النقاش العام حول جودة التعليم واستمراريته.

وتبقى البيانات الدقيقة عنصرًا أساسيًا في تطوير هذه الجهود؛ إذ إن المؤشرات الوطنية والدراسات المنشورة، رغم أهميتها في إظهار حجم المشكلة، لا تكفي وحدها لتحديد أعداد الطلبة الذين تلقوا خدمات فعلية، أو طبيعة الحالات التي تحتاج إلى متابعة متخصصة، أو الفجوات بين المناطق والمؤسسات التعليمية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى نظام وطني ومؤسسي للرصد، بالتعاون بين المؤسسات التعليمية والوزارات المختصة ومؤسسات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، يتابع طبيعة الاحتياجات ومدى الوصول إلى الخدمات وفاعلية التدخلات واستمرارية الإحالة إلى المختصين، مع ضمان سرية المعلومات وخصوصية الطلبة. كما تتيح هذه البيانات توجيه التمويل إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجًا، وتقييم البرامج بدلًا من الاكتفاء بتنفيذ أنشطة لا تتوافر مؤشرات واضحة على أثرها واستدامتها.

التعليم حق لا يكتمل من دون الأمان والدعم النفسي

في المحصلة، لا يمكن فصل الصحة النفسية للطلبة الفلسطينيين عن واقعهم اليومي؛ فالخوف على الطريق، والقلق على الأسرة، والضغوط الاقتصادية، والانقطاع الدراسي، وتراكم الصدمات، كلها عوامل قد تدخل إلى الصف مع الطالب، حتى وإن لم تظهر في سجلات المؤسسة التعليمية أو علاماته.

وتفرض هذه الظروف على المؤسسات التعليمية الانتقال من التعامل مع الآثار بعد ظهورها إلى بناء بيئة تراعي الصحة النفسية، وتوفر الإرشاد والدعم والمساحات الآمنة، وتمنح الطلبة المرونة اللازمة لمواصلة تعليمهم في ظروف استثنائية. فالمعلم الذي يفهم ظروف الطالب، والمرشد الذي يستطيع الاستماع إليه، والخدمة المتخصصة التي يمكن الوصول إليها عند الحاجة، ليست عناصر إضافية على العملية التعليمية، بل جزء من شروط استمرارها.

ويختصر أبو مطر هذه الرسالة بالقول: "لا نستطيع أن نطالب الطالب الفلسطيني بالتركيز والإنجاز والتفوق، بينما يعيش في ظروف صعبة نفسيًا واجتماعيًا تهدد شعوره بالأمان والاستقرار".

وبين الحاجز ومقعد الدراسة، تتجاوز حاجة الطالب الفلسطيني مجرد القدرة على الوصول إلى مدرسته أو جامعته؛ فهو يحتاج إلى بيئة تحفظ كرامته، وتراعي ظروفه، وتمنحه شعورًا بالأمان، ومؤسسات لا تكتفي بمطالبته بالصمود، بل توفر له الدعم النفسي والاجتماعي بوصفه حقًا أساسيًا لا استجابة مؤقتة.