
2026-11-03 09:03
رام الله – ضحى مزيد – البعد الرابع (4dPAL)
لم تعد النصب التذكارية الفلسطينية مجرد معالم حجرية تنتصب في ساحات القرى ومداخل البلدات والمخيمات والجامعات؛ فقد تحولت، مع تكرار هدمها وتخريبها خلال عام 2026، إلى جزء من مواجهة أوسع على الذاكرة والهوية، في ظل استهداف مواقع تحمل أسماء الشهداء وصورهم، وتستحضر حكاياتهم في الأماكن التي عاشوا فيها أو ارتبطوا بها.
ومن مخيم شعفاط وبيت دقّو ومادما، مرورًا ببيرزيت وأبو فلاح والجلزون ويعبد، وصولًا إلى روجيب وعراق بورين وبيتا وبيت فوريك وعزموط وكفر قدوم والخليل ودورا، توزعت الاعتداءات على مواقع تذكارية متعددة، شملت نصبًا فردية وصروحًا جماعية وساحات شهداء وجداريات وأضرحة ولافتات تحمل أسماء شخصيات فلسطينية.
وفي أحدث هذه الوقائع، هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الخميس 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، نصبًا تذكاريًا للشهيد ميسرة أبو حمدية عند مفرق الصاحب في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل، في محيط حارة أبو سنينة، كما هدمت جدارية تخلّد ذكرى الشهيد باجس أبو عطوان وسط بلدة دورا جنوب غربي المحافظة.
وجاء ذلك بالتزامن مع اقتحام منطقة باب الزاوية وسط الخليل، وإجبار أصحاب المحال التجارية على إغلاقها وإخلائها، وإطلاق قنابل الغاز باتجاه المواطنين، وإغلاق البوابة الحديدية في ساحة مبنى البلدية القديم، قبل نصب كرفانات فوق عدد من المحال ومنع الأهالي من الوصول إلى المنطقة.
ولم يكن هدم نصب ميسرة أبو حمدية إزالة معلم من الطريق فحسب؛ فالاسم الذي كان يحمله يعود إلى أسير فلسطيني استشهد داخل سجون الاحتلال في الثاني من نيسان/أبريل 2013، بعد إصابته بمرض السرطان. أما جدارية باجس أبو عطوان في دورا، فكانت معلمًا آخر أُزيل في اليوم نفسه، لتتسع دائرة الاعتداءات على الرموز التذكارية في محافظة الخليل.
ولا تبدو هذه الوقائع معزولة عن سلسلة أوسع شهدتها الضفة الغربية منذ مطلع العام؛ إذ طالت الاعتداءات مواقع في القدس وجنين ونابلس وسلفيت ورام الله والبيرة وطولكرم والخليل، وتنوعت بين هدم النصب وتخريبها وإزالة الصور والجداريات واللافتات، إلى جانب توجيه إخطارات باستهداف معالم أخرى.
بدأت الوقائع المسجلة خلال عام 2026 في القدس، حيث استُهدف نصب شهداء مخيم شعفاط في 26 كانون الثاني/يناير، ثم طال الاعتداء نصبًا تذكاريًا في بيت دقّو في 11 آذار/مارس.
وفي 23 آذار/مارس، سُجل استهداف نصب شهداء في منطقة مادما – البلطة، قبل أن تتواصل الاعتداءات خلال الأشهر التالية في مناطق مختلفة.
وفي 24 أيار/مايو، أُدرجت منطقة أم الخير ضمن المواقع التي شهدت استهدافًا لصروح تذكارية، مع الإشارة إلى صرح للشهيدين. ثم انتقلت الوقائع في 21 حزيران/يونيو إلى منطقة الجلب في محافظة نابلس، حيث سُجل استهداف معلم تذكاري وُصف بأنه برج يحمل اسمَي هدمية وأبو الزلفون، وفق التسمية الواردة في السجل.
وفي 29 حزيران/يونيو، سُجل في الطيبة – دورا استهداف جدارية لرموز فلسطينية، قبل أن يعود اسم منطقة الجلب في نابلس إلى قائمة المواقع المستهدفة في 31 تموز/يوليو، في سياق استهداف ضريح محمد الشقني.
أما في 4 آب/أغسطس، فأُدرجت طواقم ضمن الوقائع، مع وصف يشير إلى نصب ورموز ومواقع متعددة.
وتكشف هذه المحطات أن استهداف المعالم التذكارية لم يبدأ مع موجة تشرين الأول/أكتوبر، بل سبقها بأشهر، وشمل مواقع متباعدة جغرافيًا ومعالم مختلفة في طبيعتها ووظيفتها، من النصب والصروح إلى الأضرحة والجداريات.
في 25 آب/أغسطس، برزت قرية مادما جنوب نابلس في واقعة لافتة، بعدما دخل عضو الكنيست الإسرائيلي تسفي سوكوت القرية برفقة جنود، وظهر في صورة نشرها عبر منصة "إكس" وهو يحمل مطرقة كبيرة قرب نصب تذكاري يحمل أسماء فلسطينيين.
وقال سوكوت حينها إنه طالب الجيش مرارًا بإزالة ما وصفه بـ"النصب التذكارية للإرهاب" في أنحاء المنطقة؛ وأثارت الواقعة اهتمامًا خاصًا، لأن شخصية سياسية إسرائيلية ظهرت وهي تشارك مباشرة في تحطيم معلم تذكاري، قبل أن تتجدد عمليات استهداف النصب في مادما ومناطق أخرى خلال تشرين الأول/أكتوبر.
وتكتسب هذه الواقعة دلالتها من أنها سبقت موجة الهدم اللاحقة، وربطت بين خطاب سياسي يدعو إلى إزالة هذه المعالم وبين إجراءات ميدانية استهدفتها. ومع ذلك، فإن تحديد الجهة التي أصدرت قرار هدم كل نصب والدافع المباشر وراء كل عملية يتطلب توثيقًا منفصلًا لكل واقعة، ولا يكفي فيه التشابه بين الأحداث وحده.
في 5 تشرين الأول/أكتوبر، استُهدف نصب تذكاري في جامعة بيرزيت، إلى جانب نصب في السيلة الحارثية بمحافظة جنين.
وفي بيرزيت، اقتحمت قوات الاحتلال الحرم الجامعي برفقة آليات عسكرية وجرافة، وهدمت النصب الذي أقامته الجامعة لتخليد ذكرى طلبة وخريجين، بالتزامن مع دخول مبانٍ جامعية والتدخل في مرافق أكاديمية.
ويحمل استهداف نصب داخل مؤسسة تعليمية دلالة تتجاوز إزالة منشأة حجرية؛ فالجامعة ليست مكانًا للدراسة والبحث فحسب، بل مؤسسة تحفظ تاريخ طلبتها وخريجيها أيضًا. وعندما يُهدم معلم تذكاري داخل حرمها، يصبح مصير الأسماء التي يحملها والسجل الذي يوثقها جزءًا من آثار الاقتحام نفسه.
وفي اليوم ذاته، سُجل استهداف نصب تذكاري في السيلة الحارثية بمحافظة جنين، ثم طالت الاعتداءات في 6 تشرين الأول نصبًا للشهداء في نابلس، وُصف موقعه بأنه في الضاحية الوسطى.
وفي 7 تشرين الأول، سُجل استهداف نصب شهداء وادي العين في ياسوف بمحافظة سلفيت، كما ورد اسم يعبد بمحافظة جنين في سياق استهداف نصب تذكاري للشهيد ياسر دياب حمدوني.
وتزامنت هذه الوقائع مع إخطارات باستهداف معالم تحمل صورًا وأسماء شهداء في جنين ويعبد، من بينها نصب حمدوني، إلى جانب صور ولافتات تحمل أسماء محمود خالد عرعراوي، وتامر عزمي النشرتي، ونضال أمين زيدان حازم، ويوسف صلاح بركة، فضلًا عن لافتة تعرض صور ثلاثة شهداء.
وتختلف هذه الحالات من حيث طبيعتها بين هدم نصب قائم، وإزالة صور أو لافتات، وتوجيه إخطارات بالاستهداف؛ لذلك لا يصح احتسابها جميعًا بوصفها عمليات هدم مكتملة، لكنها تكشف تعدد أشكال الاستهداف التي طالت المعالم المرتبطة بالشهداء.
وفي 9 تشرين الأول، سُجل استهداف نصب خالد الناصر في منطقة نصيرا والريحان، ثم شهد 12 تشرين الأول استهداف نصب الشهداء في وسط قرية أبو فلاح شمال شرق رام الله، قبل أن تطال الاعتداءات في 14 تشرين الأول نصب شهداء مخيم الجلزون شمال رام الله.
وفي 20 تشرين الأول، سُجل استهداف نصب تذكاري عند مدخل قرية دير أبو نعين، وفق التسمية الواردة في السجل. ومع هذه الواقعة، اتسعت قائمة المواقع التي طالتها الاعتداءات لتشمل مداخل قرى ومخيمات وجامعات وساحات عامة، لا نصبًا من نوع واحد.
في 23 تشرين الأول، حطّم مستوطنون مسلحون النصب التذكاري للصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة قرب دوار عجة جنوب جنين.
ووصل المستوطنون في مركبتين، واستهدفوا النصب الذي أقامته بلدية عجة عام 2022 عند مدخل البلدة تخليدًا لذكرى أبو عاقلة، التي استشهدت في 11 أيار/مايو 2022، بعد إصابتها برصاص جيش الاحتلال أثناء تغطيتها اقتحام مخيم جنين.
ولا يرتبط النصب باسم شخص من أبناء البلدة فحسب، بل بصحفية ارتبط عملها بتغطية الأحداث الفلسطينية ونقلها إلى الجمهور؛ ولذلك، فإن استهدافه طال معلمًا يستحضر ذكرى صحفية استشهدت أثناء أداء عملها.
وتختلف هذه الواقعة عن عمليات الهدم التي نفذتها الجرافات العسكرية، إذ نُسب تحطيم النصب في عجة إلى مستوطنين مسلحين. لكن النتيجة المباشرة كانت تضرر معلم أُقيم لتخليد ذكرى أبو عاقلة، وإزالة جزء من حضوره المرئي عند مدخل البلدة.
ويأتي استهداف نصبها بعد سنوات من استهداف معالم مرتبطة بذكراها في محيط جنين، ما يجعل الواقعة امتدادًا لسجل من الاعتداءات على النصب والصور التي تحمل أسماء شخصيات فلسطينية معروفة.
في فجر الثلاثاء 27 تشرين الأول/أكتوبر، اتسعت عمليات الهدم في محيط نابلس، وطالت صروحًا تذكارية في عدد من القرى والبلدات.
ففي مادما، هدمت قوات الاحتلال صرحين تذكاريين، وفق تقارير ميدانية، فيما أشارت معلومات محلية إلى أن الصروح تحمل أسماء الشهداء ناجح عوض زيادة، وعمر أبو صامد، ويامن فرج.
وفي عراق بورين، استُهدف نصب تذكاري يحمل اسم الشهيد مهران قادوس، كما وردت معلومات عن استهداف معلم يُعرف بميدان الشهداء. أما في بيت فوريك، فطالت العمليات صروح الشهداء وميدان الشهداء في البلدة، فيما هُدم صرح الشهداء في روجيب، وخُرّب نصب تذكاري في عزموط.
وفي بيتا، هُدم النصب التذكاري للشهيد كرم دويكات، إضافة إلى ميدان الشهداء في المنطقة الشرقية من البلدة. كما أُدرجت صروح الشهداء في كفر قدوم بمحافظة قلقيلية ضمن المواقع التي استهدفتها العمليات في اليوم نفسه.
وتورد تقارير محلية أخرى أسماء إضافية لمعالم في بيتا، بينها صرح الشهيد شبلي الجاغوب، وصرح الشهيدين إسلام وإمام دويكات، إلى جانب جداريات ولوحات تحمل صور شهداء. وتحتاج هذه الأسماء إلى مطابقة كل معلم مع موقعه الدقيق قبل احتسابها ضمن العدد النهائي، لأن بعض التقارير تتحدث عن صروح منفصلة، فيما تتعامل أخرى معها بوصفها أجزاء من موقع تذكاري واحد.
ولم تقتصر أحداث ذلك الفجر على إزالة المعالم؛ إذ تزامنت مع اقتحامات لقرى في محيط نابلس، بينها تل وقريوت وبورين ومادما وعراق بورين، إلى جانب مداهمة منازل وإخضاع سكان لتحقيقات ميدانية. وبذلك جاءت عمليات هدم النصب ضمن حملة ميدانية أوسع مست الحركة داخل القرى والمنازل، لا في الساحات العامة وحدها.
بعد يومين من هدم الصروح في نابلس وقلقيلية، انتقلت الاعتداءات إلى محافظة الخليل.
ففي 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، هدمت جرافات الاحتلال نصبًا تذكاريًا للشهيد ميسرة أبو حمدية عند مفرق الصاحب في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل، في محيط حارة أبو سنينة، وجرى تكسير معالمه وإزالته بالكامل.
وفي اليوم نفسه، هدمت قوات الاحتلال جدارية النصب التذكاري للشهيد باجس أبو عطوان وسط بلدة دورا جنوب غربي الخليل، بعدما اقتحمت البلدة برفقة جرافة عسكرية، وانتشرت في الطرقات ومحيط المنازل، وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع قبل هدم الجدارية.
وتزامن هدم النصب في مدينة الخليل مع اقتحام منطقة باب الزاوية، المركز التجاري للمدينة، وإجبار أصحاب المحال على إغلاقها وإخلائها، وإطلاق قنابل الغاز صوب المواطنين، وإغلاق البوابة الحديدية في ساحة مبنى البلدية القديم، قبل نصب كرفانات فوق عدد من المحال التجارية ومنع الأهالي من الوصول إلى المنطقة.
وهكذا، لم يقتصر ما جرى في الخليل على إزالة نصب وجدارية، بل تزامن مع تغييرات في المشهد المكاني والتجاري وسط المدينة، وفرض قيود على حركة السكان وأصحاب المحال. وفي هذا السياق، يصبح هدم المعالم التذكارية جزءًا من صورة أوسع لما شهدته المحافظة في ذلك اليوم، مع ضرورة التمييز بين الوقائع المختلفة وعدم اعتبارها إجراءً واحدًا.
يحمل النصب الذي أُزيل عند مفرق الصاحب اسم ميسرة أبو حمدية، الذي استشهد داخل سجون الاحتلال عام 2013 بعد إصابته بسرطان الحنجرة.
لكن دلالة النصب لا تتوقف عند الاسم أو السيرة التي يستحضرها؛ فوجوده في مكان عام جعله جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، وعلامة تربط ذاكرة الشهيد بمكان يعرفه السكان ويمرون به.
فالنصب التذكاري لا يؤدي وظيفة جمالية أو عمرانية فقط، بل يمنح الذاكرة حضورًا مرئيًا في الفضاء العام. وقد يمر به أحد السكان فيتذكر صاحبه، أو تتوقف عنده عائلة لاستحضار ذكرى ابنها، أو يتعرف إليه جيل جديد من خلال الاسم المنقوش عليه. ومن هنا، فإن هدمه لا يعني إزالة كتلة حجرية فحسب، بل تغيير علامة ارتبطت بذاكرة محلية وانتزاعها من المكان الذي اختار الأهالي أن تكون فيه.
وتكتسب هذه الدلالة أهمية خاصة في مدينة مثل الخليل، حيث ترتبط الأحياء والمداخل والساحات بتاريخ اجتماعي وعائلي ووطني متداخل. فالمكان ليس مجرد عنوان جغرافي؛ إنه مساحة تتراكم فيها الحكايات، وتتشكّل عبرها علاقة السكان بمدينتهم. وعندما يُزال نصب يحمل اسم أحد أبنائها، فإن المشهد يفقد علامة كانت تذكّر الناس بهذه الصلة.
ولا يقتصر الأمر على نصب ميسرة أبو حمدية؛ فهدم جدارية باجس أبو عطوان في دورا في اليوم نفسه يعيد طرح السؤال حول مصير المعالم التي يختار الأهالي إقامتها تخليدًا لذكرى أبنائهم. فالاختلاف بين نصب حجري وجدارية على جدار لا يغيّر الوظيفة الرمزية التي يؤديها كل منهما؛ فكلاهما يحفظ الاسم في المكان ويمنحه حضورًا يتجاوز حدود العائلة إلى المجتمع المحلي.
لفهم الأثر العميق لتدمير النصب التذكارية، ينبغي النظر إلى المعلم بوصفه تعبيرًا ماديًا عن ذاكرة غير مادية. فالحجر لا يحمل قيمته من مادته وحدها، وإنما من الاسم الذي يخلّده، والسيرة التي يستدعيها، والمجتمع الذي منحه معناه. وقد يبدو النصب صغيرًا في حجمه، لكنه يشغل مساحة واسعة في وجدان العائلة والحي والمدينة.
وفي دراسات الذاكرة الثقافية، يرتبط الماضي بالمكان لأن الإنسان يستعين بالعلامات المادية لاستعادة الأحداث ومنحها حضورًا في الحاضر. فالمكان يساعد الذاكرة على الاستمرار، ويحوّل الحكاية من رواية فردية إلى معنى مشترك يتداوله الناس. ومن هنا، يؤدي النصب التذكاري وظيفة تتجاوز التكريم؛ فهو يربط الأجيال بسيرة سابقة، ويمنح المجتمع وسيلة للتعبير عن فهمه لتاريخه وقيمه.
وعندما يتعرض هذا المعلم للهدم، يقع الاعتداء على مستويين متداخلين: الأول مادي، يتمثل في إزالة النصب من موقعه وتغيير المشهد الذي اعتاد الناس رؤيته؛ والثاني رمزي، يتعلق بالمعنى الذي يمثله المعلم وبالعلاقة التي تربط اسم الشهيد بالمكان العام.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه المسألة حساسية خاصة لأن المكان نفسه يشكل عنصرًا أساسيًا في الهوية والذاكرة والانتماء. فالسيطرة على المكان لا تقتصر على التحكم في حدوده أو مداخله، بل قد تمتد آثارها إلى الرموز التي تمنحه دلالته، والأسماء التي يستحضرها، والروايات التي يتناقلها سكانه.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة استهداف النصب التذكارية ضمن سؤال أوسع عن الذاكرة والسلطة: من يملك حق تحديد ما يظهر في الفضاء العام؟ ومن يقرر أي الأسماء تبقى حاضرة، وأي الحكايات يُسمح لها بأن تظل مرئية؟
ولا يعني ذلك أن كل عملية هدم تحمل بالضرورة الدافع نفسه؛ ففهم دوافع كل واقعة يتطلب أدلة موثقة. غير أن تكرار الاعتداءات على الرموز الفلسطينية يستدعي دراسة آثارها المتراكمة في المشهد الثقافي، وفي قدرة المجتمعات على إبقاء ذاكرتها حاضرة في الأماكن التي تعيش فيها.
إن إزالة النصب قد تمحو العلامة من الطريق، لكنها لا تملك وحدها القدرة على محو السيرة من الوجدان؛ فالمعنى الذي يمنحه المجتمع لشهيده يتوزع بين الذاكرة الشفوية والصور والوثائق والمناسبات العائلية والروايات المحلية. ولهذا، قد يتحول هدم النصب إلى مناسبة لاستعادة قصة الشهيد، وإعادة تداول اسمه، وجمع الشهادات حوله، وتوثيق ما جرى للمعلم الذي أقيم تخليدًا لذكراه.
تحمل النصب التذكارية في فلسطين معاني الوفاء والتقدير، لكنها تؤدي أيضًا وظيفة توثيقية في تاريخ المجتمع. فهي تحفظ الأسماء في الفضاء العام، وتربط الشخصيات بالأحياء التي نشأت فيها أو ارتبطت بها، وتمنح الأجيال فرصة للتعرف إلى سير لم تعش أحداثها مباشرة.
وتتصل هذه المعالم بمفهوم التراث التذكاري، الذي يشمل الشواهد والنصب والأضرحة والجداريات وغيرها من العناصر التي يصنعها المجتمع لحفظ ذاكرته. وتنبع قيمتها من ارتباطها بالناس وبالسياق الذي نشأت فيه، ومن قدرتها على تقديم معرفة عن طرائق التعبير عن الفقد والتكريم والانتماء.
ولهذا، فإن حماية النصب التذكارية لا تنفصل عن حماية التراث الثقافي. فالتوثيق العلمي لهذه المعالم ينبغي أن يشمل صورها ومواقعها وتاريخ إنشائها وسير الشخصيات التي تحمل أسماءها، إلى جانب تسجيل شهادات الأهالي والباحثين وكل من يمتلك معرفة موثوقة بتاريخها.
كما أن توثيق المعالم التي تعرضت للهدم يحفظ معلومات قد تتعذر استعادتها لاحقًا، ويتيح للباحثين دراسة التغيرات التي طرأت على المشهد المكاني والرمزي. وتبرز هنا مسؤولية المؤسسات الثقافية والبلديات والجامعات والباحثين والعائلات في بناء أرشيف فلسطيني للنصب التذكارية، بحيث تصبح هذه المعالم جزءًا من المعرفة التاريخية المتاحة للأجيال القادمة.
فحفظ الذاكرة يحتاج إلى عمل مؤسسي مستمر، يجمع بين البحث الميداني والتوثيق البصري والرواية الشفوية والتحقق من المعلومات.
تُظهر الوقائع التي سُجلت خلال العام امتدادًا جغرافيًا يتجاوز محافظة واحدة. ففي القدس، برز مخيم شعفاط وبيت دقّو، وفي نابلس ومحيطها ظهرت مادما والبلطة والجلب والطيبة وطواقم وعراق بورين وبيتا وبيت فوريك وروجيب وعزموط وبرقة والسيلة الحارثية، إلى جانب مواقع أخرى وردت في التسلسل الزمني.
وفي سلفيت سُجلت ياسوف، وفي جنين يعبد وعجة، وفي رام الله والبيرة بيرزيت وأبو فلاح والجلزون ونصيرا والريحان ودير أبو نعين، فيما امتدت الوقائع إلى أم الخير والطيبة – دورا، ثم إلى مدينة الخليل وبلدة دورا.
ولا تتشابه هذه المواقع في طبيعتها؛ فبعضها نصب فردية، وبعضها صروح جماعية أو ساحات شهداء، وبعضها جداريات أو أضرحة أو لافتات وصور. كما لا تتشابه الوقائع في الجهة المنفذة أو طبيعة الضرر؛ فهناك عمليات هدم نفذتها قوات الاحتلال، وأخرى نُسبت إلى مستوطنين، إلى جانب إزالة صور وتوجيه إخطارات باستهداف معالم قائمة.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن الحصيلة لا تُقرأ بعدد النصب وحده. فقد تتضمن الواقعة الواحدة أكثر من معلم، وقد يصف مصدر موقعًا بأنه صرح تذكاري بينما يسميه آخر ميدان الشهداء، كما أن تخريب صورة أو جدارية لا يساوي بالضرورة هدم نصب كامل. لذلك، فإن التوثيق الدقيق لكل موقع وتاريخه ونوع الاعتداء هو الطريق الأكثر أمانة لتقديم صورة واضحة عن حجم الاستهداف.
من مخيم شعفاط وبيت دقّو ومادما في الأشهر الأولى من العام، إلى أم الخير ومنطقة الجلب والطيبة وطواقم، ثم بيرزيت والسيلة الحارثية ونابلس وياسوف ويعبد ونصيرا والريحان وأبو فلاح والجلزون ودير أبو نعين، وصولًا إلى عجة ومادما وعراق بورين وبيتا وبيت فوريك وروجيب وعزموط وكفر قدوم، ثم الخليل ودورا في 29 تشرين الأول/أكتوبر، تتراكم الوقائع في سجل يمتد على مدار العام.
ولا تتشابه جميع هذه الوقائع في الجهة المنفذة أو طريقة الاعتداء؛ فبعضها هدم نفذته قوات الاحتلال، وبعضها تخريب نُسب إلى مستوطنين، وبعضها يتعلق بإزالة صور أو جداريات أو لافتات، أو بإخطارات تستهدف معالم قائمة. لكن القاسم المشترك بينها أن كل واقعة تطال علامة مرتبطة بأسماء أو شخصيات أو أحداث حاضرة في ذاكرة المجتمع المحلي.
إن هدم النصب لا يمحو تلقائيًا أسماء الشهداء من ذاكرة عائلاتهم، ولا يلغي ما تحفظه الصور والسجلات والشهادات. لكنه يزيل علامة مادية كانت موجودة في المكان، ويغيّر الطريقة التي تظهر بها الذاكرة في الشارع والساحة ومدخل القرية والحرم الجامعي.
ولهذا، فإن توثيق كل نصب، وتصويره قبل الهدم وبعده، وحفظ الأسماء المكتوبة عليه، وتسجيل تاريخ الاعتداء والجهة المنفذة، ليست تفاصيل تكميلية، بل جزء من حفظ الوقائع نفسها. فحين يُهدم النصب، تصبح دقة التوثيق ضرورة، حتى لا يُمحى الموقع من المشهد مرة، ثم يغيب اسمه من الرواية مرة أخرى.
قد تُزال الحجارة، وقد تتغير ملامح الساحات والمداخل، لكن سيرة الشهيد لا تختصر في نصب، وذاكرة المدينة لا تختصر في معلم واحد. وبين ميسرة أبو حمدية في الخليل، وباجس أبو عطوان في دورا، وشيرين أبو عاقلة في عجة، والأسماء التي حملتها صروح مادما وبيتا وعراق بورين وبيت فوريك وروجيب وعزموط، تبقى مسؤولية التوثيق قائمة: أن يُحفظ الاسم، وأن تُروى السيرة، وأن يُسجل المكان الذي استُهدف والتاريخ الذي وقع فيه الاعتداء، حتى لا تتحول إزالة المعلم إلى غياب ثانٍ لأصحاب الأسماء التي كان يحملها.