2026-10-11 10:46
فلسطين – البعد الرابع (4dPAL)
حذّر لورانس ويلكرسون، العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي والرئيس السابق لمكتب وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول، من مخاطر اتساع الحرب مع إيران، معتبرًا أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى مواصلة المواجهة العسكرية، حتى في ظل ارتفاع كلفتها ومخاطر خروجها عن السيطرة.
وفي مقابلة مع برنامج "ديموكراسي ناو" في 10 مارس/آذار 2026، ذهب ويلكرسون إلى أبعد من التحذير من استمرار الحرب، إذ قال إن نتنياهو قد يلجأ إلى استخدام سلاح نووي إذا تدهورت الأوضاع العسكرية بالنسبة إلى إسرائيل. وطرح هذا الاحتمال في سياق قراءته للمخاطر التي قد تنشأ إذا واجهت إسرائيل ضربات إيرانية متصاعدة، لكنه لم يقدم دليلًا مستقلًا يثبت وجود قرار إسرائيلي باستخدام السلاح النووي.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية الأميركية والإسرائيلية بشأن إيران، وسط خلافات حول أهداف الحرب، ومدى جدوى استمرار العمليات، والخيارات المتاحة لإنهاء المواجهة. كما تثير التطورات تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على ضبط مسار التصعيد، في ظل اختلاف الأولويات بين الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو.
استند ويلكرسون في تحذيره إلى اعتقاده بأن نتنياهو ينظر إلى المواجهة مع إيران من منظور أمني واستراتيجي يتجاوز أهداف العمليات العسكرية المحدودة. ورأى أن استمرار الحرب قد يضع إسرائيل أمام ضغوط متزايدة، وأن ذلك قد يدفع قيادتها إلى التفكير في خيارات أشد خطورة إذا اعتقدت أن قدراتها التقليدية لم تعد كافية لاحتواء التهديدات.
وفي المقابلة نفسها، انتقد ويلكرسون طريقة إدارة الحرب والخطاب الأميركي بشأنها، محذرًا من أن استمرار العمليات العسكرية قد يفضي إلى نتائج تتجاوز ما تتوقعه واشنطن. كما أثار تساؤلات بشأن مبررات دخول الولايات المتحدة الحرب، والكلفة السياسية والعسكرية التي قد يتحملها ترامب إذا طال أمدها وارتفعت الخسائر.
غير أن تقديرات ويلكرسون تظل قراءة شخصية لمسار الحرب ومخاطرها، وليست إعلانًا رسميًا عن نوايا الحكومة الإسرائيلية أو تقييمًا استخباراتيًا منشورًا بشأن استخدام السلاح النووي.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة في تناول الملف النووي، إذ إن الحديث عن احتمال استخدام سلاح نووي يختلف عن إثبات وجود خطة أو قرار فعلي بهذا الشأن. وحتى الآن، لا يكفي تصريح ويلكرسون وحده لإثبات أن نتنياهو اتخذ قرارًا من هذا النوع.
لا ينفصل تحذير ويلكرسون عن العلاقة المعقدة بين نتنياهو وترامب، خصوصًا في ظل اختلاف الحسابات المتعلقة بكيفية التعامل مع إيران. فبينما تعتبر إسرائيل البرنامج النووي الإيراني وقدرات طهران الصاروخية من أبرز مصادر التهديد لأمنها، تواجه الإدارة الأميركية حسابات أوسع تتصل بكلفة الحرب، وأمن القوات الأميركية في المنطقة، وأسواق الطاقة، واحتمالات اتساع المواجهة.
وفي تقرير نشرته وكالة «رويترز» في 15 يونيو/حزيران 2026، تناولت الوكالة الخلافات بين واشنطن وتل أبيب عقب اتفاق أميركي إيراني لوقف الأعمال القتالية مؤقتًا وفتح الباب أمام مفاوضات بشأن البرنامج النووي. وأشار التقرير إلى أن نتنياهو كان ينظر بقلق إلى الاتفاق، خشية أن يحد من قدرة إسرائيل على مواصلة العمليات العسكرية من دون معالجة جميع مخاوفها المتعلقة بإيران.
وذكر التقرير أن ترامب سعى إلى إخراج الولايات المتحدة من المواجهة المباشرة، بينما أرادت الحكومة الإسرائيلية ضمان استمرار الضغط على إيران وعدم تقييد خياراتها العسكرية. وأظهرت هذه التطورات أن التقارب الاستراتيجي بين الطرفين لا يعني تطابقًا دائمًا في الأهداف أو في تقدير كلفة استمرار الحرب.
ويعني ذلك أن قرار التصعيد لا يرتبط فقط بتقديرات نتنياهو، بل يتأثر أيضًا بموقف البيت الأبيض، وقدرة الرئيس الأميركي على الموازنة بين المطالب الإسرائيلية والمصالح الأميركية الأوسع. فواشنطن تمتلك دورًا محوريًا في توفير الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، لكنها تتحمل في المقابل مخاطر مباشرة إذا امتدت المواجهة إلى القواعد الأميركية أو طرق الملاحة أو أسواق الطاقة.
وعادت احتمالات التصعيد إلى الواجهة في أكتوبر/تشرين الأول، مع تقارير تحدثت عن إعداد خيارات عسكرية أميركية جديدة ضد إيران.
ففي 7 أكتوبر/تشرين الأول، أفاد موقع «أكسيوس» بأن القيادة المركزية الأميركية تلقت توجيهات باستكمال الاستعدادات لعمليات عسكرية واسعة محتملة ضد أهداف إيرانية، في وقت لم يكن فيه ترامب قد اتخذ قرارًا نهائيًا بشأن تنفيذها أو توقيتها. وتحدث التقرير عن احتمالات استهداف منشآت مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية والبرنامج النووي الإيراني.
وفي اليوم نفسه، نشرت مجلة «ذا أتلانتيك» تقريرًا أفاد بأن البيت الأبيض طلب من وزارة الدفاع إعداد خيارات لضرب أهداف إيرانية قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، مع استمرار النقاش داخل الإدارة بشأن توقيت أي عملية محتملة وحجمها وأهدافها.
وأشار التقرير إلى أن الإدارة كانت تدرس انعكاسات القرار على المشهد السياسي الداخلي، في ظل ارتفاع كلفة الحرب ومخاوف من تداعياتها الاقتصادية، خصوصًا أسعار الوقود والتضخم. لكنه أكد أن إعداد الخيارات العسكرية لا يعني أن ترامب اتخذ قرارًا نهائيًا بتنفيذها.
وتكشف هذه التقارير أن الخيارات العسكرية ظلت مطروحة رغم محاولات التهدئة السابقة. إلا أن وجود خطط عملياتية أو استعدادات عسكرية لا يثبت وحده أن قرار العودة إلى الحرب قد اتُّخذ، كما لا يعني أن التصعيد سيصل بالضرورة إلى استخدام أسلحة نووية.
يحتل البرنامج النووي الإيراني موقعًا أساسيًا في الخلاف بين طهران وواشنطن وتل أبيب. وتقول إسرائيل إن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا، فيما تؤكد طهران أن برنامجها النووي لا يهدف إلى إنتاج قنبلة نووية.
وفي تقرير نشرته "رويترز" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تناولت الوكالة وضع مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو/حزيران 2025. وأوضحت أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت قد قدّرت، قبل تلك الضربات، امتلاك إيران نحو 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة.
وبحسب التقرير، لا تزال هناك تساؤلات بشأن كمية المواد التي بقيت بعد الضربات ومواقعها الدقيقة، في ظل القيود المفروضة على وصول المفتشين الدوليين إلى المنشآت المستهدفة. كما نقلت رويترز أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تكن قد وجدت دليلًا موثوقًا على وجود برنامج منسق نشط لإنتاج أسلحة نووية، رغم المخاوف المرتبطة بمستوى التخصيب وحجم المخزون.
وتبرز هذه المعطيات أهمية التمييز بين امتلاك مواد نووية مخصبة، والقدرة التقنية على رفع مستوى تخصيبها، واتخاذ قرار سياسي وعسكري بإنتاج سلاح نووي أو استخدامه. فهذه مراحل مختلفة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها أمرًا واحدًا.
كما أن الغموض المحيط بمصير بعض المواد والمنشآت يجعل التحقق الدولي عنصرًا أساسيًا في تقييم الوضع، ويزيد صعوبة إصدار أحكام قاطعة بشأن القدرات النووية الإيرانية الحالية أو المدة اللازمة لاستئناف أنشطة التخصيب.
يمثل الحديث عن احتمال استخدام السلاح النووي أحد أكثر جوانب تصريحات ويلكرسون خطورة، لأنه ينقل النقاش من حدود الحرب التقليدية إلى احتمال استخدام سلاح ذي آثار إنسانية وبيئية واسعة.
لكن تقييم هذا الاحتمال يتطلب الفصل بين التحذيرات السياسية والعسكرية، وبين الأدلة التي تثبت وجود نية أو استعداد فعلي. فويلكرسون قدم تقديرًا لما قد يلجأ إليه نتنياهو إذا واجهت إسرائيل وضعًا عسكريًا بالغ الصعوبة، لكنه لم يعرض وثيقة أو قرارًا رسميًا يثبت أن إسرائيل تدرس استخدام السلاح النووي في المرحلة الحالية.
وتعتمد إسرائيل سياسة الغموض بشأن امتلاك الأسلحة النووية، فلا تؤكد رسميًا امتلاك ترسانة نووية ولا تنفيه بالطريقة التقليدية التي تتبعها الدول المعلنة عن قدراتها. وهذا الغموض يجعل الحديث عن نوايا الاستخدام المحتملة أكثر حساسية، لكنه لا يحول التوقعات أو التصريحات الفردية إلى دليل على وجود قرار وشيك.
ومن شأن أي استخدام نووي أن يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز ساحة المواجهة، تشمل خسائر بشرية واسعة، وتلوثًا إشعاعيًا، واحتمالات توسع الحرب إقليميًا، فضلًا عن أزمة دولية قد تعيد تشكيل العلاقات والتحالفات في المنطقة. ولهذا، فإن مجرد طرح هذا الاحتمال يعكس خطورة السيناريو الذي يحذر منه ويلكرسون، لا أنه نتيجة مؤكدة لمسار الحرب.
لا تقتصر مخاطر الحرب على إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، إذ يمكن لأي تصعيد واسع أن يمتد إلى دول أخرى في المنطقة، سواء من خلال استهداف القواعد العسكرية، أو توسيع نطاق الضربات، أو تعطيل الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة.
وتُعد أسواق النفط والممرات البحرية من أبرز نقاط التأثر المحتملة، خصوصًا إذا اتسعت المواجهة لتشمل مضيق هرمز أو طرق الشحن الإقليمية. وقد يؤدي اضطراب الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل، بما ينعكس على اقتصادات تعتمد على استيراد الوقود والسلع الأساسية.
أما عسكريًا، فإن استمرار الضربات المتبادلة قد يرفع احتمالات الخطأ في التقدير، ويجعل احتواء المواجهة أكثر صعوبة، خصوصًا إذا تعرضت منشآت استراتيجية أو مواقع مدنية لأضرار كبيرة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح قنوات الاتصال والوساطة الدبلوماسية ضرورية لمنع انتقال الصراع إلى مراحل يصعب التراجع عنها.
وتتصل هذه المخاطر أيضًا بحسابات الإدارة الأميركية؛ فكلما ارتفعت كلفة المواجهة على القوات الأميركية والاقتصاد وأسواق الطاقة، ازدادت أهمية تحديد أهداف الحرب ومدتها وشروط إنهائها.
تسلط تصريحات ويلكرسون الضوء على مخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى تضييق الخيارات السياسية أمام الأطراف المتحاربة، بحيث يصبح التصعيد وسيلة للرد على الإخفاقات العسكرية بدلًا من أن يكون جزءًا من استراتيجية واضحة لإنهاء الصراع.
لكن المعطيات المنشورة لا تسمح بالجزم بأن نتنياهو يجر ترامب حتمًا نحو حرب جديدة، أو بأن الخيار النووي أصبح قرارًا إسرائيليًا قائمًا. فهذه استنتاجات تتجاوز ما تثبته المصادر المتاحة، ويجب أن تبقى منسوبة إلى صاحبها بوصفها تحذيرات وتقديرات.
في المقابل، تُظهر التقارير المتعلقة بإعداد الخيارات العسكرية الأميركية أن احتمال تجدد الضربات لا يزال حاضرًا في الحسابات السياسية والعسكرية، رغم عدم إعلان قرار نهائي بشأن تنفيذها. كما تؤكد الخلافات السابقة بين واشنطن وتل أبيب أن الطرفين قد يتفقان على احتواء البرنامج النووي الإيراني، لكنهما يختلفان بشأن الوسائل والتوقيت والحدود المقبولة للتصعيد.
وفي المحصلة، يطرح تحذير ويلكرسون سؤالًا أساسيًا حول قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إبقاء المواجهة ضمن حدود يمكن التحكم فيها، ومنع تحولها إلى صراع إقليمي أوسع. أما الحديث عن استخدام السلاح النووي، فيظل سيناريو بالغ الخطورة لا تثبته تصريحات ويلكرسون وحدها، لكنه يوضح حجم المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب وغياب تسوية سياسية واضحة إلى رفع مستوى المخاطر على المنطقة والعالم.
