2026-09-07 11:05
مع اقتراب موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية، لا يستعد المزارع الفلسطيني لأدوات القطاف والمعاصر فقط، بل يستعد أيضًا لموسم آخر من القلق: هل سيتمكن من الوصول إلى أرضه أصلًا؟
ففي الوقت الذي تستعد فيه العائلات الفلسطينية لموسم يُعد من أهم مصادر دخلها، تتزايد المخاوف من اعتداءات المستوطنين، واقتلاع الأشجار، وإتلاف المحاصيل، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
وتأتي هذه المخاوف بعد سلسلة من الاعتداءات التي طالت الأراضي الزراعية والأشجار في مناطق مختلفة من الضفة، بالتزامن مع اقتراب موسم الزيتون المتوقع أن يبدأ مطلع الشهر المقبل.
بالنسبة لآلاف العائلات الفلسطينية، لا يمثل الزيتون محصولًا موسميًا فحسب، إنه دخل سنوي يعتمد عليه المزارع في تأمين احتياجات أسرته، كما ترتبط به سلسلة اقتصادية واسعة تشمل القطاف والنقل والمعاصر والتعبئة والتسويق.
ولهذا فإن الاعتداء على شجرة الزيتون لا ينتهي عند لحظة اقتلاعها أو حرقها؛ فالضرر قد يمتد إلى موسم كامل من الدخل، بل إلى سنوات، لأن الشجرة التي تُقتلع اليوم تحتاج سنوات طويلة حتى تعود إلى الإنتاج.
وتشير تقارير حديثة إلى أن تصاعد عنف المستوطنين، إلى جانب الحواجز والتأخير والقيود على الحركة، أصبح يهدد مصدر دخل حيويًا للعديد من المزارعين الفلسطينيين.
وقبل وصول العائلات إلى حقولها، شهدت مناطق في الضفة عمليات اقتلاع وتجريف لأشجار الزيتون.
وفي عرابة جنوب جنين، وثقت تقارير حديثة عمليات تجريف واقتلاع لأشجار زيتون قبيل موسم القطاف، فيما تحدثت مصادر عن استمرار أعمال التجريف لليوم الثاني.
وفي مناطق أخرى، لا تتوقف المخاوف عند الأشجار نفسها، بل تمتد إلى قدرة أصحاب الأراضي على الوصول إليها، في ظل انتشار البؤر الاستيطانية والاعتداءات والقيود المفروضة على حركة المزارعين.
وهكذا يبدأ موسم الزيتون بسؤال مختلف:
ليس كم كيلوغرامًا ستنتج الشجرة؟ بل هل سيصل صاحبها إليها؟
تقول تقارير فلسطينية إن اعتداءات المستوطنين خلال المواسم الزراعية شملت مهاجمة المزارعين وقطّاف الزيتون، ومنع الوصول إلى الأراضي، وإتلاف الأشجار وسرقة المحاصيل.
وفي أحدث تطورات الضفة، استشهد الشاب الفلسطيني عمر الطوباس وأصيب آخرون في هجمات نفذها مستوطنون مسلحون في محافظة قلقيلية، وفق ما أوردته الجزيرة نقلًا عن مصادر فلسطينية وطبية. كما تحدثت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن 3488 اعتداءً للمستوطنين خلال النصف الأول من 2026، أسفرت عن مقتل 17 فلسطينيًا وتهجير العشرات، بحسب البيانات التي نقلتها الجزيرة.
هذه الأرقام لا تتعلق بالزيتون وحده، لكنها تعطي صورة عن البيئة التي يدخل فيها المزارع الفلسطيني إلى موسم القطاف.
أكثر ما يجعل استهداف الزيتون مؤلمًا للمزارعين هو طبيعة هذه الشجرة، فالزيتونة لا تُزرع لموسم واحد.
قد يقضي المزارع سنوات في رعايتها قبل أن تتحول إلى مصدر إنتاج ثابت، ولذلك فإن اقتلاعها يعني تدمير استثمار زراعي طويل الأمد.
ومع كل شجرة تُقتلع، يخسر المزارع محصولًا حاضرًا ومستقبلًا في الوقت نفسه.
وتشير تقارير حديثة إلى تدمير أكثر من 6 آلاف شجرة زيتون في سياق اعتداءات المستوطنين، مع انعكاسات تتجاوز خسارة الأشجار إلى سلسلة اقتصادية كاملة تعتمد على موسم الزيتون.
في الظروف الطبيعية، يكون موسم الزيتون موعدًا اجتماعيًا ينتظره الفلسطينيون؛ تتجمع العائلات في الحقول، ويعمل الأبناء إلى جانب آبائهم، وتنقل الثمار إلى المعاصر قبل أن تعود إلى البيوت على شكل زيت.
لكن بالنسبة إلى بعض المزارعين اليوم، أصبحت عملية القطاف نفسها مرتبطة بالقدرة على الوصول إلى الأرض بأمان.
ومع اقتراب الموسم، يخشى المزارعون من تكرار مشاهد المنع والاعتداءات وإتلاف الأشجار والمحاصيل، بما قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج ووقوع خسائر مباشرة على العائلات الزراعية.
لا يمكن اختزال خسائر الزيتون في سعر الشجرة أو كمية الزيت التي تنتجها؛ فالزيتون جزء من الاقتصاد الريفي الفلسطيني، وقطعه يعني إضعاف مصدر دخل، وإتلاف أرض زراعية، وضرب حرفة مرتبطة بها أجيال من العائلات.
كما أن استهداف الأشجار يأتي في سياق أوسع من التوسع الاستيطاني والسيطرة على الأراضي الزراعية؛ إذ وثقت تقارير حديثة عمليات تجريف واسعة في منطقة عرابة طالت بساتين زيتون وأراضي زراعية، بالتزامن مع توسع الاستيطان في المنطقة.
مع اقتراب موعد القطاف، يقف المزارع الفلسطيني أمام موسم يفترض أن يكون موسم رزق وفرح، لكنه يبدأ هذه المرة بحسابات مختلفة.
كم شجرة بقيت؟
هل يمكن الوصول إليها؟
هل ستصل الثمار إلى المعصرة؟
وهل ستتمكن العائلة من بيع إنتاجها بعد أشهر من العمل؟
هذه الأسئلة تجعل موسم الزيتون في الضفة أكثر من مناسبة زراعية، إنه اختبار لقدرة المزارع على حماية مصدر رزقه وأرضه في مواجهة اعتداءات متكررة، فالزيتونة التي يقف الفلسطيني أمامها في موسم القطاف ليست مجرد شجرة.
إنها سنوات من العمل، ومصدر رزق لعائلة، وذاكرة قرية، وجزء من علاقة الفلسطيني بأرضه.
ومع اقتراب "أبو المواسم"، يبقى السؤال الأثقل:
هل يصل الفلسطيني إلى زيتونه هذا العام.. أم تصل اعتداءات المستوطنين إلى الثمر قبل صاحبه؟
