
2026-07-21 07:53
رام الله – رنيم علوي - 4D Pal
في الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم تتجه إلى نهائي كأس العالم لمتابعة تتويج بطلٍ جديد، كانت قرية ديرجرير شرق رام الله تعيش ليلة مختلفة، بعدما تحولت ساعات الاحتفال العالمي إلى ساعات من القلق والفقد، إثر هجوم نفذه مستوطنون تحت حماية قوات الاحتلال، أسفر عن استشهاد اثنين من أبناء القرية، عودة صالحة وأحمد مخو.
وشهدت القرية، وفق شهادات الأهالي، حالة من التوتر بعد محاولة مستوطنين الاعتداء على ممتلكات أحد أبناء القرية، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات تخللها إطلاق نار كثيف، وانتهت باستشهاد الشابين.
ديرجرير … قرية مرتبطة بالأرض والهوية
تقع دير جرير إلى الشرق من مدينة رام الله، وتعد من القرى الفلسطينية التي ارتبطت حياة سكانها بالأرض والزراعة على مدار عقود طويلة، فيما تشكل الأراضي الزراعية بالنسبة لأهالي القرية جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية، ليس فقط كمصدر للرزق، بل باعتبارها امتداداً للهوية والذاكرة الجماعية.
ويقول أهالي القرية إن الاعتداءات المتكررة على أراضيهم وممتلكاتهم جعلت حماية الأرض والحفاظ عليها جزءاً من واقعهم اليومي، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بتواجد المستوطنين في المنطقة.
هجوم وصفته القرية بأنه "ساحة حرب"
وصفت عضو المجلس القروي في ديرجرير، ريان علوي، في حديثها لـ "البعد الرابع" ما شهدته القرية بأنه "أشبه بساحة حرب"، ناعيةً الشهيد عودة صالحة، عضو المجلس القروي، والشاب أحمد مخو، ومؤكدة أن استشهادهما شكّل صدمة كبيرة لأهالي القرية.
وقالت علوي: " إن الشهيد عودة صالحة لم يكن مجرد عضو في المجلس القروي، بل كان من الشخصيات التي كرّست جهودها لخدمة القرية، وعُرف بحضوره في العمل المجتمعي ووقوفه إلى جانب أبناء ديرجرير في مختلف المواقف، الأمر الذي جعل خبر استشهاده يترك أثراً بالغاً في نفوس الأهالي".
وأضافت أن الأحداث بدأت عندما حاول مستوطنون سرقة أغنام أحد أبناء القرية، فتدخل الأهالي لمنع عملية السرقة ووقف توغل المستوطنين، قبل أن تتصاعد الأحداث مع إطلاق نار كثيف من قبل قوات الاحتلال باتجاه أبناء القرية.
وأكدت علوي أن رسالة أبناء ديرجرير تتمثل في التمسك بأرضهم والحفاظ على نسيجهم الاجتماعي والمجتمعي، مشددة على ضرورة حماية المدنيين ومنع تكرار مثل هذه الأحداث وتحقيق العدالة وفق القانون.
كما أشارت إلى أهمية وقوف الجهات المختصة إلى جانب القرية، معتبرة أن ذلك يمثل دعماً لصمود المواطنين وثباتهم في مواجهة الاعتداءات المتصاعدة.
إطلاق نار كثيف واعتداءات على الأهالي
وبحسب شهادة إحدى شاهدات العيان، فإن الهجوم شهد إطلاقاً كثيفاً للرصاص الحي واستخداماً لقنابل الغاز، مؤكدة أن الشبان الذين توجهوا إلى المكان بعد نداءات الاستغاثة تعرضوا لإطلاق النار.
وقالت الشاهدة :" إن الشهيد أحمد مخو مر أمامها خلال الأحداث قبل أن تتم إصابته، مضيفة أن حالة من الخوف سادت بين الأهالي نتيجة شدة إطلاق النار وتصاعد التوتر في المنطقة".
كما تحدثت عن اعتداءات طالت ممتلكات الأهالي، مشيرة إلى أن ما جرى لم يكن حادثة منفصلة، بل يأتي ضمن سلسلة من الاعتداءات التي تواجهها القرية.
نقل الخبر من داخل القرية يحمل مسؤولية مختلفة
ولم تكن مهمة نقل تفاصيل الحدث سهلة بالنسبة للصحفيين من أبناء القرية، إذ حملت التغطية بعداً إنسانياً إلى جانب المسؤولية المهنية.
وقالت الصحفية نجد علوي، في حديثها لـ"البعد الرابع": "إن تغطية الهجمات التي تتعرض لها القرية تحمل دائماً حالة من الخوف والقلق، لأنها لا تتعامل مع أسماء مجهولة، بل مع أشخاص تعرفهم وتراهم بشكل يومي".
وأضافت نجد أن محاولة الفصل بين العمل الصحفي والمشاعر الشخصية تكون صعبة عندما يتعلق الأمر بأبناء المكان، موضحة أن نقل خبر استشهاد أشخاص من القرية يمثل لحظة قاسية على الصحفي الذي ينتمي إلى المجتمع نفسه.
وأشارت إلى أن التوثيق يبقى عنصراً أساسياً في نقل الحقيقة، موضحة أن الصورة والصوت يساعدان في نقل حجم الأحداث وتفاصيلها، بما في ذلك أصوات الرصاص ونداءات الاستغاثة وحالة الأهالي خلال الهجوم.
وأكدت ضيفتنا أن الصحفي ابن المكان يمتلك مسؤولية إضافية، لأنه لا ينقل حدثاً بعيداً عنه، بل يوثق جزءاً من ذاكرة قريته ويحافظ على تفاصيل قد تضيع مع مرور الوقت.
بين احتفال عالمي وذاكرة محلية
تزامن استشهاد أبناء ديرجرير مع نهائي كأس العالم، في مشهد جمع بين حدثين مختلفين؛ عالم تابع لحظة رياضية عالمية، وقرية فلسطينية عاشت لحظة فقد وألم.
لكن بالنسبة لأهالي ديرجرير، فإن ما حدث لا يمثل مجرد خبر عابر، بل جزءاً من ذاكرة المكان وأبنائه، فالأرض التي ارتبطوا بها لعقود طويلة تحمل قصصهم وأسماءهم، وتبقى شاهدة على الأحداث التي مروا بها.
وبينما تنتهي المباريات وتُحفظ نتائجها في سجلات الرياضة، تبقى ذاكرة القرى مرتبطة بأبنائها الذين فقدتهم، وبالأرض التي يصر أهلها على البقاء فيها والدفاع عنها.
وفي ديرجرير، لا تزال الحكاية تُروى بأصوات أهلها؛ من شهادات من عاشوا تفاصيل تلك الليلة، ومن الصحفيين الذين وثقوا أحداثها، ومن مجتمع يتمسك بأرضه، مؤمناً بأن الذاكرة، كما الأرض، لا تنسى أبناءها.