اقتصاد

الأزمة الاقتصادية في فلسطين.. حين تتحول الاحتياجات اليومية إلى عبء على الأسر

Case

2026-10-09 09:12

Copy Link

فلسطين – البعد الرابع (4dPAL)

لم تعد الأزمة الاقتصادية في فلسطين تُقاس فقط بأرقام البطالة أو مؤشرات النمو، بل بما تتركه من أثر مباشر في حياة الناس اليومية؛ من أسرة تعيد ترتيب أولوياتها مع بداية كل شهر، إلى عامل فقد مصدر دخله، وصاحب محل يحاول الحفاظ على مشروعه، وخريج يبحث عن وظيفة تضمن له بداية مستقرة.

في ظل تراجع فرص العمل، وتذبذب الدخل، وارتفاع الأعباء المعيشية، باتت عائلات كثيرة تواجه معادلة صعبة: كيف توفّر احتياجاتها الأساسية، وتحافظ على مستوى معيشي مقبول، في وقت تتقلص فيه الخيارات المتاحة أمامها؟

اقتصاد لم يتعافَ من أزمته

تعكس البيانات الرسمية حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني. فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد الفلسطينية، تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال عام 2025 بنسبة 24% مقارنة بعام 2023، رغم تسجيل ارتفاع بنحو 4% مقارنة بعام 2024.

ويشير هذا التراجع إلى أن التحسن المسجل بين عامي 2024 و2025 لم يكن كافيًا لتعويض الخسائر المتراكمة خلال الفترة نفسها. كما تفاوتت الأوضاع بصورة كبيرة بين الضفة الغربية وقطاع غزة؛ إذ انكمش الناتج المحلي في غزة بنحو 84% مقارنة بعام 2023، مقابل تراجع بلغ 13% في الضفة الغربية.

ولا تنعكس هذه الأرقام على المؤسسات والقطاعات الاقتصادية وحدها، بل تصل آثارها إلى الأسر التي تعتمد على الأجور اليومية، والمنشآت الصغيرة التي تحتاج إلى حركة تجارية مستمرة، والعاملين الذين فقدوا وظائفهم أو تراجعت دخولهم.

البطالة تضغط على العائلات

تُعد البطالة من أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية، خصوصًا عندما يفقد العامل مصدر دخله ولا يجد بديلًا سريعًا. وفي الضفة الغربية، بلغ معدل البطالة نحو 28.7% خلال عام 2025، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وتتجاوز آثار البطالة الشخص الذي فقد وظيفته، إذ تمتد إلى أفراد أسرته الذين يعتمدون على دخله لتغطية تكاليف الطعام والسكن والتعليم والمواصلات والعلاج. ومع استمرار غياب الدخل، قد تضطر الأسرة إلى تأجيل بعض احتياجاتها، أو الاستدانة، أو الاعتماد على مساعدة الأقارب.

كما أن فقدان الوظيفة لا يعني دائمًا التوقف الكامل عن العمل؛ فقد يلجأ بعض الأشخاص إلى أعمال مؤقتة أو غير منتظمة، لا توفر لهم دخلًا ثابتًا أو ضمانًا لاستمرار العمل. وهنا تصبح المشكلة مرتبطة ليس فقط بتوفر الوظائف، بل بنوعيتها وقدرتها على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

المحال الصغيرة بين تراجع المبيعات وتكاليف التشغيل

في الأسواق الفلسطينية، ترتبط حركة المحال التجارية بقدرة المواطنين على الإنفاق. فعندما يتراجع دخل الأسر، تصبح الأولوية للسلع الأساسية، وقد تتأجل مشتريات أخرى، ما ينعكس على إيرادات بعض الأنشطة التجارية والخدمية.

ويواجه أصحاب المشاريع الصغيرة تحديات متداخلة، تشمل الإيجارات وتكاليف التشغيل وتوفير البضائع والالتزامات المالية. وقد يجد صاحب المحل نفسه مضطرًا إلى خفض النفقات أو تقليص ساعات العمل أو تأجيل التوسع، في محاولة للحفاظ على مشروعه.

وتزداد صعوبة هذه الظروف بالنسبة إلى المشروعات التي لا تمتلك احتياطيًا ماليًا يسمح لها بتحمل فترات الركود. فاستمرار تراجع المبيعات قد يتحول إلى مشكلة تتجاوز صاحب المشروع، لتؤثر في العاملين لديه والموردين والأنشطة المرتبطة به.

قيود الحركة والعمل تزيد الضغوط

لا تنفصل الأزمة الاقتصادية عن الظروف الميدانية والسياسية التي تؤثر في حركة العمال والبضائع والنشاط التجاري. فقد أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقاريره خلال عام 2026 إلى استمرار تأثير القيود على الحركة، وتراجع فرص العمل، والضغوط المالية في الظروف المعيشية وسبل كسب الرزق في الضفة الغربية.

كما أن عدد الفلسطينيين الذين تمكنوا من العودة إلى العمل في إسرائيل بقي، وفق بيانات أوردها المكتب عن أواخر عام 2025، أقل بكثير من مستوياته السابقة لشهر تشرين الأول/أكتوبر 2023. ويؤثر ذلك في العمال وأسرهم، وكذلك في الأسواق المحلية التي كانت تستفيد من جزء من دخولهم.

وتنعكس صعوبة التنقل بين المدن والبلدات على بعض الأنشطة التجارية والخدمية، إذ قد تزيد كلفة الوصول إلى أماكن العمل والأسواق، وتؤخر نقل البضائع، وتحد من قدرة بعض المنشآت على مواصلة نشاطها بصورة طبيعية.

كيف تتعامل الأسر مع الأزمة؟

أمام هذه الضغوط، تحاول الأسر إعادة تنظيم نفقاتها وفق الأولويات. وقد يعني ذلك تقليص المشتريات غير الضرورية، أو البحث عن مصادر دخل إضافية، أو تأجيل بعض الخطط المرتبطة بالتعليم والسكن وتأسيس الأسرة.

لكن قدرة العائلات على التكيف ليست متساوية؛ فهناك فرق بين أسرة تمتلك مدخرات أو أكثر من مصدر دخل، وأخرى تعتمد على راتب واحد أو عمل يومي غير مضمون. ولذلك، فإن استمرار الأزمة قد يوسع الفجوة بين الأسر في قدرتها على مواجهة المصروفات الطارئة والحفاظ على مستوى معيشي مستقر.

ولا يمكن قياس حجم هذه الضغوط بالأرقام الاقتصادية وحدها؛ إذ يحتاج فهمها بصورة أدق إلى الاستماع إلى تجارب المواطنين، ومتابعة التغير في إنفاق الأسر، وأوضاع العاملين، وقدرة المنشآت الصغيرة على الاستمرار.

ما المطلوب لتخفيف الأعباء؟

تحتاج معالجة الأزمة إلى خطوات متكاملة، تبدأ بتوسيع فرص العمل وتحسين استقرار الدخل، ولا تنتهي عند دعم المشاريع الصغيرة وتسهيل وصولها إلى التمويل والأسواق. كما تبرز أهمية برامج الحماية الاجتماعية التي تصل إلى الأسر الأكثر تضررًا، وتساعدها على تلبية احتياجاتها الأساسية.

ويظل توفير بيئة تسمح بحرية الحركة والعمل والتجارة، إلى جانب تخفيف القيود التي تعرقل النشاط الاقتصادي، عاملًا أساسيًا في استعادة القدرة الإنتاجية وتحريك الأسواق. كما أن أي تحسن اقتصادي يحتاج إلى أن ينعكس على حياة المواطنين من خلال فرص عمل فعلية ودخل أكثر استقرارًا، لا أن يبقى محصورًا في المؤشرات العامة.

الأزمة في الأرقام.. والحياة في التفاصيل

تكشف المؤشرات الاقتصادية حجم التراجع الذي شهده الاقتصاد الفلسطيني، لكن الأثر الحقيقي للأزمة يظهر في تفاصيل الحياة اليومية: في العامل الذي يبحث عن مصدر دخل، والأسرة التي تحاول تغطية احتياجاتها، وصاحب المشروع الذي يسعى إلى تجنب الخسارة.

وبين هذه التحديات، يبقى التعافي الاقتصادي مرتبطًا بقدرة المؤسسات والقطاعات الإنتاجية على توفير فرص مستدامة، وبمدى تحسن الظروف التي تسمح للمواطنين بالعمل والإنتاج والتجارة.

فالأزمة الاقتصادية ليست مجرد أرقام تُنشر في التقارير؛ إنها واقع يختبر قدرة الأسر على الصمود، ويضع مستقبل آلاف العاملين والمشروعات الصغيرة أمام أسئلة مفتوحة عن الدخل والاستقرار والفرص المتاحة.

أقرأ ايضا