التمثيل الإستراتيجي وفخّ الزمن السياسي: من تعطيل الإرادة إلى خطر الوصاية


Case

2026-10-22 15:17

Copy Link

ليس الخطر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم مقتصراً على استمرار الاحتلال، أو تصاعد الاستيطان والتهجير، أو تعثر ترتيبات غزة؛ بل يمتد إلى احتمال أن تتراجع قدرتهم على تقرير مستقبلهم، فيما تتقدم القرارات والترتيبات التي تحدد هذا المستقبل دون امتلاكهم تمثيلاً سياسياً موحداً وفاعلاً، فحين تتأخر الشرعية عن تجديد نفسها، وتتسع الانقسامات، وتتراجع القدرة على المبادرة، يصبح الفلسطينيون معرضين لأن ينتقلوا من أصحاب قضية يسعون إلى تقرير مصيرهم إلى طرف يُطلب منه التكيف مع وقائع يصنعها الآخرون.

من هنا، لا ينبغي النظر إلى تأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى 11 أيلول/سبتمبر 2027 باعتباره مجرد تعديل في جدول زمني، بل بوصفه محطة تفتح سؤالاً أعمق عن مستقبل  القضية والسلطة والنظام السياسي الفلسطيني وقدرته على تمثيل شعبه، فالانتخابات التشريعية التي كان مقرراً إجراؤها في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 أُرجئت، في قرار استند فلسطينياً إلى العقبات الإسرائيلية والظروف التي تعيق إجراء انتخابات شاملة، فيما عبّرت فرنسا وأستراليا وكندا وبريطانيا عن أسفها للتأجيل، محذرة من تراجع الثقة بالمؤسسات الديمقراطية وداعية إلى إجراء الانتخابات دون مزيد من التأخير.

وفي موازاة ذلك، تتواصل التحولات التي تمس مستقبل الضفة الغربية، بينما تظل قضايا الحكم والأمن وإعادة الإعمار في غزة موضع ترتيبات ومفاوضات دولية وإقليمية معقدة، وهنا تكمن المفارقة كلما ازدادت القرارات التي تحدد مستقبل الفلسطينيين، ازدادت الحاجة إلى مرجعية وطنية متجددة وقادرة على التأثير؛ لكن استمرار الانقسام وتأجيل الاستحقاقات الديمقراطية يضعفان الأدوات التي يحتاج إليها الفلسطينيون لحماية إرادتهم ومصالحهم والسؤال الذي ينبغي أن يتقدم النقاش هوماذا يحدث عندما يستمر غياب التمثيل السياسي المتجدد، بينما تتسارع عملية إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني؟ وهل يملك الفلسطينيون ترف الانتظار حتى يقرر الآخرون شكل مستقبلهم، ثم محاولة التأثير في نتائجه؟

فجوة التمثيل الاستراتيجي

تتمثل هذه الفجوة في التباعد بين حجم التحولات التي تمس القضية الفلسطينية وقدرة الحالة الفلسطينية على التأثير في اتجاهاتها، فالفلسطينيون حاضرون في النقاشات المتعلقة بغزة والضفة الغربية وإعادة الإعمار ومستقبل الدولة، لكن حضور القضية على طاولات التفاوض لا يعني بالضرورة امتلاك أصحابها القدرة الكافية على تحديد شروط الحل أو التأثير في مخرجاته، ولا يمكن فهم هذه الفجوة بمعزل عن واقع الاحتلال والقيود الإسرائيلية على الحركة والعمل السياسي وإمكانات إجراء انتخابات شاملة، ولا عن الانقسام الداخلي وتعطل تجديد الشرعية، فالعاملان يتفاعلان معاً: الاحتلال يضيّق المجال السياسي الفلسطيني، والانقسام يضعف القدرة على مواجهته، وتأخر التجديد الديمقراطي يحدّ من قدرة المؤسسات على استعادة الثقة وتوحيد القرار.

وتتضح خطورة ذلك في غزة، حيث تطرح ترتيبات الحكم والأمن وإعادة الإعمار المرتبطة بقرار مجلس الأمن 2803 أسئلة جوهرية حول موقع الفلسطينيين في إدارة مستقبل القطاع، وفي الضفة الغربية حيث تتواصل السياسات التي تغيّر الوقائع الميدانية وتضغط على الوجود الفلسطيني وحقوقه.

إن المشكلة ليست في وجود أدوار دولية أو الحاجة إلى دعم خارجي، بل في احتمال أن تتوسع هذه الأدوار على حساب القرار الفلسطيني إذا ظل التمثيل الوطني منقسماً أو ضعيف الفاعلية، فالدعم الدولي يمكن أن يساعد على حماية الحقوق وإعادة الإعمار، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني، ولا أن يمنح ترتيبات مستقبلية شرعية لا تستند إلى تمثيله وموافقته.

الارتهان الزمني للشرعية

إذا كانت فجوة التمثيل تتعلق بضعف القدرة على التأثير، فإن الارتهان الزمني للشرعية يتعلق باستمرار تأجيل تجديد التفويض الشعبي، فكلما طال غياب الانتخابات، اتسعت المسافة بين المؤسسات والمواطنين، وأصبحت مسألة المساءلة وتجديد الثقة أكثر إلحاحاً، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تتطلب قرارات وطنية مصيرية، ولا تعني هذه القراءة تجاهل العقبات التي يفرضها الاحتلال، أو التقليل من صعوبة إجراء انتخابات تشمل القدس الشرقية وقطاع غزة والضفة الغربية، لكنها تعني أن هذه العقبات يجب أن تتحول إلى محور عمل سياسي وقانوني ودبلوماسي متواصل، لا إلى حالة انتظار مفتوحة لا يُعرف مداها أو شروط انتهائها.

لذلك، لا يكفي تثبيت موعد جديد في أيلول/سبتمبر 2027. المطلوب مسار معلن يحدد متطلبات إجراء الانتخابات، والضمانات اللازمة للحريات والتنافس، وآليات متابعة التنفيذ، وكيفية التعامل مع أي محاولة لتعطيل مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، كما ينبغي أن يتناول الحوار الوطني قواعد الشراكة السياسية، والعلاقة بين مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، وضمانات احترام النتائج.

فالحوار الذي لا ينتج التزامات قابلة للتنفيذ قد يخفف الخلافات مؤقتاً، لكنه لا يعالج أسبابها والانتخابات التي لا تحظى نتائجها بالاحترام قد تعيد إنتاج الانقسام بدلاً من إنهائه، ومن هنا، فإن تجديد الشرعية ليس إجراءً إدارياً منفصلاً عن الصراع، بل شرط لتعزيز قدرة الفلسطينيين على صياغة موقف وطني يحظى بالثقة داخل المجتمع، ويكون أكثر قدرة على التعامل مع الأطراف الخارجية. 

التمثيل الاستباقي

يتعلق التمثيل الاستباقي بانتقال الفلسطينيين من رد الفعل على القرارات الإسرائيلية والمبادرات الدولية إلى بلورة أولوياتهم والمشاركة الفاعلة في صياغة الترتيبات التي تمس مستقبلهم،فغياب الرؤية الوطنية الموحدة يفتح المجال أمام التعامل مع الملفات الفلسطينية بصورة مجزأة: غزة بوصفها ملفاً إنسانياً وأمنياً، والضفة الغربية بوصفها واقعاً ميدانياً يتغير تدريجياً، وإعادة الإعمار باعتبارها عملية فنية ومالية منفصلة عن الحقوق السياسية، وقد يؤدي هذا التجزؤ إلى إضعاف الصلة بين الاحتياجات العاجلة والهدف الوطني الأوسع، المتمثل في إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

ولا يعني التمثيل الاستباقي تجاهل موازين القوة، أو افتراض أن الفلسطينيين يستطيعون التحكم منفردين في مسار الأحداث، بل يعني بناء القدرة الممكنة على التأثير من خلال برنامج سياسي مشترك، ومؤسسات موحدة، وأولويات واضحة، وتحرك دبلوماسي يستثمر العلاقات الدولية والقانون الدولي، ويمنع اختزال القضية في ترتيبات مؤقتة لا تجيب عن أسئلة الحقوق والسيادة والمستقبل.

وهنا يبرز خطر انتظار الوصاية ليس باعتباره نتيجة حتمية لأي تدخل دولي، بل بوصفه احتمالاً يتسع عندما يطول الفراغ التمثيلي، وتضعف المؤسسات الوطنية، ويصبح الآخرون أكثر قدرة على تحديد الخيارات المتاحة للفلسطينيين، فكلما تراجعت القدرة على المبادرة، ازدادت احتمالات أن تُطرح الحلول باعتبارها أمراً واقعاً، وأن يُطلب من الفلسطينيين التكيف معها بدلاً من المشاركة في صياغتها.

والوقاية من هذا المسار لا تكون برفض كل دور دولي، بل بإعادة تعريفه: دور يضمن الحقوق، ويساعد على إنهاء الاحتلال، ويدعم إعادة الإعمار، ويحترم الإرادة الفلسطينية، لا دور يحل محلها أو يجعل مستقبل الفلسطينيين موضوعاً لإدارة الآخرين.

معادلة العبور الوطني

تتقاطع المفاهيم الثلاثة في معضلة واحدة: فجوة في القدرة على التأثير، وتأخر في تجديد الشرعية، وضعف في المبادرة الاستراتيجية، ويمكن وصف النتيجة بأنها "فخّ الزمن السياسي": يتباطأ تجديد النظام السياسي الفلسطيني، فيما تتسارع الوقائع التي تعيد تشكيل مستقبل القضية.

والخروج من هذا الفخ يتطلب ما يمكن تسميته "معادلة العبور الوطني"، القائمة على ثلاثة مسارات متوازية: تجديد الشرعية عبر انتخابات حرة وشاملة، وتوحيد المرجعية والمؤسسات عبر حوار وطني ملزم، وبناء استراتيجية مشتركة تنقل الفلسطينيين من موقع الاستجابة إلى موقع التأثير.

ولتحويل هذه المعادلة إلى عمل، ينبغي أن تبدأ القوى الفلسطينية والجهات الوطنية المعنية بحوار محدد المدة والمخرجات، وأن تتولى لجنة الانتخابات المركزية عرض متطلبات الجاهزية والعقبات وخطة معالجتها، وأن تُنشأ آلية متابعة وطنية تنشر تقارير دورية عن التقدم والتعثر، وبالتوازي يجب صياغة موقف فلسطيني موحد من مستقبل غزة وإعادة إعمارها، ومن حماية الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس، ومن الحقوق السياسية التي ينبغي أن تحكم أي ترتيبات دولية، ولا يجوز أن تتحول هذه الخطوات إلى شروط جديدة لتأجيل الانتخابات، أو أن يبقى الحوار بديلاً دائماً عن تجديد الشرعية، المطلوب أن تسير المسارات معاً ضمن مواعيد معلنة ومساءلة واضحة، وأن يتحول الزمن المتبقي إلى فترة إنجاز، لا إلى انتظار إضافي.

إن الخشية الحقيقية من استمرار تأجيل الانتخابات لا تقتصر على تآكل الشرعية وتعميق الانقسام، بل تمتد إلى اتساع الفراغ السياسي بما قد يفتح المجال أمام فرض وصاية خارجية، مباشرة أو غير مباشرة، على مستقبل الفلسطينيين وترتيبات حكمهم وتمثيلهم. فحين يعجز النظام السياسي عن تجديد شرعيته وتوحيد مرجعيته، تتراجع قدرته على التأثير في القرارات التي تُصاغ بشأنه، ويصبح أكثر عرضة لخيارات يحدد الآخرون شروطها وحدودها.

فالوصاية لا تبدأ بالضرورة بقرار معلن، بل قد تتسلل تدريجياً عبر فراغ التمثيل وتراجع القدرة على اتخاذ القرار. ومن هنا، فإن تجديد الشرعية وإنهاء الانقسام ليسا شأناً تنظيمياً داخلياً فحسب، بل شرطاً لحماية القرار الوطني المستقل، ومنع تحوّل غياب التوافق الفلسطيني إلى مدخل لترتيبات تُفرض على الفلسطينيين بدلاً من أن يشاركوا في صياغتها.

.....................................................................

باحث في العلاقات الدولية والسياسات الأمنية*

 

>