من تدمير السلطة إلى إعادة هندسة المجال الفلسطيني... أسئلة أمام الحوار الوطني؟


Case

2026-10-06 17:30

Copy Link

لم يَعُد الحديث الإسرائيلي عن السلطة الفلسطينية مجرد انتقاد لأدائها أو اعتراض على مواقفها السياسية، بل بدأ يأخذ منحى أكثر مباشرة وخطورة، عنوانه الانتقال من الضغط على السلطة إلى البحث في مستقبلها ووظيفتها وحدود وجودها، وما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أمام الحكومة الإسرائيلية بشأن استعداد الجيش لسيناريو حرب مع السلطة الفلسطينية يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز التصريح نفسه: هل نحن أمام تهديد عسكري ظرفي للسلطة، أم أمام إعادة تعريف  إسرائيلية لمكانتها في النظام السياسي الفلسطيني؟

كاتس قال إن الجيش يستعد لاحتمال قيام عناصر من أجهزة الأمن الفلسطينية أو تنظيمات مرتبطة بها بتوجيه السلاح ضد المستوطنين والجيش، وإن إسرائيل ستشن في هذه الحالة حملة واسعة ضد السلطة، تشمل عمليات عسكرية في المدن والمخيمات واستهداف قيادات وتدمير بنى تعتبرها إسرائيل مسلحة، لكن المفارقة اللافتة أن مصادر عسكرية إسرائيلية قالت في المقابل إنه لا توجد معلومات استخباراتية ملموسة تشير إلى أن أجهزة السلطة تخطط لمثل هذا السيناريو، وأن الأمر يتعلق بالاستعداد لسيناريوهات قصوى.

هذه المفارقة تستحق التوقف عندها؛ لأنها تنقل النقاش من سؤال: هل ستندلع مواجهة بين إسرائيل والسلطة؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: لماذا أصبح سيناريو المواجهة مع السلطة نفسه جزءاً من الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي في هذه اللحظة؟

ففي أيلول\سبتمبر الماضي، كان كاتس قد هدد بالفعل بـ"حرب شاملة" ضد السلطة في حال قيام أجهزتها، بحسب السيناريو الإسرائيلي، بهجوم شبيه بهجوم السابع من أكتوبر، وفي مطلع أكتوبر ذهب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أبعد من ذلك، عندما أعلن أن الضفة الغربية بأكملها تعود لإسرائيل، وهدد بتفكيك السلطة الفلسطينية إذا تولى وزارة الدفاع.

وعندما توضع هذه التصريحات جنباً إلى جنب، فإنها تكشف تحولاً في طبيعة الخطاب: السلطة لم تعد تُعرض فقط باعتبارها مؤسسة فلسطينية ينبغي الضغط عليها أو إصلاحها، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أمنية يمكن، في بعض السيناريوهات السياسية الإسرائيلية، إعادة تفكيكها.

لكن السؤال الأهم هو: إذا كانت إسرائيل تتحدث عن تفكيك السلطة، فما البديل الذي يجري بناؤه على الأرض؟ هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التصريحات ضد السلطة الفلسطينية، تتسارع أيضاً عملية إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، مشاريع الاستيطان والطرق وتوسيع البؤر والكتل الاستيطانية، وفي مقدمتها مشروع ،E1  لا تنتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية. فقد جرى الدفع بآليات مرتبطة بآلاف الوحدات الاستيطانية في المنطقة، بينما اقتربت مواعيد تقديم العطاءات من موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، وهنا نصل إلى جوهر المسألة: إسرائيل لا  تعيد تعريف السلطة فقط، وإنما تعيد تعريف المجال الذي يفترض أن تعمل فيه السلطة.

بين هندسة المجال الفلسطيني والحوار والوطني والانتخابات "الصندوق ينتج شرعية، لكن الأرض تنتج وقائع"، فحين تتغير الجغرافيا بالاستيطان والطرق والحواجز وتوسيع السيطرة الإسرائيلية، وحين تصبح القدس أكثر انفصالاً عن محيطها الفلسطيني، وحين تتآكل إمكانية الاتصال الجغرافي بين أجزاء الضفة، فإن أي نقاش عن مستقبل السلطة يصبح ناقصاً إذا لم يقرأ بالتوازي مع مستقبل الأرض التي يفترض أن تحكمها، وهذه هي المفارقة التي ستواجه الفلسطينيين في المرحلة المقبلة: بينما تستعد الساحة الفلسطينية لإعادة إنتاج شرعيتها عبر الانتخابات، يجري على الأرض إنتاج وقائع قد تحدد مسبقاً حدود قدرة هذه الشرعية على التحول إلى سلطة فعلية، ومن هنا فإن الانتخابات الفلسطينية المقبلة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نهاية الأزمة السياسية، بل باعتبارها بداية اختبار جديد: هل تستطيع الشرعية الانتخابية أن تتحول إلى قدرة على الحكم؟

المشكلة الفلسطينية لم تعد فقط في غياب الشرعية أو في الانقسام السياسي، وإنما في الفجوة بين الشرعية والقدرة، وقد يكون من الممكن أن ينتج الصندوق قيادة أو مجلساً تشريعياً أو تركيبة سياسية جديدة، لكن ذلك لا يعني تلقائياً امتلاك القدرة على إدارة غزة والضفة، أو التحكم في الجغرافيا، أو الموارد، أو الحركة، أو الأمن، أو العلاقات الخارجية، وهنا يظهر مفهوم "الشرعية المعلقة": شرعية تنتجها الانتخابات، لكنها تجد نفسها محاصرة بواقع سياسي وجغرافي وأمني يجعل قدرتها على ممارسة آثارها محدودة.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح فلسطينياً وإقليمياً ودولياً ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: ماذا سيستطيع الفائز أن يفعل؟

هذه النقطة بالذات تعيدنا إلى السلطة الفلسطينية، فإذا كان بعض الخطاب الإسرائيلي يتحدث عن تدمير السلطة، فإن السؤال المقابل هو: هل المقصود فعلاً إنهاء المؤسسات الفلسطينية، أم إعادة تشكيلها بحيث تصبح أكثر ارتباطاً بالوظيفة الأمنية والإدارية وأقل قدرة على التحول إلى نواة دولة؟ وهنا يمكن أن نميز بين "إسقاط السلطة" وإعادة تعريفها يعني إنهاء بنيتها القائمة، أما إعادة تعريفها فتعني الإبقاء على مؤسساتها، ولكن تغيير وظيفتها وحدودها ومجال عملها وشروط بقائها، وفي الحالة الثانية قد تبقى السلطة موجودة، وقد تحصل على دعم مالي وسياسي، وقد تصبح أكثر قدرة على تقديم الخدمات وإدارة السكان، لكنها تظل عاجزة عن امتلاك عناصر السيادة الأساسية (وهذا يقود إلى مفهوم آخر يمكن أن يفسر جانباً من المرحلة المقبلة "الاستقرار دون سيادة" قد يصبح المطلوب من السلطة الفلسطينية أن تكون قادرة على إدارة المجتمع، ومنع الانهيار، والمساهمة في ضبط الأمن، واستيعاب المساعدات، والمشاركة في إعادة إعمار غزة، والحفاظ على المؤسسات؛ لكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاكها السيطرة على الأرض أو الحدود أو المجال الأمني، وبذلك يمكن أن تصبح السلطة أكثر قدرة على الإدارة، في الوقت الذي تصبح فيه الدولة أكثر بعداً عن متناولها، لكن الخطر الأكبر لا يتعلق بالسلطة وحدها، إنه يتعلق بوحدة النظام السياسي الفلسطيني، فغزة تدخل مرحلة انتقالية معقدة، بينما تتواصل الضفة تحت ضغط الاستيطان والعمليات العسكرية والقيود على الحركة، وإذا لم تتم إعادة وصل المسارين سياسياً ومؤسساتياً، فقد يتحول الانقسام من انقسام سياسي إلى "انقسام وظيفي": غزة تُدار بمنظومة انتقالية خاصة، والضفة تُدار عبر السلطة، بينما تتسع المسافة بين الجغرافيتين، وهنا تصبح عبارة "اليوم التالي في غزة" غير كافية، فالسؤال الحقيقي هو: ماذا سيكون اليوم التالي للنظام السياسي الفلسطيني؟ وهل ستكون غزة مدخلاً لإعادة بناء نظام فلسطيني موحد؟ أم ستصبح مساراً إدارياً وأمنياً منفصلاً؟ وهل ستؤدي الانتخابات إلى إعادة بناء العلاقة بين غزة والضفة ومنظمة التحرير والسلطة، أم ستعيد إنتاج المؤسسات القائمة دون تغيير جوهري في بنية النظام؟

الانتخابات المتجاورة

الأسئلة أعلاه  تصبح أكثر إلحاحاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية من بعضهما زمنياً، إسرائيل تنتخب حكومة جديدة في 27 أكتوبر، والفلسطينيون يتجهون إلى انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر، أي أننا أمام انتخابات متجاورة داخل صراع واحد، لكن الطرفين لا يدخلان العملية الانتخابية من الموقع نفسه.

الإسرائيليون ينتخبون حكومة تمتلك أدوات الدولة والقوة والسيطرة على الأرض، أما الفلسطينيون فيحاولون عبر الانتخابات إعادة إنتاج الشرعية السياسية والمؤسساتية داخل جغرافيا ما زالت أجزاء واسعة منها خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ولهذا فإن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية، أياً كانت تركيبتها، لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال أسماء الأحزاب والائتلافات، وإنما من خلال سؤال أكثر ثباتاً: هل ستتغير الاستراتيجية تجاه الضفة والسلطة والاستيطان، أم تتغير الأدوات بينما تستمر الاتجاهات الأساسية؟ وفي المقابل، فإن الانتخابات الفلسطينية لا ينبغي أن تقاس فقط بقدرتها على إنتاج شرعية جديدة، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الشرعية إلى قابلية للحكم، وقابلية الحكم ليست شعاراً سياسياً؛ إنها منظومة من الشرعية والمؤسسات والموارد والجغرافيا والأمن والاعتراف والقدرة على تنفيذ القرار. 

وهنا تحديداً تتقاطع المسألة الفلسطينية مع التحولات الإقليمية والدولية الأوسع، فالقوى الدولية قد تدعم استمرار المؤسسات الفلسطينية وإجراء الانتخابات وإعادة إعمار غزة، لكنها قد تربط الدعم والتمويل والترتيبات السياسية بشروط تتعلق بالأمن وشكل السلطة وسلاح الفصائل والعلاقة مع إسرائيل، ومن ثم يمكن أن تنشأ حالة من "الشرعية الانتقائية": اعتراف بالانتخابات والمؤسسات، مقابل حدود مفروضة على النتائج السياسية التي يمكن لهذه الشرعية أن تنتجها، لذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول من يحكم الفلسطينيين، وإنما حول من يحدد وظيفة الحكم الفلسطيني.

وهنا أعتقد أن تصريح كاتس ينبغي أن يُقرأ ضمن سياق أوسع. فهو لا يقدم بالضرورة دليلاً على قرار إسرائيلي حتمي بتدمير السلطة، خصوصاً في ظل تأكيد مصادر عسكرية إسرائيلية عدم وجود معلومات ملموسة عن تمرد مخطط له من جانب أجهزة السلطة، لكنه يكشف أن احتمال المواجهة مع السلطة أصبح جزءاً معلناً من الخطاب الأمني والسياسي الإسرائيلي، في وقت تتزامن فيه تصريحات تفكيك السلطة مع خطوات لإعادة تشكيل الأرض ومعركة انتخابية إسرائيلية محتدمة، ومن هنا فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل تريد إسرائيل تدمير السلطة؟بل: أي سلطة فلسطينية يمكن أن تقبل إسرائيل بوجودها؟ وهذا السؤال يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل المطلوب الإبقاء على السلطة بوصفها أداة لإدارة السكان، أم السماح بتطورها إلى مؤسسة سياسية قادرة على إنتاج الدولة؟

إذا كان الصراع في الماضي يدور حول وجود السلطة، فإن الصراع اليوم قد ينتقل إلى مستوى آخر: الصراع على وظيفتها، وهنا نصل إلى جوهر المرحلة: الفلسطينية  تقف أمام سباق بين شرعية تنتجها صناديق الاقتراع ووقائع تنتجها الأرض، وإذا لم تستطع الشرعية الجديدة أن تستعيد القدرة على الحكم، فقد تجد نفسها أمام واقع سبقها إلى إعادة تعريف حدود الممكن، لذلك فإن المعركة الفلسطينية المقبلة ليست معركة انتخابات فقط، وليست معركة بقاء سلطة فقط، وليست حتى معركة غزة وحدها، إنها معركة على شكل النظام السياسي الفلسطيني القادم، فإما أن تتحول الانتخابات إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي، وإعادة وصل غزة بالضفة، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير والمجتمع الفلسطيني، وتحويل الشرعية إلى قدرة سياسية؛ وإما أن تبقى الشرعية موجودة بينما تستمر الوقائع في تحديد حدودها.

معادلة المرحلة القادمة

المعادلة الفلسطينية تتحدد بميزان وطني جماعي عبر طرح السؤال الأكثر إلحاحًا، ماذا بقي من السلطة إذا بقيت المؤسسات ولم تبقَ القدرة على صناعة المستقبل؟ من يملك الشرعية؟ من يصنع الوقائع؟ من يحدد الجغرافيا؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل الشرعية إلى سيادة؟ معادلة المرحلة القادمة بعنوان مهم المعركة ليس بقاء السلطة أو سقوطها، وإنما على ما إذا كانت الحالة الفلسطينية ستدخل مرحلة إعادة بناء نظام سياسي قادر على صناعة المستقبل، أم مرحلة إدارة واقع سبق أن أعيدت هندسة بدقة على الارض.

..........................................................

*باحث في العلاقات الدولية والسياسات الأمنية

>