
2026-10-03 16:05
إن التلويح بالقوة أو استخدامها ليس هدفًا بحد ذاته؛ فالحرب صراع مسلح يهدف في جوهره إلى إجبار العدو على الخضوع لإرادة المنتصر، وتتعدد أهدافها بناءً على طبيعة الصراع ودوافعه.
تقوم الحروب في كثير من الأحيان على الخداع، ولكن عندما يكون هناك رجلان يحترفان التزلج فوق النيران، ويربطان بقاءهما بالبقاء في أعلى نقطة من الضوء، تصبح الحروب أخطر، ويغدو إيجاد الحلول لها أعسر.
وهذان الرجلان هما دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، الذي يتبين من مجريات الأمور، قبل الحرب وخلالها، فشله في بناء تحالف دولي ضد إيران، أو الحصول على الدعم العسكري والسياسي من دول حلف شمال الأطلسي، وقد صرّح بطلبه هذا الدعم وفشله في الحصول عليه؛ وبنيامين نتنياهو، رئيس الكيان الإسرائيلي، الذي يرتبط مصيره بهذه الحرب ونتائج الانتخابات الإسرائيلية، بعد فشله الفاضح في غزة، حيث مضى في قتل شعب أعزل دون أن يصل إلى ما كان يريده. ويتنافس الاثنان على الفوز بكمية الجثث التي يحملها كل منهما على ظهره.
والحقيقة أن المشهد اليوم يعيد إلى الأذهان عمليات الحشد والانتشار الكبرى التي سبقت اندلاع شرارة الحرب في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير الماضيين. فواشنطن تدفع بمزيد من القطع البحرية والجوية لتعزيز وجودها، ليضم ثلاث مجموعات ضاربة لحاملات الطائرات ومجموعتي إنزال برمائي، مدعومة بآلاف من جنود المارينز، وسط تسريبات استخباراتية تتحدث عن تفكير جدي لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شن عمليات برية ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.
وفي هذا السياق، يُستحضر قول الدبلوماسي البريطاني الشهير سايمون كوليس: "كلما تسارع القرع على الطبول إيذانًا بانفجار الصراع، تسارعت الطرقات على البوابة الدبلوماسية".
ولكن، رغم التصريحات المستمرة للرئيس الأميركي بأن القوات المسلحة الإيرانية قد "دُمّرت تمامًا"، وزعمه أنه لم يتبقَّ لدى إيران سوى عدد قليل من الصواريخ، لم تتمكن واشنطن حتى اللحظة من القضاء على أسطول الزوارق الهجومية السريعة التي تعتمد عليها طهران للسيطرة على مضيق هرمز.
وتواصل إيران استهداف السفن التي تخالف تعليماتها، وهناك اعتقاد سائد بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمتلك الكثير من الذخائر، وتخفي جزءًا كبيرًا منها تحت الأرض، بما يصعّب تقدير ما تبقّى لديها، فضلًا عن التقديرات التي ترجّح أنها استغلت وقف إطلاق النار لنقل كثير من معداتها إلى مواقع أخرى.
وتعرضت نحو 45 طائرة مسيّرة أميركية من طراز "إم كيو 9 ريبر" لهجمات عدة خلال الحرب، إما على الأرض أو في الجو أثناء قيامها بمهام استطلاع جوية. وكانت بعض تلك المهام ضرورية بالنسبة إلى واشنطن، بعدما نجحت إيران في تدمير محطات المراقبة الرادارية الأميركية في أنحاء المنطقة.
وفي إشارة تحذيرية، لوّح اللواء يحيى رحيم صفوي، مستشار القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، بفتح "جبهات جديدة" إذا استأنفت واشنطن الحرب. وقد أثارت هذه التصريحات أسئلة كثيرة إقليميًا ودوليًا، لما انطوت عليه من "غموض متعمد"، عدّه عدد من الخبراء والمحللين جزءًا من حسابات التكتيكات الدفاعية والردع بين الطرفين. ولم تكن مجرد تلويح عابر برد عسكري تقليدي، بل عكست تحولًا عسكريًا عميقًا في عقيدة الدفاع الإيرانية؛ إذ لم يعد الردع مقيدًا بالتحركات المنفردة أو الرد مقابل الهجوم، بل ارتقى نحو تبنّي استراتيجية "وحدة الممرات المائية"، لتتكامل وتتعاضد مع مفهوم "وحدة الساحات" السابق.
وبحسب المعلومات، تراجع طهران خططها الميدانية باستمرار، وهو أمر طبيعي، تحسبًا لاستئناف الضربات الأميركية، مع دراسة توسيع بنك أهدافها ليشمل مصالح حيوية في المنطقة.
ويتزامن ذلك مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، حيث تحدثت تقارير عن هجمات إيرانية متكررة على سفن تجارية خلال الأيام الماضية، مما يُظهر عافيتها في الساحة. وفي هذا السياق، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلة نفط لهجوم أثناء عبورها مضيق هرمز، بينما أعلنت إيران، للمرة الأولى، مسؤوليتها عن استهداف مواقع في المضيق، مما يضيف بُعدًا جديدًا إلى التوتر المتصاعد في أحد أهم ممرات الملاحة في العالم.
وعلى كل حال، فإن الحرب تبدأ بقرار سياسي وتنتهي على طاولة المفاوضات، كما يُحدَّد المنتصر فيها بمقدار ما حققه من الأهداف التي أعلنها في بدايتها، وبقدرته على فرض الشروط التي يرغب فيها على الخصم.
لقد نجح الجانب الإيراني في عملية التفاوض السابقة، وفي التوصل إلى اتفاقات جيدة، لكن الولايات المتحدة سرعان ما قلبت الطاولة على تلك الاتفاقات بحروب عبثية لم تجنِ منها غير الندم والخسائر الكبيرة، وتدمير معظم قواعدها في البلدان الخليجية. وجاء ذلك رغم سعي الرئيس ترامب إلى تسريع التوصل إلى اتفاق، وانقضاء فترة الستين يومًا دون أن يطلب من الكونغرس تفويضًا بالحرب، إضافة إلى تردده في كثير من الحالات وإطلاقه تهديدات دون تنفيذ، في حين نجح الجانب الإيراني في تحقيق جميع الشروط التي وضعها.
