
2026-10-01 10:14
وسط ما يجري في الضفة الغربية، يبدو أن سؤالًا واحدًا يعود كل مرة بصورة أكثر إلحاحًا: ماذا تريد إسرائيل من الفلسطينيين في نهاية المطاف؟
ليس من الصعب، نسبيًا، معرفة ما يجري على الأرض. الاستيطان يتوسع، والسيطرة الإسرائيلية تتعمق، وإجراءات إدارية وقانونية متلاحقة تعيد تشكيل العلاقة بين إسرائيل والضفة، بينما تتراجع، خطوة بعد أخرى، المقومات الجغرافية والسياسية التي يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة. ولم يعد من الدقيق النظر إلى هذا المسار باعتباره مشروع وزير إسرائيلي بعينه أو برنامج حزب واحد. فكثير من عناصره انتقل إلى مستوى السياسة الفعلية: توسيع الاستيطان، وتعميق السيطرة على المنطقة "ج"، ونقل صلاحيات تتعلق بالأرض والتخطيط، والضغط المتواصل على السلطة الفلسطينية، في وقت بات فيه رفض الدولة الفلسطينية أكثر حضورًا داخل اليمين الحاكم.
المفارقة أن هذه الصورة، الواضحة نسبيًا عندما يتعلق الأمر بالأرض، تصبح أكثر ضبابية عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين الذين يعيشون عليها. فإذا كانت الدولة الفلسطينية تبتعد، والسلطة الفلسطينية تزداد ضعفًا، فما الذي يُفترض أن يأتي بعد ذلك؟ وما الشكل السياسي الذي يمكن أن يحكم حياة ملايين الفلسطينيين؟ وهنا تحديدًا تبدأ الفوضى.
فالسلطة الفلسطينية، مهما قيل في ضعفها وأزمتها وفقدانها جزءًا كبيرًا من شرعيتها، ليست مجرد عنوان سياسي يمكن شطبه من المشهد. هي تدير مدارس ومستشفيات وبلديات، وتدفع رواتب موظفين، وتدير أجهزة أمنية ومؤسسات مدنية ومالية، أي أنها تحمل جزءًا كبيرًا من أعباء الحياة اليومية للفلسطينيين. وهذا، للمفارقة، يخدم إسرائيل أيضًا. فالسلطة تدير السكان في مجالات واسعة، فيما تبقى عناصر حاسمة من السيطرة على الأرض والأمن والحدود والحركة في يد إسرائيل. لذلك فإن إضعاف السلطة شيء، والاستغناء عن الوظائف التي تؤديها شيء آخر تمامًا. فإذا انهارت، فلن تختفي المدارس والمستشفيات والبلديات معها، ولن تختفي الحاجة إلى الأمن والخدمات المدنية، وبالتأكيد لن يختفي ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة. ومن هنا يأتي السؤال الذي يبدو غائبًا أحيانًا عن الخطاب الإسرائيلي الداعي إلى إضعاف السلطة أو تفكيكها: من سيتحمل المسؤولية في اليوم التالي؟ فإسرائيل تستطيع أن تضعف المؤسسة الفلسطينية، لكنها بذلك قد تضعف أيضًا الصيغة التي سمحت لها طوال العقود الماضية بالاحتفاظ بعناصر السيطرة العليا، من دون أن تضطر إلى إدارة كل تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين بنفسها.
وهنا يصبح التحذير الذي أطلقه أخيرًا د. ميخائيل ميلشتاين لافتًا. فالرجل، الباحث في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب والرئيس السابق لقسم الشؤون الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، يأتي من داخل البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية، لا من خارجها. ففي مقاله الأخير في «يديعوت أحرونوت»، رفض ميلشتاين التفسير المريح الذي يعزو تراجع مكانة إسرائيل الدولية إلى معاداة السامية أو نفاق العالم أو ضعف «الهسبراه». في رأيه، جزء أساسي من المشكلة يكمن في السياسات الإسرائيلية نفسها. وعندما يصل إلى الضفة الغربية، يصبح كلامه أكثر حدة. فهو يتحدث عن «سيادة فعلية» تتقدم على الأرض، ويحذر من السير نحو «ابتلاع» نحو ثلاثة ملايين فلسطيني من دون مناقشة مكانتهم السياسية، ومن الانزلاق إلى واقع الدولة الواحدة، ومن اتساع المقارنات الدولية بين إسرائيل وجنوب أفريقيا في زمن الأبارتهايد. ما يجعل كلام ميلشتاين مهمًا ليس خلفيته وحدها، بل المأزق الذي يكشفه: إسرائيل تستطيع تغيير الواقع، وربما تستطيع فرض مزيد من السيطرة، لكن ماذا تفعل بهذه السيطرة بعد ذلك؟
يمكن تتبع ما يحدث على الأرض بسهولة أكبر من معرفة أين يفترض أن ينتهي. فالمستوطنات تتوسع، والسيطرة تتعمق، والصلاحيات تنتقل، والتواصل الجغرافي الفلسطيني يتراجع. وفي الوقت نفسه، أصبح رفض الدولة الفلسطينية أكثر رسوخًا داخل اليمين والائتلاف الحاكم. لكن رفض حل ما لا يصنع، في حد ذاته، بديلًا منه. إذا لم تقم دولة فلسطينية، فما الذي سيقوم مكانها؟ وإذا أصبحت السلطة عاجزة عن أداء وظائفها، فمن سيدير الفلسطينيين؟ وإذا استمرت السيطرة الإسرائيلية في التوسع، فما الشكل السياسي النهائي لهذه العلاقة؟ فهناك من يتحدث في إسرائيل عن حكم ذاتي، ومن يطرح إدارات محلية، ومن يتصور سلطة فلسطينية تبقى مسؤولة عن شؤون السكان من دون أن تتحول إلى دولة. غير أن هذه الأفكار، مهما اختلفت في التفاصيل، تدور غالبًا حول السؤال نفسه: كيف يُدار الفلسطينيون؟ وهذا ليس بالضرورة السؤال الذي ينبغي أن يبدأ منه النقاش.
فالبلدية تستطيع إدارة شارع ومدرسة ومستشفى، والجهاز الأمني يستطيع أداء وظائف أمنية، والوزارة تستطيع دفع راتب موظف. لكن أيًا من ذلك لا يجيب عن سؤال من يملك القرار السياسي، ومن يقرر مستقبل الأرض والشعب الذي يعيش عليها. فالفلسطينيون، في نهاية الأمر، ليسوا ملفًا إداريًا يبحث عن مدير أفضل. والقضية الفلسطينية لم تبدأ لأن المدن والقرى تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة. إنها قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره. فلأكثر من ثلاثة عقود، ساعدت صيغة أوسلو على تأجيل هذا التناقض. كان يفترض أن ما نراه مرحلة انتقالية: إسرائيل تحتفظ بعناصر أساسية من السيطرة، والسلطة تدير السكان في أجزاء من الضفة، فيما تأتي مفاوضات الوضع النهائي لاحقًا لحسم قضايا الحدود والسيادة والمستوطنات والدولة. لكن ثلاثة عقود مدة طويلة جدًا لمرحلة "مؤقتة". والأهم أن الأرض لم تنتظر الحل السياسي. تغيرت خلالها الجغرافيا، واتسع الاستيطان، وترسخت أنماط من السيطرة يصعب التعامل معها باعتبارها مجرد ترتيبات عابرة. ولهذا لم يعد السؤال فقط عما سيحدث مستقبلًا، بل عما إذا كان "المؤقت" قد بدأ يتحول بالفعل إلى دائم.
في رأيها الاستشاري الصادر في تموز/يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن السياسات والممارسات الإسرائيلية، بما فيها الاستيطان والبنية التحتية وتطبيق أجزاء من القانون الإسرائيلي، رسخت السيطرة الإسرائيلية وأحدثت آثارًا يصعب عكسها، وأنها ترقى إلى ضم أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية المحتلة. وقالت المحكمة أيضًا إن التشريعات والإجراءات الإسرائيلية تفرض وتحافظ على فصل شبه كامل، ماديًا وقانونيًا، بين المستوطنين والفلسطينيين في الضفة والقدس الشرقية، واعتبرت ذلك انتهاكًا للمادة الثالثة من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. وللدقة، لم تحسم المحكمة في رأي الأغلبية أن هذا الانتهاك يشكل تحديدًا جريمة الأبارتهايد. لكن دلالة ما قالته المحكمة تتجاوز المصطلح نفسه. فالحديث لم يعد عن خطر بعيد قد يظهر إذا فشلت التسوية يومًا، وإنما عن بنية قائمة تتغير وتتعمق الآن.
وهذا يعيدنا إلى تحذير ميلشتاين. حين يتحدث عن "ابتلاع" ملايين الفلسطينيين من دون حسم مكانتهم السياسية، فهو لا يحذر من سيناريو خيالي بقدر ما ينظر إلى اتجاه يتحرك أمامه. ومن هنا ربما يكون وصف "الفوضى"بحاجة إلى شيء من الدقة أيضًا. فما يحدث على الأرض ليس فوضويًا تمامًا. المستوطنات لا تُبنى عشوائيًا، والصلاحيات لا تنتقل مصادفة، والسيطرة لا تتعمق من تلقاء نفسها.
إسرائيل تعرف ما لا تريد... لكن ماذا تريد؟
ثمة قدر متزايد من الوضوح في السياسة الإسرائيلية بشأن ما لا تريده: لا دولة فلسطينية ذات سيادة، ولا عودة إلى مسار سياسي يعيد طرح الانسحاب والسيادة والحدود على النحو الذي قامت عليه عملية أوسلو. وعلى الأرض، تتقدم سياسات تجعل قيام تلك الدولة أكثر صعوبة. لكن معرفة ما لا تريده إسرائيل لا تجيب عن السؤال الأصعب: ماذا تريد أن تقيم مكانه؟ وهنا تبدأ الصورة بالاضطراب. فرفض الدولة الفلسطينية لا يصنع بديلًا سياسيًا، وإضعاف السلطة لا يلغي الحاجة إلى إدارة حياة ملايين الفلسطينيين، وتعميق السيطرة على الأرض لا يحسم مستقبل الشعب الذي يعيش عليها. وهذه، في جوهرها، هي الفجوة بين مشروع يبدو أكثر وضوحًا عندما يتعلق بالأرض، ومشروع لا يزال غامضًا عندما يتعلق بالنهاية السياسية للصراع. وهذا السؤال لا يمكن أن يبقى نقاشًا إسرائيليًا داخليًا، لأن الفلسطينيين هم من سيعيشون داخل النتيجة.
العالم لا يستطيع البقاء في المكان نفسه
فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، بنى المجتمع الدولي معظم سياسته على افتراض أن الوضع القائم مؤقت. دعم السلطة الفلسطينية، وموّل مؤسساتها، وتمسك بحل الدولتين، وعارض الاستيطان، وحذر من الضم. لقد كانت الفكرة، في جوهرها، أن المحافظة على ما هو قائم تساعد في إبقاء الباب مفتوحًا أمام التسوية النهائية. لكن ماذا لو كان الباب نفسه يُغلق تدريجيًا؟ فإذا كانت إمكانية الدولة الفلسطينية تتراجع على الأرض، والسلطة التي كان يفترض أن تكون نواة لها تزداد ضعفًا، والسيطرة الإسرائيلية تتعمق، يصبح تكرار المواقف القديمة وحده أقل قدرة على التعامل مع واقع جديد. وهنا لا يحتاج المجتمع الدولي إلى شعار جديد بقدر ما يحتاج إلى طريقة مختلفة في قراءة ما يحدث.
فالاستيطان ليس قصة منفصلة عن إضعاف السلطة. وإضعاف السلطة ليس منفصلًا عن مصير الدولة الفلسطينية. ونقل الصلاحيات المتعلقة بالأرض والتخطيط لا يمكن عزله عن سؤال السيادة. كما أن تقطيع التواصل الجغرافي الفلسطيني ليس مجرد مسألة تخطيط، بل يمس بصورة مباشرة إمكانية تقرير المصير. فعندما يُنظر إلى كل خطوة منفردة، يسهل التعامل معها باعتبارها أزمة أخرى: بيان اعتراض على مستوطنة، مساعدة مالية للسلطة، تحذير من قرار إسرائيلي جديد. لكن وضع هذه الخطوات بجانب بعضها يكشف شيئًا أكبر من مجموعها: واقع سياسي يعاد تشكيله تدريجيًا. ولهذا قد يكون انتظار إعلان رسمي للضم خطأ في حد ذاته. فالواقع يمكن أن يتغير قبل أن يتغير اسمه، ويمكن أن تصبح السيطرة أكثر رسوخًا عبر الإدارة والقانون والتخطيط والبنية التحتية قبل أن يصدر قرار يقول صراحة إن الضم وقع. فالسؤال الأهم، إذن، ليس فقط: هل ستعلن إسرائيل الضم؟ بل: ما الذي يجري بناؤه على الأرض قبل أن يصل أحد إلى الإعلان؟
والأمر نفسه ينطبق على السلطة الفلسطينية. منع انهيار مؤسساتها ضرورة، لكن إبقاءها قادرة على دفع الرواتب وتشغيل المدارس والمستشفيات لا يمكن أن يتحول إلى غاية سياسية بحد ذاته. فثمة فارق بين حماية المؤسسات الفلسطينية وبين المحافظة إلى ما لا نهاية على صيغة لا تملك أفقًا سياسيًا. فالمطلوب هو منع انهيار يفتح فراغًا يمكن أن يُملأ من جانب واحد، وفي الوقت نفسه دعم تجديد المؤسسات الفلسطينية وشرعيتها وقدرتها على تمثيل الفلسطينيين. وإلا فإن الدعم الدولي قد ينتهي، من دون قصد، إلى إبقاء مرحلة انتقالية فقدت معناها السياسي الأصلي.
وفي قلب كل ذلك ينبغي أن يعود السؤال الذي ضاع وسط تفاصيل الإدارة والأمن والتمويل: حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. فليس السؤال من يستطيع إدارة نابلس أو جنين أو رام الله بكفاءة أكبر، ولا من يدفع الرواتب أو يتولى الأمن. هذه مسائل مهمة، لكنها لا تختصر القضية. المشكلة تبدأ عندما تصبح الإدارة بديلًا عن السياسة، وعندما يُختزل شعب كامل في سؤال: من يدير سكانه؟
لهذا فإن التحذير للمجتمع الدولي ليس فقط من السياسات الإسرائيلية، بل من الاعتياد عليها أيضًا. فالوقائع الكبيرة لا تأتي دائمًا في صورة قرار كبير. أحيانًا تتشكل بهدوء: مستوطنة جديدة هنا، وصلاحية تنتقل هناك، وأزمة مالية تُدار مؤقتًا، وإجراء قانوني يبدو تقنيًا. ثم تمر السنوات، ويصبح مجموع ما كان يبدو خطوات منفصلة نظامًا كاملًا. وعندها قد يكون الوقت قد تأخر على السؤال عما إذا كان ينبغي التحرك. ولهذا يعود السؤال الذي بدأنا منه، ولكن بصورة أثقل: لا دولة للفلسطينيين، وسلطة يجري إضعافها... فماذا تريد إسرائيل؟ ويقابله سؤال لا يقل أهمية: إذا كان المجتمع الدولي يرى هذا الواقع يتشكل أمامه، فإلى متى يستطيع الاكتفاء بإدارة نتائجه بالأدوات نفسها؟ فالخطر ليس أن تستيقظ المنطقة صباحًا على قرار واحد يقلب المشهد كله. الخطر أن يتغير المشهد من دون تلك اللحظة الدرامية أصلًا؛ أن يحدث ذلك بالتدريج، حتى يبدو الواقع الجديد في النهاية وكأنه كان موجودًا دائمًا. وعندها لن يكون السؤال لماذا لم ير العالم ما كان يحدث. بل: لماذا رآه، وحذر منه، ثم تركه يحدث؟
