
2026-09-24 16:15
في نيويورك، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عادت الضفة الغربية إلى دائرة الاهتمام الدولي، ولكن من زاويتين مختلفتين. ففي 23 أيلول\سبتمبر الحالي، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الرئيس دونالد ترامب لا يرى أن العالم يحتاج الآن إلى "أزمة في الضفة الغربية"، مضيفاً أن آخر ما تحتاجه المنطقة وإسرائيل هو "بؤرة توتر إضافية".
وجاء هذا التحذير في سياق إقليمي مضطرب، مع استمرار التوترات في أكثر من جبهة وصعوبات مرتبطة بتنفيذ ترتيبات غزة.
في المقابل، انطلقت كلمات إقليمية في الجمعية العامة من تعريف أوسع للمشكلة. فقد تحدث العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عن مجتمع دولي اختار، بحسب تعبيره، إدارة الصراع بدلاً من مواجهته، محذراً من أن ما كان يُنظر إليه بوصفه مؤقتاً أصبح واقعاً دائماً.
كما وصف ما يجري في الضفة من استيطان وعنف وتهجير بأنه ليس سلسلة من الوقائع المعزولة، بل تحولاً أعمق في الواقع على الأرض.
وفي السياق نفسه، ربط الخطاب القطري القضية الفلسطينية بأزمة أوسع في النظام الدولي، معتبراً أن فلسطين لا تزال "نقطة عمياء" فيه، ومتحدثاً عن استمرار الاستيطان وعنف المستوطنين وسلب الحقوق الفلسطينية في الضفة بوصفه "جرحاً مفتوحاً". وهنا يظهر السؤال الأهم: هل المطلوب منع انفجار جديد في الضفة، أم معالجة الظروف التي تجعل الانفجار ممكناً أصلاً؟
الضفة ليست أزمة تنتظر أن تبدأ
عبارة "أزمة جديدة" تبدو للوهلة الأولى توصيفاً لشيء لم يحدث بعد. لكنها تصبح أقل بساطة عندما تُقرأ في ضوء واقع متراكم من الاستيطان والعنف والعمليات العسكرية والتوترات المتكررة والضغط على السكان الفلسطينيين. لذلك، فإن النظر إلى الضفة باعتبارها "بؤرة توتر محتملة" فقط، قد يحجب حقيقة أخرى وهي أن المنطقة تعيش منذ سنوات أزمة سياسية وأمنية وقانونية لم تُحل. فالانفجار، في هذه القراءة، ليس بالضرورة نقطة البداية، بل احتمالاً قد ينتج عن تراكم وقائع لم تجد طريقها إلى المعالجة.
وهنا تحديداً يظهر الفرق بين إدارة الأزمة ومعالجة أسبابها. فإدارة الأزمة تعني منع التصعيد، واحتواء العنف، والحيلولة دون انتقال التوتر إلى نطاق أوسع. وهذه أهداف قد تكون ضرورية في أي لحظة. لكن تهدئة اللحظة لا تعني بالضرورة أن العوامل التي أنتجت التوتر قد اختفت.
ماذا تعني "أزمة جديدة"؟
من الطبيعي أن تنظر واشنطن إلى الضفة من زاوية الاستقرار الإقليمي. فاندلاع مواجهة واسعة هناك قد يضيف أزمة جديدة إلى بيئة إقليمية مثقلة أصلاً بالتوتر. لكن السؤال الأهم هو: إذا كان منع الانفجار أولوية، فما الذي يمكن أن يمنع تكرار الظروف التي تقود إليه؟ فالهدوء قد يكون نتيجة لمعالجة سياسية، وقد يكون أيضاً مجرد فترة بين موجتين من التصعيد. والفرق بين الحالتين لا يظهر فقط في مستوى العنف، بل في طبيعة الواقع الذي يستمر خلفه.
ومن هنا، لا يكفي النظر إلى الضفة باعتبارها "بؤرة ساخنة". فالسؤال الأوسع هو ما الذي يحدث عندما تستمر وقائع تؤثر في مستقبل الأرض والسكان، بينما تبقى العملية السياسية عاجزة عن إنتاج أفق واضح.
ولم تكن التحذيرات الإقليمية في نيويورك منصبة على احتمال العنف وحده. ففي بيان مشترك لوزراء خارجية مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية، جرى الربط بين غزة والضفة، مع التشديد على وقف التوسع الاستيطاني، ومواجهة عنف المستوطنين، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وفتح مسار نحو تقرير المصير والدولة الفلسطينية.
وهذا يكشف اختلافاً في تعريف المشكلة أكثر مما يكشف اختلافاً في أهمية منع التصعيد. فواشنطن تتحدث عن تجنب "بؤرة توتر إضافية"، بينما يضع الخطاب الإقليمي الضفة داخل قضية أوسع تتعلق بمستقبل الأرض والحقوق السياسية ووحدة الأراضي الفلسطينية.
من يدير الأزمة؟
ليس من الدقة القول إن طرفاً واحداً "يدير" الأزمة بكل تفاصيلها. فإدارة الصراع تتداخل فيها أدوار قوى دولية وإقليمية، إلى جانب الطرف المسيطر فعلياً على الأرض، لكن هذه الأدوار لا تتساوى في طبيعة أدواتها ولا في قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.
فالفاعل الأكثر تأثيراً في الوقائع اليومية على الأرض هو إسرائيل، بحكم سيطرتها الفعلية على الضفة الغربية وقدرتها المباشرة على التأثير في الحركة والأمن والأرض والاستيطان والظروف التي يعيشها السكان الفلسطينيون.
وهذا لا يعني اختزال الأزمة في طرف واحد، ولا تجاهل الأدوار السياسية والدبلوماسية التي تمارسها الولايات المتحدة والقوى الدولية والإقليمية الأخرى؛ لكنه يعني أن أي تحليل جدي لأسباب التوتر لا يمكن أن يتجاهل الطرف الذي يملك أكبر قدرة مباشرة على تغيير الوقائع التي يتولد منها هذا التوتر.
وفي المقابل، تملك الولايات المتحدة، إلى جانب قوى دولية وإقليمية أخرى، أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية يمكن أن تؤثر في البيئة المحيطة بالأزمة، وإن كانت طبيعة هذا التأثير مختلفة عن السيطرة المباشرة على الأرض. ومن هنا، فإن الحديث عن الاستقرار لا ينبغي أن يقتصر على السؤال: كيف نمنع العنف؟ بل يجب أن يشمل سؤالاً آخر: من يملك القدرة على تغيير الوقائع التي تجعل العنف احتمالاً قائماً؟ فالشرارة شيء، والبيئة التي تجعلها قابلة للاشتعال شيء آخر.
بين غزة والضفة
الربط بين غزة والضفة ظهر بوضوح في الخطاب الإقليمي خلال اجتماعات الجمعية العامة. فالبيان الوزاري المشترك لم يتعامل معهما باعتبارهما ملفين منفصلين، بل ربط تنفيذ ترتيبات غزة بمستقبل الضفة والقدس الشرقية، وبإعادة توحيد الأراضي الفلسطينية وفتح مسار نحو الدولة الفلسطينية. وهذه النقطة مهمة. فإذا جرى التعامل مع غزة باعتبارها الملف الذي يحتاج إلى ترتيبات عاجلة، بينما بقيت الضفة خاضعة لمنطق إدارة التوتر فقط، فقد ينشأ انفصال بين معالجة نتائج الأزمة ومعالجة بنيتها السياسية. فالاستقرار في غزة لا يحسم وحده مستقبل الضفة، كما أن انخفاض مستوى العنف فيها لا يحسم الأسئلة المتعلقة بالأرض والاستيطان والحقوق السياسية.
ما الذي يعنيه التحذير الأميركي؟
تحذير روبيو من "بؤرة توتر إضافية" يدل على أن واشنطن تنظر إلى احتمال التصعيد في الضفة بوصفه تطوراً يمكن أن يضيف أزمة إلى بيئة إقليمية مضطربة. لكنه، في حد ذاته، لا يمثل إعلاناً عن خطة أميركية جديدة لمعالجة جذور الوضع في الضفة. وهذا لا يقلل من أهمية منع التصعيد. فالحيلولة دون اندلاع مواجهة واسعة تظل هدفاً مباشراً ومفهوماً. لكن منع أزمة جديدة لا يجيب، بمفرده، عن السؤال المتعلق بالأزمة القائمة وأسباب استمرارها.
فالضفة لا تحتاج إلى أن تنفجر حتى تستحق الاهتمام الدولي. وإذا كان منع الانفجار هو الهدف، فإن الاستقرار الأكثر قابلية للاستمرار لا يقاس فقط بغياب المواجهة، وإنما أيضاً بمدى معالجة الوقائع التي تجعل عودتها ممكنة. وفي نهاية المطاف، السؤال ليس فقط: كيف نمنع الانفجار؟ فالسؤال الأعمق هو: كيف نمنع استمرار الظروف التي تجعل الانفجار احتمالاً دائماً؟ وبين السؤالين يتحدد الفرق بين إدارة أزمة مؤقتة، ومحاولة معالجة أزمة طال أمدها.
