
2026-09-06 18:25
إذا أردنا فهم الفرق بين الرئيس الصيني "شي جين بينغ" والرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، فعلينا ألا نتوقف عند اختلاف الشخصية أو أسلوب الخطاب، بل أن نقرأ ما وراء الكلمات: أي نموذج للقوة، وأي تصور لمستقبل النظام الدولي؟
في القاهرة، قدم الرئيس "شي" خطابًا هادئًا يعكس رؤية صينية لعالم متعدد الأقطاب، يقوم على المساواة بين الدول، واحترام السيادة، والتنمية المشتركة، وتوسيع دور دول الجنوب العالمي في صناعة القرار الدولي، وهذه ليست مجرد عبارات دبلوماسية؛ فهي تعبر عن محاولة للانتقال من احتكار القرار الدولي إلى المشاركة فيه، ومن التبعية إلى الشراكة، في المقابل، يمثل ترامب نموذجًا مختلفًا للقوة؛ قوة القائد وشخصيته، والصفقة، والتفاوض من موقع التفوق، وتحقيق النتائج عبر الضغط والمساومة.
وهنا تبرز نقطة مهمة في قراءة المشهد: الاتفاق السياسي لا ينبغي أن يُقاس بالنتيجة وحدها، بل أيضًا بالكلفة التي سبقته، فالحروب لا تُنتج اتفاقات فقط، وإنما تخلّف قتلى ودمارًا ومعاناة إنسانية هائلة، كما حدث في غزة. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا تحقق سياسيًا؟ بل أيضًا: كم كان الثمن الإنساني للوصول إلى هذه النتيجة؟
ومن هنا أرى أن الفرق بين "شي" و"ترامب" يمكن اختصاره في مفهومين: كاريزما القائد الاستعراضي المستهين بسيادة الدول وفق منطق السيد والعبد (نحميكم مقابل دفع الجزية، وبين كاريزما القائد ممثل الدولة بكل ما تتجسد بالدولة من قوة اقتصادية وعسكرية وثقافية ومفاهيم وتوجهات قائمة على الاحترام والتشاركية.
فبينما يعتمد "ترامب" بدرجة كبيرة على حضوره وقدرته الشخصية وعلى محاولة السيطرة على المشهد والتفاوض المباشر، فإن "شي" يستند إلى قوة دولة تمتلك اقتصادًا ضخمًا، وقاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة، وحضورًا تجاريًا عالميًا وشبكة متنامية من الشراكات.
والأهم أن الصين تحاول تحويل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي من خلال الشراكة والمنفعة المتبادلة والتنمية واحترام السيادة. وهذا لا يعني أن الصين تتحرك بلا مصالح؛ فبكين دولة كبرى لها مصالحها الإستراتيجية لكن الاختلاف يكمن في كيفية ممارسة القوة وبناء النفوذ.
وهنا تأتي أهمية الجنوب العالمي، فمصر والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وغيرها لا تريد أن تكون مجرد ساحات للصراع بين واشنطن وبكين. إنها تريد تنويع علاقاتها، وتوسيع هامش استقلالها، والتعامل مع القوى الكبرى وفق مصالحها الوطنية. ومصر نفسها تقدم مثالًا واضحًا على ذلك؛ فتطوير شراكتها مع الصين لا يعني التخلي عن علاقاتها مع الولايات المتحدة.
لذلك، لا أعتقد أن العالم يتجه ببساطة من الهيمنة الأميركية إلى الهيمنة الصينية، ما نشهده هو انتقال نحو نظام أكثر تعددية، تتعدد فيه مراكز القوة والقرار والتأثير.
والمعركة الحقيقية التي تكمن في القرن الحادي والعشرين: ليست فقط معركة على الأسواق أو التكنولوجيا أو القوة العسكرية، وإنما على تعريف معنى القوة نفسها.
هل القوة هي أن تجعل الآخرين يفعلون ما تريد؟ أم أن القوة الأكثر استدامة هي أن تجعل الآخرين يرون أن التعاون معك يحقق لهم أيضًا ما يريدون؟
في تقديري، هذا هو جوهر المقارنة بين" شي" و"ترامب": صراع بين الهيمنة والشراكة، وبين الإكراه والجاذبية، وبين فرض قواعد النظام الدولي والمشاركة في صياغتها، والسؤال الذي سيحسم شكل العالم القادم هو: أي نموذج للقوة سيكون أكثر قدرة على إقناع الآخرين؟ منطق التفرد والهيمنة والبطش بسيادة الوحدات الدولية ومن ليس معنا فهو ضدنا وفق المنظور الأميركي أم قوة الشراكة والتعاون والمنفعة المشتركة واحترام سيادة وخصوصية الوحدات الدولية بالمنظور الصيني، أعتقد أن الوحدات الدولية بقدر ما تريد المنفعة فهي تريد التشاركية واحترام السيادة والخصوصية.
...................................................
*باحث في السياسات العامة والعلاقات الدولية
