
2026-08-22 16:02
الواقع العربي الحالي، المتمثل بالحكومات، يبدو مهزومًا تمامًا، مع بالغ الأسف والأسى. ويبدو أن العزيمة في الخلاص من التشتت قد انتهت، أو بالأصح: هُزمت تمامًا، ويجب الاعتراف بهذا من قبل الجميع. فلا وجود للتعاون فيما بينها من أجل النجاة من المخمصة وتوحيد الصف، وهذه صفة ملازمة تاريخيًا لهذه الأمة.
وباتت المنطقة مفككة وضعيفة، فيما تأثر جانب من الفكر العربي المعاصر بأدبيات الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، التي اخترقت العلوم الإنسانية والكتابات الفلسفية، وتركز حضورها في موضوعات مثل نقد التنوير والحداثة والالتزام. واليوم، ما نراه هو أن أفكار التفكيك وُظفت أساسًا في الخطاب العربي المعاصر ضد الأيديولوجيات التاريخية والوضعية، أي ضد مشاريع النهوض والتحديث التي بلورتها النخب الفكرية والسياسية منذ نهاية القرن التاسع عشر.
المنطقة العربية تعيش اليوم حالة من التوترات والاضطرابات والأزمات المستمرة؛ فلا تكاد تعرف العدو من الصديق، فيما تعصف الأزمات بمقدراتها، وتعوق مسارات نهضتها، وتعمق تفككها. وتتوالى الصراعات وتتفاقم التحديات، ليبقى الاستقرار والاستدامة حلمًا بعيد المنال في العديد من دولها.
هذا المشهد المؤلم الذي يرسم حاضر العالم العربي ليس وليد لحظة أو أزمة عابرة، بل هو حصيلة تراكمات معقدة من العوامل الداخلية والخارجية التي تشابكت على مر عقود. لذلك، ليس للعرب اليوم أي وزن أو تأثير حقيقي في الواقع الحالي، رغم أننا ما زلنا نطمح إلى أن نرى، ذات فجر، غضبًا عربيًا حقيقيًا ينجي أبناء هذه الأمة من هذا الواقع المر والمؤلم، بدل الاكتفاء بالاستنكار والشجب، وكفى الله شر المهزومين، أو اللجوء إلى ضبط خيالي للنفس إزاء ما يجري من إبادة وقتل بالجملة على مدار الساعة في فلسطين، في الضفة وغزة، والاعتداءات على المقدسات الإسلامية في القدس، من دون أن يحرك العرب ساكنًا.
وفي المقابل، تشكلت بوادر لخطابات وطنية عالية الوتيرة، لكنها تمخضت عن مشروع انفعالي أكثر منه واقعًا تتم صياغته بوعي علمي وتاريخي. وكانت، سابقًا، تجربة الوحدة بين سوريا ومصر في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي أصدق تعبير عن محاولة الوعي العربي الخروج من نكبته والرد عليها بالتماسك والوحدة. لكن هذا الرد سرعان ما تكشف أنه يعبق بالانفعال، ولم تشكل النكبة رافعًا حقيقيًا، رغم أنها كانت واقعًا يوميًا معاشًا للجميع.
فالإنسان الفلسطيني والعربي، على المستويات والصعد كافة، وعلى اختلاف أنماط الحياة، يرفض عميقًا وجود هذا الكيان العنصري، وهو الخارج حديثًا من احتلالات شرسة مزقت المنطقة وشعوبها على امتداد قرون طويلة.
وتاريخ الصراع مع العدو يوازي تاريخًا حافلًا من السقوط العربي؛ لأن الواقع يشير إلى أن الحركة الصهيونية استطاعت أن تفرض أمرًا واقعًا، وأن تبني كيانًا قابلًا للاستمرار يحظى بدعم دولي، إلى جانب علاقات ودعم عربيين، سريين وعلنيين، وفق سياسة التطبيع التي توسعت بعد الحروب العربية الإسرائيلية. وهي حروب فشلت خلالها بلدان الصراع العربي في استعادة كامل الأراضي التي سيطر عليها الاحتلال، في واقع لم يكن قادرًا على إثبات حسن النية والجدية في مواجهة العدو، وترك الباب مفتوحًا للاجتهاد والتأويل، حتى إن توصيف تلك الحروب ونتائجها لم يُحسم بما يسمح بالبناء عليها في أي مواجهة لاحقة.
إن ما يستوجبه واقعنا العربي لتجاوز أزماته هو إعادة بلورة عملية إدراك هذا الواقع بعيون الراهن. فقبل تسطير الأفق المستقبلي، علينا أولًا تحديد نمط تعاطينا مع واقعنا كما هو؛ أي أن نقوم بعملية نقدية حقيقية. إذ نمارس، بوعي أو من دونه، نوعًا من المحاباة النقدية إزاء البنية السياسية والثقافية التي ننتمي إليها، مما يجعلنا ننسج غطاءً تبريريًا وتمويهيًا يؤثر بشكل لافت في كيفية رسم انتصاراتنا المستقبلية، التي تذهب في الغالب أبعد مما يمنحه الواقع العربي من إمكانات ومعطيات.
إن ما نشاهده اليوم من ارتخاء عربي إزاء ما يحصل في غزة وفلسطين هو هزيمة كبرى لهذه الأمة أتت ملامحها واضحة، فيما لا يزالون ينكرون حقيقة هذه الهزيمة الشنعاء رغم وضوحها، وبعد أكثر من عام على اجتياح غزة. لكن ثقل الاعتراف بالهزيمة على الذات دفع نحو إنكار الواقع.
غير أن الإنكار وحده لم يكن كافيًا؛ فشعارات الإنكار ليست سوى نفي سلبي مجرد، ولا بد من جرعة تدعمه لتسند كيان الذات المهزومة. وهنا تكمن خطورة اللحظة العربية الراهنة: أن تتحول الهزيمة من واقع ينبغي الاعتراف به ومواجهته إلى حالة إنكار دائمة، تُنتج أوهام الانتصار بدل البحث في أسباب السقوط وسبل تجاوزه.