ماَزق نتنياهو.. وبشاعة الاستيطان


Case

2026-08-16 16:38

Copy Link

على ما يبدو أن صورة إسرائيل 'الوردية' والتي بذلت الحركة الصهيونية العالمية منذ سنوات طويلة، وبذلت جهودا مضنية لتثبيتها في الأذهان، بدأت تهتز عند الرأي العام العالمي بعد أن أخذ الاحتلال يمارس اليوم أبشع صوَر الاستعمار الاستيطاني، في حين انكشف التحيز الغربي من خلال الدفاع عن جرائم إسرائيل وأفعالها في مواقف تدل على السقوط في المحافل الدولية والسعي إلى عدم إدانتها، والتغطية على تلك الممارسات البشعة وغير الإنسانية. ومن تلك الممارسات قصف 'إسرائيل' عشرات المستشفيات في قطاع غزة، مأ أدّى إلى تدميرها بالكامل وقتل من فيها، عدا عن قصف مخيّمات النازحين، ومنع شاحنات المساعدات من الدخول إلى غزّة، وهذه جرائم احتلال بلد وطرد شعب من أرضه ونهب ممتلكاته.

وكعادته بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي يعلن بين حين وآخر عن رفضه لاتفاق غزة للسلام بنقاطه الخمس عشرة، ويزيد في الاعتداءات على أبناء غزة  والاستيلاء على أراضيهم والهجوم المستمر للقطيع الصهيوني على أراضي الفلسطينيين في مدن مختلفة بحملات ممنهجة ومدعومة من اليمين المتطرف، من خلال  افتعال الذرائع لتعقيد المشاكل والحيلولة دون التوصل إلى حلول حقيقية لها، وهذه مظاهر التمييز العنصري "الأبارتهايد" في السياسة الإسرائيلية.

من الواضح أن الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة تصل إلى مرتبة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وكشفت وثائق المنظمات الدولية لحقوق الإنسان عن قيام الكيان الصهيوني بممارسات عنصرية عديدة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في حين نرى في كل مرة نتنياهو يتعلل في رفضه للانسحاب من غزة إلا بعد نزع كامل سلاح حماس' وهذاغير ممكن، كما أعلن عن رفضه القاطع لإقامة دولة فلسطينية مستقلة تحت أي ظرف مستقبلا.. وانضم إليه في رفضه لاتفاق غزة، -والذي هو أحد المحاور الأساسية لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب-، وزير ماليته سموتريتش الذي قال هو الآخر إن تنفيذ هذا الاتفاق يتناقض مع أهداف إسرائيل من حربها علي غزة طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، وأن الجيش الإسرائيلي سيبقى في غزة ولن ينسحب منها.

أراد نتنياهو أن يقول إن حكومته وحدها هى صاحبة القرار النهائي وليست أميركا أو مجلس الأمن الدولي أو مجلس السلام، وأنه لا توجد قوة في العالم تستطيع ان ترغم إسرائيل على قبول الاتفاق ما لم تعد مقتنعة به أو مستعدة لأن تدفع هذا الثمن فيه.

ولهذا أقنع نتنياهو، الرئيس الأميركي في هجومه الغبي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية دون تخطيط صحيح ودون معرفة وإلمام بما يتطلبه مثل هذا التهويش. ولم يستطع إسقاط النظام الإيراني ولم تتوقف الهجمات، ولم يتم تفكيك القدرات الإيرانية، بل تمكنت طهران من استيعاب الضربات وواصلت عملياتها بوتيرة تصاعدية، وانتهت الحملة دون تغيير حتى في قواعد الاشتباك، ولم تحسم المعركة ولم يتحقق النصر الأميركي في الحالتين، ولم تحقق واشنطن أهدافها المعلنة، ورجحت كفة إيران في الكثير من الجولات، وتعمق المأزق الأميركي وثبت بالدليل العقلي والنقلي بأن القوة الأميركية غير كافية للحسم، وأن كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التراجع.

يجد كيان الاحتلال الإسرائيلي نفسه عشية انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول\نوفمبر 2026 أمام مفترق طرق تاريخي وفارق في المأزق العسكري المستمر على جبهات الاستنزاف الممتدة من غزة إلى لبنان وصولاً الى إيران، وغياب الأفق الاستراتيجي للحسم وتحقيق النصر المطلق، وتراجع الثقة الشعبية، كلها عوامل تضافرت لتضع رئيس حكومة الاحتلال ومعسكره اليميني أمام خطر حقيقي وفقدان الأغلبية البرلمانية.

يمثل المخاض الانتخابي لنتنياهو  أكثر من مجرد تبدّل في وجوه الائتلاف الحاكم؛ بل يعكس أزمة بنيوية في نموذج إدارة الأمن والسياسة الإسرائيلية، وينذر بتداعيات زلزالية على مستقبل نتنياهو السياسي والقضائي والشخصي.

أن الاستحقاق الأكبر المتمثل بالانتخابات العامة في الولايات المتحدة سيكون الاختبار الأهم ويشكل تداعيات غير مسبوقة على السياسة والمجتمع في الولايات المتحدة، وحتى على العلاقة مع الأصدقاء المحتملين على المستوى الإقليمي في سياق التطبيع والتحالف فإن الاحتلال الإسرائيلي يعقد ويصعب المهمة عليهم ويباعد المسافات بينه وبينهم على المستوى العلني على الأقل.

ما من شك أن نتنياهو يغرد في سرب، ودولة الاحتلال كلها تغرد في سرب آخر، فهو يحسب الأمور من منطلقات شخصية ولديه القدرة من خلال تحالفاته على اللعب بالمشهد حتى الآن، كما يرغب وعلى على إطالة أمد الحرب ليزيد من عمره الافتراضي في قيادة السياسة الاحتلالية، ولكن كلما طال أمد الحرب وكلما زاد العمر السياسي لنتنياهو فإن الاحتلال الإسرائيلي يسير نحو خسائر استراتيجية على المستويات الدبلوماسية والعسكرية والأمنية، ويعمق نزول أقدام الاحتلال في مآزق متعددة. هذه مجرد مجموعة من جملة مآزق عدة يخوضها الاحتلال حاليا ويغامر في مزيد من تعمقها وخلق مآزق أخرى جديدة.

>