الضفة الغربية... من إدارة الصراع إلى هندسة الجغرافيا والإنسان


Case

2026-07-31 17:01

Copy Link

مباشرة، ومن دون مقدمات استُهلكت في مئات المقالات الفلسطينية، لم يعُد السؤال اليوم: كيف يبدأ الفلسطيني يومه؟ ولا بأي الطرق يصل إلى أرضه؟ ولا حتى كيف ينهي يوماً بات أشبه ما يكون بأمسه؛ وإنما السؤال الحقيقي أصبح: ما الذي يحدث لفكرة الضفة الغربية نفسها؟ فالضفة ليست مجرد أرض تتعرض للاستيطان، ولكنها فضاء وطني يتعرض لإعادة تشكيل ممنهجة، تستهدف الإنسان كما تستهدف المكان، والذاكرة كما الجغرافيا، في محاولة لتفكيك المجتمع الفلسطيني من داخله، لا الاكتفاء بالسيطرة عليه من خارجه.

وكي لا نقع نحن أيضاً في فخ التعميم أو الأحكام الجاهزة، فلا أميل إلى إلقاء الكرة في ملعب الآخرين لإراحة الضمير؛ فإن الخطاب الذي يحمّل السلطة الفلسطينية مسؤولية كل شيء، لا يقل اختزالاً عن الخطاب الذي يعفيها من أي مسؤولية عن أي شيء. كلاهما يرى جزءاً من المشهد، ويغفل المشروع الذي يتحرك فوق الجميع ويستهدف الجميع.

نعم، يمكننا الجزم أن السلطة تواجه مشروعاً يتجاوز قدرتها البنيوية على المواجهة، ولكنها في الوقت نفسه مطالبة بإعادة تعريف دورها؛ لأن الاكتفاء بإدارة الشأن اليومي، في الوقت الذي يُعاد فيه تشكيل الضفة ميدانياً وسياسياً، يعني اتساع الفجوة بين وظيفتها الراهنة وحجم التحدي التاريخي الذي يفرض نفسه اليوم.

من هنا، لم يعد السؤال: من نلوم؟ ولكن: ماذا نفعل؟ والأهم، من الفاعل؟ فالمواجهة اليوم لم تعُد مسؤولية السلطة الفلسطينية وحدها، كما أنها ليست مهمة الفصائل والأحزاب وحدها، ولا المجتمع المدني وحده، ولا المواطن الذي يصر على الصمود والبقاء في أرضه وحده؛ فنحن جميعاً أمام حالة لا تميز بين شخص وآخر أو وظيفة وأخرى، وإنما أمام مشروع تعود بذرته الأولى إلى أكثر من قرن، ويستهدف إعادة تشكيل الأراضي الفلسطينية بشكل عام، والضفة الغربية سياسياً وجغرافياً ومجتمعياً على وجه الخصوص. وهو المشروع الذي نظّر له جابوتنسكي في "الجدار الحديدي"، قبل أن ينتقل، بعد عقود، من العقيدة السياسية إلى التطبيق العملي مع سموتريتش، الذي لم يبتكر مشروعًا جديدًا، بقدر ما نقل سؤال القوة إلى سؤال الحسم؛ فإذا كان سؤال جابوتنسكي: كيف نفرض قبول المشروع الصهيوني؟ فإن سموتريتش يصعّد السؤال درجة إضافية تلائم الزمن الراهن: كيف نجعل الدولة الفلسطينية مستحيلة مادياً، حتى لو بقيت مطروحة سياسياً؟

هذا المشهد، وفق التسلسل التاريخي التصاعدي المشار إليه منذ طرح النظرية مروراً بالنكبة وأوسلو وصولاً لما وصلنا إليه اليوم، هو ما يفرض علينا إعادة تعريف أدوار مجمل البنية الوطنية الفلسطينية؛ من السلطة، إلى القوى والفصائل، إلى مؤسسات المجتمع المدني، وصولًا إلى الفرد الفلسطيني نفسه، بحيث يصبح كل طرف جزءاً من الإجابة عن سؤال الاستراتيجية الوطنية الواحدة، لا مجرد إدارة منفصلة لأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم وتمس الجميع أفقياً وعمودياً.

ولكي نكون أكثر وضوحاً، علينا الإقرار أن الفارق بيننا وبينهم، أن تشكيلاتهم من قادة وتيارات ومؤسسات، عملت في سياق واحد ووحيد باتجاه تحقيق الهدف المنشود، وإن اختلفت الأدوات والسبل، وتناحر الجمع بين حين وآخر؛ فيما يكمن جزء أساسي من أزمتنا، منذ ذلك الوقت وإلى يوم الناس هذا، في أن جزءاً من البنية الوطنية انشغل مبكراً بإدارة ذاته أكثر من انشغاله بإدارة الصراع، حتى تحولت بعض المؤسسات والأحزاب والفصائل في كثير من الأحيان، وعبر عديد الحقب الزمنية إلى كيانات تحيا باسم الشعب أكثر مما تحيا لهذا الشعب، فأصبحت محاولة المحافظة على البنية التنظيمية هي الأولوية التي تتقدم على إنتاج أدوات جديدة لحماية الإنسان والأرض اللذين يشكلان، في جوهريهما، أساس القضية. 

ولذلك أعتقد أن الأزمة الفلسطينية لا تكمن فقط في قوة المشروع الصهيوني، ولا في البيئة الإقليمية والدولية التي وفرت له هوامش حركة غير مسبوقة، وإنما أيضاً في غياب الرؤية الوطنية الجامعة التي تتعامل مع ما يجري في الأراضي الفلسطينية كافة بشكل أساسي، وفي الضفة الغربية بشكل خاص، باعتباره معركة وجود تتجاوز حدود السياسة اليومية وإدارة الأزمات. فالمشكلة لم تعُد نقصاً في التضحيات، ولا في وضوح الخطر، قدر ما تكمن في القدرة على تحويل هذا الإدراك إلى استراتيجية متكاملة، تتقاسم فيها السلطة والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني والمواطن العادي أدواراً واضحة، بدلاً من استمرار كل طرف في إدارة معركته الخاصة، وإلقاء اللوم على الآخرين، بينما يخوض المشروع الصهيوني معركته الواحدة بثبات وصبر وتراكم.

وهو ما يطرح علينا أسئلة مشروعة، يكمن في الإجابة عنها كثير من الحلول الممكنة؛ لنتعامل مع مكامن الخطر فاعلين لا متغافلين:

🔹 كيف نعيد الاعتبار إلى القرية الفلسطينية بوصفها خط الدفاع الأول؟ وهو ما يعني إعادة النظر في خارطة الانتشار الفلسطيني على كامل الجغرافيا المتاحة قطعاً لطريق تفريغ الأرض من أهلها الأصليين.

🔹 وكيف يمكننا تشكيل لجان حماية شعبية على أسس قانونية وإعلامية في القرى المستهدفة، يمكنها أن تشكل رافعة حماية للإنسان والمكان؟ 

🔹 وما الذي يمنع تحويل كل اعتداء استيطاني إلى معركة سياسية ودبلوماسية وإعلامية تحاصر المستعمر بالقانون بوصفه سلاحاً يحمل أكثر أصناف الذخيرة نجاعة.

🔹 وأين يكمن الخلل في حماية الاقتصاد المحلي بوصفه أحد شروط الصمود؟ لأن البقاء على الأرض ليس شعاراً، بل قدرة معيشية.

أعتقد أن بناء استراتيجية فلسطينية موحدة تجعل الضفة أولوية وطنية، لا مجرد ملف صراع إداري، يفرض علينا مراجعة وظائفنا جميعاً: سلطةً، وقوى وفصائل، ومجتمعاً مدنياً، وأفراداً؛ ببساطة لأننا نقف جميعاً على المسطرة نفسها من الاستهداف، فيما يصارع المحتل الزمن لتنفيذ الانتقال الأهم في كامل مشروعه، الانتقال من إدارة الصراع إلى هندسة الجغرافيا والإنسان عبر سياسات الضم الفعلي.

فإذا كانت إسرائيل تراهن على أن الزمن كفيل بتحويل الوقائع التي تفرضها اليوم إلى حقائق سياسية يصعب التراجع عنها غداً، فإن الرهان الفلسطيني لا ينبغي أن يعوّل على الزمن وحده، وإنما على قدرتنا على تحويل الوعي بهذا المشروع إلى فعل وطني منظم؛ لأن معركة الضفة لم تعد معركة حدود، وإنما معركة وجود ومعنى ومستقبل.

>