
2026-07-27 11:19
قد تكون الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أكثر من معركة بين بنيامين "نتنياهو " و"غادي آيزنكوت"؛ فقد تتحول إلى اختبار حقيقي لموقع المواطنين العرب في المعادلة السياسية الإسرائيلية: هل يبقون «بيضة القبان» التي تحدد من يحكم، أم يتحولون إلى قوة يُستفاد منها لإسقاط حكومة، ثم يجري تجاوزها عند تشكيل الحكومة الجديدة؟
المفارقة التي تبرز في المشهد الإسرائيلي شديدة الدلالة: "آيزنكوت" يريد إسقاط نتنياهو، لكنه يريد – وفق السيناريو المتداول – أن يفعل ذلك من دون أن يكون مضطراً إلى إشراك العرب في حكومته أو دفع ثمن سياسي مقابل دورهم.
وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية: إذا حصل معسكر "آيزنكوت"، مثلاً، على 58 مقعداً، ومعسكر نتنياهو على 50، والأحزاب العربية على 12، تصبح المقاعد العربية رقماً حاسماً في تحديد مصير الحكومة؛ لكن السؤال ليس فقط: من يحتاج إلى العرب؟ بل: ماذا سيقدم لهم مقابل حاجته إليهم؟
«شبكة الأمان المجانية»:هنا تظهر فكرة سياسية لافتة يمكن تسميتها «شبكة الأمان المجانية»: حكومة يقودها آيزنكوت ولا تضم الأحزاب العربية، ولا تتفاوض معها بالضرورة، لكنها تستفيد من امتناعها عن إسقاط الحكومة أو من عدم تصويتها ضدها.
أي أن الرسالة تصبح: ساعدونا على التخلص من نتنياهو، لكن لا تطلبوا ثمناً سياسياً، وهذه ليست شراكة سياسية، بل محاولة للاستفادة من القوة العربية مع إبقائها خارج دائرة صناعة القرار، صحيح أن تشكيل الحكومة الإسرائيلية لا يتوقف على كون معسكر "آيزنكوت" أكبر من معسكر نتنياهو، بل يحتاج إلى دعم برلماني يتيح نيل الثقة؛ لكن المعضلة السياسية تظل قائمة: ماذا يفعل العرب إذا أصبح إسقاط نتنياهو ممكناً من دون أن يكونوا شركاء في الحكومة البديلة؟
بين الأسوأ والأقل سوءاً؛ قد يقول البعض إن التخلص من حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش هدف بحد ذاته، وإن منع استمرارها يستحق التضحية بأي مكاسب أخرى.
لكن السياسة لا تقوم فقط على سؤال: «من الأسوأ؟»، بل أيضاً على سؤال: ماذا بعد إسقاط الأسوأ؟ إذا كان نتنياهو هو الخيار الأسوأ بالنسبة للعرب، فهذا لا يعني أن آيزنكوت يجب أن يحصل على شيك على بياض، وفي المقابل، إذا رفض العرب أي حكومة بديلة لمجرد أنها لا تقدم لهم شيئاً، فقد يجدون أنفسهم – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – قد ساهموا في استمرار حكومة نتنياهو وحلفائه. وهنا تكمن المعضلة: كيف يسقط العرب نتنياهو من دون أن يسقطوا قيمة أصواتهم؟ لا لنتنياهو... ولا شيكاً على بياض لآيزنكوت،
الخطأ الأكبر أن تدخل الأحزاب العربية الانتخابات وهي تفكر فقط في كيفية منع نتنياهو، من دون التفكير في اليوم التالي.
إذا حصلت القائمة العربية على وزن حاسم، فعليها أن تحدد مسبقاً ما تريد: معالجة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، قضايا التخطيط والبناء، الميزانيات، التعليم، البنية التحتية، والمساواة المدنية، إضافة إلى القضايا الوطنية التي تشكل جزءاً أساسياً من موقفها.
ليس المطلوب بالضرورة دخول الحكومة؛ فقد يكون الخيار الأفضل، وفق النتائج، دعماً من الخارج أو امتناعاً مشروطاً أو اتفاقاً سياسياً واضحاً، لكن ما لا ينبغي قبوله هو أن يتحول الصوت العربي إلى خدمة مجانية؛ فالقاعدة السياسية بسيطة: من يحتاج إلى أصواتك، يجب أن يدفع ثمناً سياسياً مقابلها أي من «بيضة القبان» إلى قوة تفاوضية.
وحدة الأحزاب العربية في قائمة مشتركة يمكن أن تكون فرصة مهمة، لكن الوحدة الانتخابية وحدها لا تكفي؛ المطلوب وحدة في الموقف بعد ظهور النتائج أيضاً.
فإذا حصل العرب على 10 أو 12 أو 14 مقعداً، ثم اختلفوا على كيفية استخدامها، فإن الرقم الكبير قد يتحول إلى قوة صغيرة، أما إذا اتفقوا على الحد الأدنى من المطالب، فيمكنهم أن يقولوا لأي معسكر: نحن لا نمنحكم حكومة مجاناً؛ نحن نتفاوض على مصالح مجتمع كامل.
وهنا تتحول «شبكة الأمان» من أداة يستخدمها الآخرون ضد العرب إلى ورقة تفاوضية بأيديهم.
المعركة المقبلة(الحقيقية) والأهم هي: هل يستطيع العرب تحويل وزنهم الانتخابي إلى قوة سياسية؟ ليس هل يكون نتنياهو أم آيزنكوت؟
قد لا يريد العرب أن يحكموا إسرائيل، لكن من حقهم أن يحددوا شروط استخدام قوتهم البرلمانية، لذلك لا ينبغي أن يكون موقفهم: «نحن مع نتنياهو» أو «نحن مع آيزنكوت»، بل: نحن مع ما يحقق مصالح مجتمعنا وحقوقنا، ومن يريد دورنا فعليه أن يتفاوض معنا.
فالصفعة الحقيقية لن تكون فقط إذا شكل آيزنكوت حكومة من دون العرب؛ بل إذا احتاج إلى أصواتهم لإسقاط نتنياهو، ثم قال لهم في اليوم التالي: شكراً... والآن عودوا إلى المعارضة، لذلك، السؤال الذي يجب أن يسبق الانتخابات ليس: من سيكون رئيس الحكومة؟ بل: من سيحتاج إلى العرب، وماذا سيدفع مقابل أصواتهم؟
فالقوة ليست في أن تكون «بيضة القبان» فقط؛ القوة الحقيقية أن تعرف كيف تستخدم وزنك عندما تحين لحظة الحسم.