
2026-07-26 11:46
ناقشنا في المحور الاول قبل إسبوع، دور ومكانه واهمية المدرب كميسر ومتفاعل مع العملية التدريبية، والمتدرب كمشارك فعال وليس متلقي، في هذا المحور سنناقش ثقافة التدريب من حيث الاسس والاهمية والاجراءات المرافقة لتعزيز هذه الثقافة، حيث لم يعد التدريب في المؤسسات الحديثة نشاطاً ثانوياً أو امتيازاً يمنح لبعض الموظفين، بل أصبح أحد أهم المؤشرات التي تقيس نضج وتحديد ملامح و مكانه المؤسسة المستقبليه، وكفاءة حوكمتها، وقدرتها على الاستدامة والتنافسية. فالمؤسسات التي تنظر إلى التدريب باعتباره تكلفة مالية غالباً ما تبقى أسيرة الأساليب التقليدية، بينما المؤسسات التي تنظر إليه بوصفه استثماراً استراتيجياً تحقق مستويات أعلى من الأداء والإنتاجية والابتكار.
ومن هنا تبرز ثقافة التدريب باعتبارها الإطار الفكري والقيمي الذي يحكم نظرة المؤسسة إلى التعلم المستمر، ويحدد مدى التزامها ببناء رأس مالها البشري وفق معايير الحوكمة الرشيدة. إن بناء ثقافة تدريبية راسخة يبدأ أولاً من قناعة المؤسسة نفسها بأن الإنسان هو أهم أصولها، وأن الاستثمار في تطوير قدراته ينعكس مباشرة على جودة الخدمات، وكفاءة الأداء، والقدرة على مواجهة التحديات. فلا يمكن لأي نظام تدريبي أن ينجح إذا ظل ينظر إلى التدريب باعتباره نشاطاً موسمياً أو استجابة ظرفية لمتطلبات إدارية أو مالية.
وتأتي بعد ذلك قناعة القيادة العليا ورئيس المؤسسة والمديرين العامين، إذ تمثل القيادة القدوة الأولى في ترسيخ ثقافة التعلم المؤسسي؛ فعندما تؤمن الإدارة العليا بأهمية التدريب، فإنها تتحول من مجرد جهة تصادق على الخطط إلى شريك فعلي في دعمها، وتوفير الموارد لها، ومتابعة نتائجها، وربطها بتحسين الأداء المؤسسي. أما إذا غابت هذه القناعة، فإن التدريب يتحول إلى نشاط شكلي، ينفذ لإكمال المتطلبات الإدارية دون أثر حقيقي.
كما أن من أهم معايير حوكمة التدريب قرار المؤسسة بتخصيص موازنات مالية كافية ومستقرة؛ فالمؤسسات الرائدة لا تعتمد على التمويل الطارئ أو المنح الخارجية وحدها، وإنما تخصص بنداً مالياً واضحاً للتدريب ضمن موازناتها السنوية، انطلاقاً من قناعة بأن الإنفاق على تنمية الموارد البشرية هو استثمار طويل الأجل، وليس عبئاً مالياً يمكن الاستغناء عنه عند أول أزمة.
ولا تكتمل ثقافة التدريب إلا عندما يصبح جزءاً أصيلاً من الخطة الاستراتيجية للمؤسسة، وكما يشير بيتر دراكر: “الثقافة تأكل الاستراتيجية على الإفطار.”
أي أن طريقة تعامل إدارة المؤسسة مع الموظفين وجمهور ومستفيدي المؤسسة والنظرة المستقبلية لهذا التعامل تحدد قدرة المؤسسة على النجاح.؛ بحيث ترتبط البرامج التدريبية بالأهداف الاستراتيجية، وبمؤشرات الأداء المؤسسي، وبخطط التطوير والتحول المؤسسي. فالتدريب الناجح ليس مجموعة من الدورات المتفرقة، وإنما منظومة متكاملة تنطلق من تحليل الاحتياجات، وتستجيب لأولويات المؤسسة، وتقاس نتائجها بمؤشرات واضحة.
مبدأ الجدارة والكفاءة: وفي إطار الحوكمة، ينبغي أن يقوم التدريب على هذا المبدأ ، بحيث يصبح ( أداة فعليه ملموسه لإعداد القيادات المستقبلية، وليس مجرد مكافأة أو امتياز او انفاق ومال وقت او حشو معلومات لا اساس فعلي لاختبارها). فالمؤسسات الناجحة تحدد المسارات الوظيفية، وتؤهل الموظفين لشغل المواقع القيادية من خلال برامج تدريبية متخصصة، بما يضمن وجود صف ثانٍ وثالث من القيادات القادرة على استلام المسؤولية بكفاءة واستمرارية.
كما أن ثقافة التدريب الحقيقية تقتضي ربط التدريب بمنظومة تقييم الأداء والترقية. فلا ينبغي أن تكون المشاركة في البرامج التدريبية مجرد إضافة إلى السيرة الذاتية، بل يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم الموظف، وقياس تطوره المهني، وفرص ترقيته وتكليفه بالمهام القيادية؛ فذلك يعزز دافعية الموظفين نحو التعلم المستمر، ويجعل التدريب جزءاً من ثقافة الإنجاز والتميز.
ومن متطلبات الحوكمة أيضاً بناء هيكل تنظيمي متخصص بالتدريب والتطوير، يمتلك الصلاحيات والإمكانات اللازمة لإدارة العملية التدريبية بكفاءة؛ فلا يمكن لوحدة تدريب محدودة الإمكانات أو غير مؤهلة أن تقود عملية التطوير المؤسسي بل ينبغي أن تضم كوادر متخصصة في تحليل الاحتياجات التدريبية، وتصميم البرامج، وإدارة العملية التدريبية، وقياس أثرها، وإدارة المعرفة، واستخدام التقنيات الحديثة في التعلم.
وتبرز كذلك أهمية توفير العدد الكافي من الكفاءات البشرية العاملة في مجال التدريب، بما يتناسب مع حجم المؤسسة وانتشارها الجغرافي وتنوع اختصاصاتها. فإدارة التدريب ليست مسؤولية موظف واحد، وإنما منظومة عمل متكاملة تتطلب خبرات متنوعة في التخطيط والتنفيذ والتقييم والجودة.
ولا تقتصر ثقافة التدريب على تنفيذ البرامج، بل تشمل أيضاً قياس أثر التدريب على أداء الموظفين والمؤسسة، والاستفادة من نتائج التقييم في تطوير الخطط المستقبلية، بما يحقق التحسين المستمر، ويضمن الاستخدام الأمثل للموارد المالية والبشرية.
ويتعاظم أثر الحوكمة عندما يتم تحديد مسؤوليات واليات التقييم القبلي والبعدي مما يساعد في قياس الأثر، حيث ان استخدام هذه التقييمات وقياس أثر التدريب كأساس في التدريبات المستقبلية يساهم في التطوير المؤسسي على المدى البعيد.
إن المؤسسات التي تنجح في بناء ثقافة تدريبية متكاملة وفق مبادئ الحوكمة، لا تكتفي بتطوير مهارات موظفيها، بل تؤسس لثقافة تنظيمية قائمة على التعلم المستمر، والابتكار، والمساءلة، والشفافية، والاستدامة. وهي بذلك تنتقل من إدارة الموارد البشرية إلى بناء رأس مال بشري قادر على قيادة التغيير وصناعة المستقبل.
ونستخلص إن ثقافة التدريب ليست شعاراً إدارياً، ولا برنامجاً سنوياً، وإنما فلسفة مؤسسية متكاملة تبدأ من قناعة القيادة، وتترجم إلى سياسات واستراتيجيات وموازنات وهياكل تنظيمية وأنظمة تقييم وترقية قائمة على الجدارة. وعندما تصبح هذه الثقافة جزءاً من هوية المؤسسة، يتحول التدريب من نشاط داعم إلى قوة استراتيجية تصنع التميز المؤسسي، وترفع كفاءة الأداء، وتعزز الحوكمة الرشيدة، وتضمن استدامة النجاح في عالم سريع التغير.