بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع


Case

2026-06-29 08:20

Copy Link

هذا النص لا يقدّم إجابات نهائية بقدر ما يفتح باب الأسئلة والنقاش، وهو في جوهره تعبير عن وجهة نظر قابلة للنقاش، تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ. الغاية منه ليست إصدار أحكام سياسية أو الانتقاص من أي طرف، بل محاولة الدفع باتجاه نقاش حول طبيعة الفعل السياسي القائم، ومدى فاعلية القوى الفلسطينية المختلفة على الساحة، وما إذا كانت دعواتها المتكررة إلى الوحدة والإصلاح والعمل الوطني ما تزال تمتلك قدرة حقيقية على التأثير، أم أنها تحوّلت إلى خطاب متكرر لا يترك أثراً ملموساً في الواقع.

ينطلق هذا الطرح من قناعة بأن الواقع الفلسطيني الراهن لم يعد يحتمل كثيرا من الترف السياسي أو الاكتفاء بإطلاق المواقف وإعادة إنتاج البيانات، بقدر ما يحتاج إلى فعل سياسي ملموس يوازي حجم المخاطر والتحديات القائمة، ويحوّل الشعارات إلى سياسات وخيارات قابلة للتطبيق، لا إلى عبارات تتكرر بصيغ مختلفة.

من جديد، تعود إلى الواجهة بيانات تصدر عن قوى فلسطينية "رئيسية"، إلى جانب أطر سياسية أخرى حديثة التشكّل، تدعو جميعها إلى الوحدة الوطنية، وإطلاق حوار شامل، وعقد لقاءات قيادية عاجلة، وصولا إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس توافقية وديمقراطية.

في ظاهرها، تعكس هذه البيانات إدراكا واضحا لخطورة المرحلة، في ظل حرب إبادة مستمرة على قطاع غزة، وتصعيد متواصل في الضفة الغربية، ومحاولات متسارعة لإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي الفلسطيني. لكنها في جوهرها تعيد إنتاج الخطاب ذاته الذي بات مألوفا منذ سنوات يتمثل في توصيف حاد للأزمة، دعوات عامة للوحدة، مطالب بإصلاح النظام السياسي، ثم العودة مجددا إلى النقطة ذاتها دون أي تغيير فعلي في البنية أو في سلوك الفاعلين السياسيين.

غير المفهوم أن هذه القوى، التي يُفترض أنها جزء أساسي من النظام السياسي الفلسطيني وليست خارجه، تتعامل مع "الوحدة الوطنية" وكأنها مطلب يُفترض بالآخرين تحقيقه، لا مسؤولية تقع على عاتقها داخل بنيتها وأدائها. وكأن الأزمة في مكان آخر، بينما يقتصر دورها على إصدار البيانات أو تسجيل المواقف أو التحذير.

هذا النمط من الخطاب يكشف أزمة أعمق من مجرد خلافات سياسية أو تنظيمية، إذ يعكس تحول السياسة الفلسطينية تدريجيا إلى مساحة لإنتاج البيانات أكثر من كونها مساحة لصناعة الفعل. تصبح الدعوة إلى الحوار بديلاً عن ممارسته، وتتحول "الاستراتيجية الوطنية"- وهي أصلًا مفهوم غير متماسك في كثير من الأحيان-، إلى عنوان دائم يُعاد تدويره دون أن يتحول إلى برنامج واضح أو آليات تنفيذ حقيقية.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن بعض هذه القوى، التي تتصدر خطاب الدعوة إلى الوحدة أو الإصلاح، تعاني في الواقع من ضعف داخلي بنيوي واضح، سواء على مستوى التنظيم أو القدرة على الفعل أو التأثير. هذا الضعف لم يعد خفيا، بل بات مكشوفا أمام ذات هذه القوى أولا، وأمام الجمهور الذي يُفترض أنها تخاطبه. ومع ذلك، يستمر إنتاج خطاب واسع يتجاوز بكثير حدود القدرة الفعلية على التنفيذ، وكأن الفجوة بين القول والفعل يمكن تعويضها بكثافة اللغة وبلاغة التصريحات.

الأكثر دلالة أن هذا الخطاب يُطرح في لحظة يُفترض أنها اختبار حقيقي لكل البنى السياسية الفلسطينية، سواء تلك المنضوية تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية أو تلك التي تعمل خارجها أو على هامشها. لكن بدل أن يتحول هذا الاختبار إلى فرصة لإعادة تعريف العلاقات بين هذه المكونات، يتم إعادة تدوير المفردات نفسها مثل شراكة، توافق، وحدة، إصلاح، انتخابات… دون أن ينعكس أي منها على بنية القرار السياسي أو آليات إنتاجه.

هنا تظهر الإشكالية الأعمق المرتبطة ببنية النظام السياسي نفسه، وبشكل خاص العلاقة بين السلطة القائمة وبين الإطار التمثيلي الأشمل الذي يُفترض أنه يمثل عموم الفلسطينيين. إذ تحولت هذه العلاقة عمليا إلى علاقة مزدوجة، من جهة خطاب رسمي يؤكد مركزية المنظمة وضرورة تفعيل مؤسساتها، ومن جهة أخرى واقع سياسي تُدار فيه مراكز القرار بشكل منفصل، وتُعاد فيه هندسة التمثيل وفق توازنات السلطة لا وفق منطق الشراكة الوطنية.

هذا الانفصال بين "التمثيل" و"السلطة" أفرز حالة سياسية رمادية عبارة عن إطار وطني جامع من حيث الشكل، محدود التأثير من حيث المضمون؛ وسلطة تمارس وظائفها اليومية ضمن قيود الواقع، وفي الوقت نفسه تتحكم بدرجات متفاوتة في مسار القرار الوطني. وبين هذا وذاك، تتوزع القوى الأخرى بين حضور رمزي أو معارضة خطابية أو إدارة مصالحها الداخلية.

وهنا، تصبح الدعوات المتكررة إلى إعادة بناء النظام السياسي، أو إجراء انتخابات شاملة، أو تفعيل الأطر القيادية المشتركة، أقرب إلى إعادة إنتاج للأزمة نفسها بدل أن تكون محاولة لتجاوزها. فالمشكلة ليست في غياب العناوين، بل في غياب القدرة على تحويل هذه العناوين إلى بنى ملزمة تعيد تعريف العلاقة بين القوى المختلفة، وبين المنظمة والسلطة، وبين المركز والهامش.

وتبرز هنا مسألة الانتخابات، ولا سيما انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بوصفها اختبارا سياسيا مكشوفا. فهي لا تعيد فقط تشكيل المؤسسات، بل تعيد أيضا توزيع الوزن السياسي داخل النظام كله. لذلك، لا يمكن فصلها عن حسابات القوة والنفوذ داخل البنية القائمة. ومن هنا يظهر ما لا يُقال علنا، أن بعض القوى، رغم تأييدها الظاهر للانتخابات، تخشى أن تكشف أي عملية انتخابية جدية حجم التراجع الحقيقي في حضورها وتأثيرها، وتضعها أمام واقع لا يتناسب مع وزنها التاريخي أو الرمزي.

هذا التوتر بين الخطاب والواقع يفسر جانبا من الإصرار على ربط الانتخابات بشروط توافقية فضفاضة، تترك الباب مفتوحا للتأجيل أو التعديل أو إعادة التفسير. فالتوافق هنا لا يعمل فقط كآلية تنظيمية، بل كوسيلة لضبط النتائج مسبقا أو تأجيل لحظة انكشاف موازين القوة الفعلية.

في هذا السياق، يمكن التمييز بين الشرعية التاريخية التي راكمتها قوى عديدة عبر دورها النضالي وتاريخها الطويل في المشروع الوطني، وبين الشرعية الفعلية التي تُقاس اليوم بقدرتها على التأثير في القرار السياسي، والحضور داخل المجتمع، وإنتاج بدائل حقيقية. وبين هذين المستويين تتسع فجوة متزايدة، تجعل من التاريخ رصيدا رمزيا مهما، لكنه غير كافٍ لضمان استمرار الفاعلية السياسية.

لا تبدو الأزمة الفلسطينية اليوم أزمة غياب توافق بقدر ما هي أزمة عجز هذا التوافق نفسه عن التحول إلى نظام سياسي فاعل. فالوحدة الوطنية التي يُعاد استدعاؤها في كل بيان لم تعد سؤالا نظريا، بل أصبحت اختبارا عمليا لقدرة النظام السياسي بكل مكوناته على إنتاج قرار، لا مجرد وصفه.

لم يعد الأمر يتعلق بمدى صحة البيانات أو وجاهة الدعوات إلى الوحدة، فذلك بات جزءا روتينيا من المشهد السياسي الفلسطيني يُعاد إنتاجه كلما اشتدت الأزمة. السؤال الحقيقي اليوم هو ما قيمة هذا الخطاب إذا كان لا يغيّر شيئا في الواقع، ولا يفرض سلوكا سياسيا مختلفا، ولا يقترب حتى من جوهر المشكلة؟

تبدو القوى التي تتصدر مشهد الدعوة إلى الوحدة والإصلاح، في كثير من الأحيان، وكأنها مستقرة في منطقة مريحة؛ منطقة القول دون الفعل، والموقف دون كلفة، والبيان دون مسؤولية. وكأن السياسة يمكن أن تُدار بلا نهاية عبر إعادة تدوير اللغة نفسها، دون اختبار حقيقي على أرض الواقع.

لكن ما لم يعد ممكنا الاستمرار به هو هذا الفصل المتعمد بين الخطاب والممارسة. فإما أن تتحول هذه الدعوات إلى فعل سياسي حقيقي يعيد تشكيل البنية السياسية على أسس جديدة، أو يُصار إلى الاعتراف بأن ما يجري ليس سوى إدارة للأزمة عبر اللغة، لا محاولة لحلها.

وفي هذه النقطة تحديدا، لا يعود "الحكي" مجرد ضعف، بل يصبح شكلا من أشكال العجز السياسي المقنّع، الذي يكتفي بتسجيل المواقف فيما تتآكل القدرة الفعلية على التأثير. وحين تصل السياسة إلى هذا الحد، فإنها تفقد معناها قبل أن تفقد أدواتها.

والاستيطان، في المقابل، لا ينتظر توافقا ولا بيانات ولا اجتماعات مطولة، بل يتحرك على الأرض ويغيّر الوقائع ساعة بعد ساعة، بحيث إن استمرار إدارة السياسة بمنطق التأجيل والتوافق الفضفاض يعني ببساطة أنه حين يكتمل "التوافق" أخيرا، قد لا يتبقى أصلا ما يمكن التوافق عليه من أرض.

 

>