من الطعن إلى التكيّف


Case

2026-05-03 07:55

Copy Link

ينطلق هذا المقال بوصفه محاولة تحليلية لقراءة بعض ملامح السلوك السياسي خلال الانتخابات المحلية الأخيرة، وهو، في جوهره، لا يدعي امتلاك الحقيقة أو تقديم خلاصات نهائية، بقدر ما يمثل وجهة نظر تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ، وتسعى إلى الإسهام، ولو بقدر متواضع، في فهم ديناميات المشهد السياسي وتحولاته. كما يستند هذا الطرح إلى قراءة نقدية للمواقف والسلوكيات المعلنة، في محاولة لتفكيك العلاقة بين الخطاب والممارسة، دون استهداف أو تجريح، وبعيدا عن إصدار أحكام قطعية، انطلاقا من قناعة بأن النقاش النقدي المسؤول يشكل مدخلا ضروريا لتعزيز الوعي السياسي وتطوير أدوات الفهم والتحليل.

تُظهر الانتخابات المحلية الفلسطينية الأخيرة، في احدى قراءاتها، أنها لم تكن مجرد استحقاق إداري "ديمقراطي" دوري يتعلق بإدارة الشأن المحلي، بل مثلت فضاءً كاشفا لإعادة تشكل الفاعلين السياسيين، وحدود قدرتهم على التكيف مع بيئة اجتماعية وسياسية تتآكل فيها البنى الحزبية التقليدية لصالح أنماط تمثيل أولية تقوم على العائلة والروابط المحلية والاعتبارات الزبائنية. وفي هذا السياق، برز سلوك بعض القوى اليسارية والديمقراطية بوصفه حالة تستحق التفكيك، ليس من زاوية الاتهام أو الإدانة، بل من زاوية تحليل التناقض بين الخطاب والممارسة، وكيفية إعادة إنتاج هذه القوى لذاتها في ظل شروط موضوعية غير مواتية.

لقد انطلقت بعض القوى اليسارية والديمقراطية، في مرحلة ما قبل الانتخابات، من خطاب نقدي مرتفع السقف، تمحور حول الطعن في الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية، واعتباره إطارا إقصائيا يتعارض مع مبادئ التعددية والتمثيل السياسي. ولم يقف هذا الخطاب عند حدود التعبير السياسي، بل اتخذ شكل اشتباك قانوني مؤسسي عبر الطعن في بعض بنود القانون أمام المحكمة الدستورية، في خطوة عكست محاولة لتأطير الصراع ضمن حقل الشرعية الدستورية والقانونية. غير أن هذا المسار لم يستمر حتى نهايته، إذ تم التراجع عنه بعد إدخال تعديلات جزئية على القانون، وهو ما يكشف، عند قراءته سوسيولوجيا، عن انتقال من منطق المواجهة المبدئية إلى منطق التكيف البراغماتي.

هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن إدراك بعض القوى اليسارية والديمقراطية لموقعها الفعلي داخل الحقل السياسي والاجتماعي. فالأحزاب التي تعاني من ضعف في الامتداد التنظيمي وتراجع في القدرة على التعبئة الجماهيرية تجد نفسها أمام معضلة مزدوجة؛ من جهة، الحاجة إلى الحفاظ على خطاب مبدئي يحفظ لها هويتها الرمزية؛ ومن جهة أخرى، ضرورة تجنب اختبار انتخابي مباشر قد يكشف حجمها الحقيقي داخل المجتمع. وهنا يتبدى أحد أهم أوجه التحول، حيث انتقلت هذه القوى من الدعوة إلى المقاطعة أو الاعتراض، إلى صيغة هجينة يمكن وصفها بـ"المشاركة المتخفية".

فبدلا من خوض الانتخابات بقوائم حزبية واضحة، لجأت بعض القوى اليسارية والديمقراطية إلى السماح لأعضائها ومناصريها بالمشاركة ضمن قوائم مستقلة أو عائلية، وهي ظاهرة لا يمكن قراءتها فقط بوصفها استجابة لخصوصية المجتمع المحلي، بل أيضا كاستراتيجية واعية لتجنب كلفة الظهور السياسي المباشر. وفي هذا السياق، تتجلى إحدى أكثر مظاهر هذا التكيف تعقيدا، حيث شاركت هذه القوى أيضا في عدد من التوافقات المحلية التي أفضت إلى تشكيل قوائم فازت بالتزكية ودون أي منافسة انتخابية فعلية. ورغم تقديم هذه التوافقات أحيانا بوصفها تعبيرا عن الحرص على الاستقرار المجتمعي، إلا أنها تكشف، من منظور سوسيولوجي، عن إعادة إنتاج منطق الإجماع الاجتماعي التقليدي على حساب منطق التنافس السياسي، وتحويل الانتخابات من آلية لاختبار البرامج والبدائل إلى أداة لتثبيت تفاهمات مسبقة بين الفاعلين المحليين. والأهم أن هذا السلوك يتقاطع مع نمط أوسع من "المشاركة المتخفية"، حيث يتم استبدال الفعل الحزبي العلني بصيغ اندماج داخل البنى المحلية والعائلية بما يسمح بالحضور دون مواجهة انتخابية مباشرة.

إن هذا السلوك يعكس ما يمكن تسميته في أدبيات علم الاجتماع السياسي بـ"البراغماتية الدفاعية"، حيث تسعى الفواعل السياسية إلى تقليل الخسائر بدل تعظيم المكاسب، من خلال تجنب المواجهات التي قد تؤدي إلى تآكل رصيدها الرمزي. غير أن هذه الاستراتيجية، رغم ما توفره من حماية مؤقتة، تنطوي على كلفة بعيدة المدى تتمثل في تعميق الفجوة بين الخطاب والممارسة وإضعاف القدرة على بناء هوية سياسية واضحة لدى الجمهور. فحين تطرح بعض القوى اليسارية والديمقراطية نفسها بوصفها حاملة لمشروع ديمقراطي قائم على البرامج والتمثيل السياسي، ثم تنخرط عمليا في بنى عائلية أو توافقات غير حزبية، فإنها تسهم، من حيث لا تريد، في إعادة إنتاج النمط الذي تنتقده.

ولا يقتصر الأمر على مسألة المشاركة، بل يمتد إلى طريقة تفسير النتائج. إذ سارعت بعض هذه القوى، بعد الانتخابات، إلى توظيف مؤشرات مثل انخفاض نسبة المشاركة وارتفاع نسبة القوائم العائلية لتأكيد صحة تحذيراتها المسبقة من طبيعة النظام الانتخابي. ورغم وجاهة هذا التحليل جزئيا، إلا أنه يغفل حقيقة أن جزءا من هذه النتائج هو أيضا انعكاس مباشر لخيارات هذه القوى نفسها، سواء عبر الامتناع عن خوض المنافسة بشكل واضح، أو عبر الذوبان داخل القوائم غير الحزبية، أو عبر الانخراط في التوافقات التي أفضت إلى فوز بالتزكية. وبذلك، فإن الخطاب النقدي يميل إلى تحميل البنية السياسية وحدها المسؤولية، دون مساءلة كافية لدور الفاعلين أنفسهم في إنتاج هذه البنية.

من هذا المنظور، يمكن القول إن ما شهدناه ليس مجرد تكيف طبيعي مع بيئة انتخابية معقدة، بل هو تحول يحمل في طياته بعدا انتهازيا بالمعنى التحليلي للكلمة، أي استخدام الأدوات والخطابات بشكل مرن وفق مقتضيات اللحظة دون التزام صارم بمنطقها الأصلي. فالانتقال من الطعن الدستوري إلى القبول العملي، ومن المقاطعة إلى المشاركة المتخفية، ومن النقد البنيوي إلى توظيف النتائج، يعكس نمطا من السلوك السياسي الذي يسعى إلى البقاء داخل اللعبة دون تحمل كامل تبعاتها.

وضمن هذا التحليل، لا تقف تداعيات هذا النمط من السلوك عند حدود إضعاف الحياة الحزبية أو إرباك معايير التمثيل الديمقراطي، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى أكثر خطورة يرتبط بطبيعة المرحلة الوطنية نفسها. ففي سياق ما زال خاضعا لواقع الاحتلال، حيث تتداخل مهام البناء الديمقراطي مع مهام التحرر الوطني، فإن استمرار بعض القوى اليسارية والديمقراطية في تبني استراتيجيات التكيف والانخراط غير المباشر، يُفضي إلى نتائج سلبية عميقة على بنية المشروع الوطني التحرري. إذ يؤدي غياب الفاعل السياسي الواضح إلى إضعاف القدرة على بلورة برامج كفاحية جامعة، ويقوض إمكانية إنتاج قيادة سياسية تستند إلى تمثيل حقيقي وقابل للمساءلة، كما يفتح المجال أمام إعادة إنتاج الانقسام المجتمعي على أسس أولية "عائلية" بدل توحيده حول أهداف وطنية جامعة.

وعلى المدى الأبعد، فإن هذا النمط من الممارسة يُهدد بتحويل العملية السياسية إلى مجرد إدارة محلية للشأن العام بمعزل عن بعدها الوطني، بما يحمله ذلك من مخاطر تآكل البعد التحرري للنضال وإضعاف القدرة الجماعية على مواجهة التحديات البنيوية.

وعليه، فإن الخطر لا يكمن فقط في ضعف هذه القوى، بل في مساهمتها، ولو بصورة غير مباشرة، في إعادة إنتاج بيئة سياسية تُفرغ الديمقراطية من مضمونها التمثيلي، وتحولها إلى إجراء شكلي تُدار من خلاله توازنات اجتماعية تقليدية بدل أن تكون أداة لتجديد النخب وبناء خيارات سياسية واضحة. وفي حال استمر هذا المسار، فإن النتيجة المرجحة ليست فقط تراجع حضور هذه القوى، بل اتساع الفجوة بين المجتمع والسياسة، بما يحمله ذلك من مخاطر بنيوية على مستقبل أي مشروع ديمقراطي قائم على التعددية والتمثيل الحقيقي، وعلى إمكانات تطور الحياة السياسية ذاتها نحو مستويات أكثر نضجا واستقرارا.

 

>