الانتخابات المحلية: إرادة شعبية بقرار مستقل أم تسوية سياسية مؤقتة امام الضغوطات الدولية؟


Case

2026-04-28 06:23

Copy Link

 ليست كل صناديق الاقتراع دليلًا على ديمقراطية، ولا كل انتخابات تعتبر تعبيرًا حقيقيًا عن الإرادة الشعبية ، ما جرى في الانتخابات المحلية الأخيرة في الضفة الغربية، وما اقتصر منها في قطاع غزة على دير البلح، يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات. نحن أمام مشهد انتخابي مُجزأ، يُسوّق كإنجاز ديمقراطي، بينما في جوهره يعكس أزمة نظام سياسي متراكمة ويقف اليوم عاجز عن تجديد شرعيته بطرق شاملة وحقيقية .

أول الإشكاليات تبدأ من الشكل الجغرافي والسياسي لهذه الانتخابات. كيف يمكن الحديث عن انتخابات “فلسطينية” وهي لا تشمل كامل الجغرافيا ولا كل القوى السياسية؟!! الضفة الغربية ذهبت إلى صناديق الاقتراع، بينما بقي قطاع غزة خارج المعادلة إلا في حدود ضيقة ومحدودة للغاية بعد ما عاشه من ابادة على مدار اكثر من عامين ومازال يعيش الماساة.  هذا الواقع لا يمكن فصله عن الانقسام السياسي المستمر، والذي لم يعد مجرد خلاف بين حركتين، بل تحول إلى بنية تعطل أي إمكانية لبناء نظام ديمقراطي متكامل. الانتخابات هنا ليست توحيدًا، بل تكريس للانقسام بصيغة انتخابية.

أما من الناحية القانونية، فالسؤال أكثر حساسية: هل ما جرى يتوافق فعلًا مع روح القانون الأساسي الفلسطيني بعد تعديلاته؟ النصوص القانونية تتحدث عن المشاركة، التعددية، وتكافؤ الفرص. لكن الواقع يُظهر قيودًا سياسية وأمنية غير معلنة تتحكم بمن يترشح ومن يُقصى، ومن يُسمح له بالمنافسة ومن يُدفع إلى الانسحاب. القانون هنا يُستخدم كإطار شكلي، بينما تُدار العملية فعليًا بمنطق موازين القوى لا بمنطق سيادة القانون.

اما مسألة شروط الترشح، التي يفترض أن تضمن النزاهة والكفاءة، لكنها في كثير من الحالات تحولت إلى أدوات تصفية سياسية غير مباشرة. الإقصاء الناعم، الضغوط الاجتماعية والتنظيمية، وحتى القوائم التوافقية المفروضة، كلها عوامل أفرغت العملية الانتخابية من مضمونها التنافسي. وعندما تفوز قوائم بالتزكية أو في ظل غياب منافسة حقيقية وحرمت الناخبين من حقهم، فإن الحديث عن “اختيار شعبي” يصبح أقرب إلى المجاز منه إلى الواقع.

أما نسبة المشاركة، التي تعتبر كمؤشر على الحيوية الديمقراطية، فهي بدورها تحتاج إلى قراءة نقدية. المشاركة المتوسطة في الضفة لا تعني بالضرورة رضا المواطنين، بل قد تعكس غياب البدائل أو القناعة بعدم جدوى المقاطعة. وفي المقابل، فإن الانخفاض الحاد في دير البلح يكشف بوضوح فجوة الثقة بين المواطن والعملية السياسية وان هذه الانتخابات اخر اهتماماته في ظل الظروف التي يعيشها. الامتناع عن التصويت هنا ليس سلبية، بل موقف سياسي صامت يجب ان يقرأ جيدا.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بكيفية إجراء الانتخابات، بل بقدرة مخرجاتها على تحقيق ما وُعد به. هل تستطيع المجالس المحلية الجديدة، في ظل الوضع المالي والسياسي الحالي للسلطة الفلسطينية وما تواجهه من حرب معلنة من حكومة الاحتلال  اليمينية المتطرفة لكل مقومات الحياة الفلسطينية من احتجاز المقاصة والاغلاقات وارهاب المستوطنين ، هل ستفي بوعودها؟ الواقع يقول إن هذه المجالس ستصطدم سريعًا بسقف محدود من الصلاحيات، وشح في الموارد، وتبعية إدارية ومالية خانقة. الحديث عن تحسين الخدمات والبنية التحتية يصطدم بحقيقة أن القرار الفعلي ليس بيد هذه المجالس، بل بيد احتلال هو من يتحكم اليوم بالارض والموارد.

ولا يمكن قراءة مستقبل هذه المجالس المحلية بمعزل عن العوامل الأكثر تأثيرًا على الأرض: السياسات الإسرائيلية التي تفرض واقعًا قسريًا يقوّض أي إمكانية لتنمية حقيقية. فالمجالس المنتخبة، خاصة في المناطق المصنفة (C)، لا تواجه فقط محدودية الموارد والصلاحيات، بل تصطدم يوميًا بمنظومة احتلال تتحكم في التخطيط والبناء، وتفرض قيودًا مشددة على إصدار التراخيص، بل وتتعمد عرقلة أو هدم المشاريع القائمة حتى لو كانت بتمويل دولي وامام اعين العالم.

في هذه المناطق، يصبح أي حديث عن تطوير بنية تحتية أو توسيع خدمات أقرب إلى التحدي السياسي منه إلى العمل البلدي. مشاريع الطرق، المياه، الكهرباء، وحتى المدارس والعيادات، تبقى رهينة موافقات نادرًا ما تُمنح، أو عرضة للإيقاف والهدم في أي لحظة. الأخطر من ذلك أن إسرائيل لا تكتفي بالتقييد، بل تمارس سياسة فرض الأمر الواقع عبر التوسع الاستيطاني المستمر، ومصادرة الأراضي، وشق الطرق الالتفافية التي تخدم المستوطنات على حساب التجمعات الفلسطينية.

هذا الواقع يضع المجالس المحلية أمام معادلة صعبة شبه مستحيلة: كيف يمكن الوفاء بوعود انتخابية في بيئة تُحارب فيها كل محاولة للتنمية؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بجدوى المشاركة السياسية، بينما يرى بأم عينه أن القرار الفعلي على الأرض ليس بيد من انتخبهم؟ في ظل هذه المعطيات، تتحول المجالس من أدوات تنمية إلى هيئات إدارة أزمات، تحاول فقط التخفيف من آثار واقع مفروض، لا تغييره.

وهنا نصل إلى البعد الدولي، الذي لا يمكن تجاهله. هذه الانتخابات تُقدَّم أيضًا كرسالة إلى المجتمع الدولي، خاصة الأوروبي، بأن هناك “إصلاحًا” جاريًا داخل السلطة الفلسطينية. لكن هل تكفي انتخابات محلية مجتزأة لإقناع العالم بوجود إرادة حقيقية لمحاربة الفساد وإعادة بناء النظام السياسي؟ الإجابة على الأرجح: لا. المجتمع الدولي لم يعد يكتفي بالشكل، بل يبحث عن مؤشرات جوهرية على الشفافية، المساءلة، وتداول السلطة وهي عناصر لا تزال غائبة أو محدودة في هذه التجربة.

في المحصلة، ما شاهدناه ليس عملية ديمقراطية مكتملة، بل محاولة لإدارة الأزمة بأدوات انتخابية. انتخابات بلا وحدة سياسية، بلا تنافس حقيقي، وبلا قدرة تنفيذية، تتحول إلى مجرد إجراء شكلي يمنح شرعية مؤقتة ، الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف هذه الانتخابات، بل في تكريسها كنموذج يُعاد إنتاجه، بحيث تصبح الديمقراطية شكلًا بلا مضمون، وصندوق الاقتراع أداة تجميل سياسي لا أكثر.

الانتخابات الحقيقية لا تُقاس بعدد الصناديق، بل بقدرتها على إحداث تغيير فعلي. وما لم تُعالج جذور الأزمة السياسية والقانونية والاقتصادية، ستبقى أي انتخابات قادمة مهما بدت منظمة مجرد محطة جديدة في مسار طويل من إدارة الجمود، لا كسره واخيرا لقد كان قرار القيادة الفلسطينية شجاعاً ولكن هل كان صائباً .

>