الانتخابات المحلية... من التنافس الحزبي الجزئي إلى الانسحاب السياسي نحو المحلي/العائلي


Case

2026-04-26 16:22

Copy Link

4D pal

تُظهر المقارنة بين الانتخابات المحلية الفلسطينية لعامي 2022 و2026 تحوّلاً بنيوياً في طبيعة العملية الانتخابية، لا يقتصر على نسب المشاركة أو النتائج، بل يمتد إلى وظيفة الانتخابات ذاتها، التي تبدو وكأنها انتقلت تدريجياً من ساحة تنافس سياسي حزبي إلى إطار محلي–خدماتي تحكمه اعتبارات عائلية وتوافقات اجتماعية، ضمن بيئة سياسية مأزومة.

فعلى مستوى المشاركة، أظهرت النتائج النهائية ارتفاعاً طفيفاً مقارنة بالتقديرات الأولية، حيث بلغت نسبة الاقتراع نحو 56% في الضفة الغربية، بعد أن كانت قد سُجلت عند إغلاق صناديق الاقتراع بنحو 53.44%.  ورغم هذا الارتفاع، تبقى النسبة قريبة من مستويات المشاركة في انتخابات 2022 التي بلغت نحو 53.7%، ما يعكس استقراراً عاماً في الإقبال دون حدوث اختراق سياسي نوعي، ويشير إلى استمرار حالة الجمود في السلوك الانتخابي.

لكن التحول الأعمق يظهر في طبيعة التنافس السياسي. ففي انتخابات 2022، ورغم اتساع ظاهرة التزكية، بقي هناك حضور أوضح للقوائم الحزبية، خاصة حركة فتح إلى جانب قوائم مستقلة وتحالفات محلية، ما أبقى على قدر من التنافس السياسي النسبي. أما في انتخابات 2026، فقد تعمق الاتجاه نحو الانسحاب السياسي، مع تراجع الحضور الفصائلي المباشر لصالح القوائم المستقلة والعائلية، واتساع ظاهرة التوافقات المحلية بدل المنافسة البرنامجية.

ويظهر هذا التحول بوضوح في ملف التزكية، حيث حُسمت 197 هيئة محلية بالتزكية وفق المعطيات الرسمية، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بالدورات السابقة. ولم يقتصر ذلك على الهيئات الصغيرة، بل شمل بلديات كبرى ذات ثقل سياسي مثل نابلس ورام الله، في مؤشر على انتقال هذه الظاهرة من الأطراف إلى المراكز الحضرية. وإلى جانب ذلك، برزت مؤشرات أكثر عمقاً تمثلت في غياب الترشح من الأساس في بعض المواقع، حيث لم تُقدَّم قوائم مكتملة في نحو 40 هيئة محلية، ما دفع نحو تعيين مجالسها بدلاً من انتخابها، كما سُجلت حالات أخرى لهيئات صُنفت ضمن "دون تشكيل". هذا الاتساع في التزكية وغياب القوائم يعكس انتقال العملية الانتخابية من ضعف التنافس إلى تآكل الفعل الانتخابي ذاته في بعض المناطق.

وفي المقابل، شكّل إدخال قطاع غزة في انتخابات 2026 تطوراً رمزياً لافتاً، باعتباره أول اقتراع منذ نحو عشرين عاماً، لكنه بقي محدوداً جغرافياً في دير البلح، حيث سُجلت نسبة مشاركة منخفضة تراوحت حول 23%، ما جعله أقرب إلى خطوة رمزية تعكس عمق الانقسام أكثر مما تعكس تحولاً سياسياً فعلياً.

كما لا يمكن إغفال أثر التغييرات في الإطار القانوني للانتخابات المحلية، بما في ذلك إجراء الانتخابات في مرحلة واحدة، خلافاً لنظام المرحلتين في 2022، وهي تغييرات أعادت تنظيم شروط الترشح وآليات تشكيل القوائم. ورغم تقديمها ضمن إطار تحسين الحوكمة، إلا أنها تفاعلت مع بيئة سياسية ضعيفة التنافس، ما ساهم في تعزيز القوائم التوافقية ورفع مستويات التزكية، وبالتالي إعادة تشكيل شروط المنافسة نفسها.

وفي بُعد آخر، أظهرت المعطيات الرسمية حضوراً نسوياً لافتاً على مستوى الترشح، حيث شكّلت النساء نحو 32% من المرشحين في الهيئات البلدية و23 % في المجالس القروية، فيما بلغت نسبة تمثيلهن في المجالس المنتخبة نحو 33%، ورغم هذا التقدم الكمي، بقي الأثر السياسي محدوداً بفعل سياق التزكية وضعف التنافس، مقارنة بانتخابات 2022 التي جرت ضمن بيئة أكثر تنافسية نسبياً.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن انتخابات 2026 تمثل انتقالاً واضحاً من "التنافس الحزبي الجزئي" في 2022 إلى "الانسحاب السياسي نحو المحلي/العائلي"، حيث تراجعت السياسة بمعناها التمثيلي لصالح الاعتبارات المحلية، واتسعت التزكية، وتقلصت المنافسة، بل وغاب الترشح في بعض الحالات، بما يعكس إعادة تعريف وظيفة الانتخابات من أداة صراع سياسي إلى آلية إدارة محلية داخل واقع سياسي منقسم ومحدود الأفق.

>