
2026-04-16 21:56
لأننا في عصر تتشابك فيه خيوط عالم الإعلام بالحقائق التي يشهدها الميدان، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة معركة رئيسية يسعى لها كل فريق ويعتبرها أحد أهم أدواته خلال هذه المعركة، وهي كذلك وبشكل كبيرفي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي خاصة في العدوان الكبير الحاصل منذ السابع من أكتوبر 2023، حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
في هذه الحرب لم تعد منصات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل أو الأخبار، بل تحولت إلى فضاءات تحاول تسليط الضوء على سردية تسعى لنشر الروايات، توثيق الانتهاكات، وحشد الدعم لمصلحة أصحاب الأرض والحق الذين تابوا ضحايا تطرات العنف في منظقة عاشت الحصار مدة سبعة عشر عاماً.
لذلك، ومع ملاحظة العالم لوحشية الحرب وحجم الدمار فيها؛ ازداد التضامن مع الشعب الفلسطيني خصوصا في غزة، وهو ما أعطى دليلاً واضحا على نجاح الفلسطيني في نقل روايته للعالم وفرض سرديته على منصات التواصل الاجتماعي.
من هنا، ومع تزايد تأثير المحتوى الفلسطيني في كشف الحقائق وتحدي السردية التي سعت إسرائيل إلى نشرها باعتبارها حقيقة، تصاعدت الجهود الممنهجة لمحاربة المحتوى الفلسطيني وتقييده، وصولاً إلى ممارسة العنف الرقمي ضد الأصوات الصحفية الفلسطينية.
لقد شكلت حملة محاربة المحتوى الفلسطيني على مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من إستراتيجية واسعة ممنهجة تهدف إلى حجب الرواية الفلسطينية، وتقويض التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية. غالبًا ما جاءت هذه الحملات تحت ذريعة "محتوى عنيف" أو وضعها تحت سقف "الآرهاب" أو برر حجبه تحت مظلة "مكافحة التحريض" أو "معاداة السامية"، وهي اتهامات تُستخدم بشكل واسع لتبرير حذف المحتوى، تقييد الوصول، وتعليق الحسابات.
تُمارس هذه الضغوط على المنصات الرقمية الكبرى مثل فيسبوك، إكس (تويتر سابقًا)، وإنستغرام، والتي غالبًا ما تستجيب للطلبات الواردة من الجهات الرسمية الإسرائيلية أو الذباب الإلكتروني الذي تقوم أدواتها الأمنية بتشغيله أو المنظمات الضاغطة التي تعمل ضمن إستراتيجيتها.
تشير العديد من التقارير إلى ارتفاع كبير في عدد حالات حذف المحتوى الفلسطيني أو تقييده. فبعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، وثقت منظمات حقوقية ارتفاعًا ملحوظًا في هذه الممارسات. على سبيل المثال، أفاد تقرير صادر عن مركز "صدى سوشال" في تشرين الثاني\ نوفمبر 2023، بأن أكثر من 1000 انتهاك ضد المحتوى الرقمي الفلسطيني قد تم رصدها على منصات التواصل الاجتماعي، منها حذف منشورات وإغلاق حسابات وتقييد وصول المحتوى. هذه الأرقام لا تشمل جميع الحالات، نظرًا لأن العديد من الصحفيين والنشطاء لا يبلغون عن الانتهاكات خوفًا من مزيد من الاستهداف.
يتجاوز الأمر مجرد حذف المنشورات ليصل إلى ممارسة العنف الرقمي المباشر ضد الصحفيين الفلسطينيين. يتعرض هؤلاء الصحفيون، الذين غالبًا ما يكونون في الخطوط الأمامية لتغطية الأحداث، لحملات ممنهجة من الاعتقال غير القانوني وتعرضهم للحبس الإداري لأشهر عديدة دون توجيه تهمة (وهو ما وثقته منظمة العفو الدولية)، وقد وصل عدد الصحفيين المعتقلين إلى 45 صحفية وصحفي، أو أن يتعرضوا للتشهير، التهديد، التنمر، والاختراق. وأن تُستخدم صورهم الشخصية ومعلوماتهم الخاصة لنشر الشائعات والاتهامات الباطلة، بهدف تشويه سمعتهم وتقويض مصداقيتهم.
كما شملت هذه الحملات رسائل الكراهية، والتهديد بالقتل أو الإيذاء الجسدي، واستهداف عائلاتهم. على سبيل المثال، وثقت دراسات متعددة قيام حسابات وهمية ومنسقة بنشر تعليقات مسيئة وتشويهية تستهدف الصحفيين الفلسطينيين فور نشرهم لأي محتوى يفضح الانتهاكات.
ولا يمكن أن ننسى أن حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة أودت بحياة أكثر من 210 صحفيين حتى تاريخ كتابة هذا المقال، وهو ما وثقته المنظمات الحقوقية ولجنة حماية الصحفيين (CPJ).
إنّ العنف الرقمي يُعد أداة قوية لخنق الأصوات الحرة، فهو يخلق بيئة من الخوف والترهيب، ما يدفع الصحفيين إلى فرض رقابة ذاتية على محتواهم لتجنب الاستهداف. هذا يحُد من قدرة العالم على رؤية حقيقة ما يحدث على الأرض، ويقوض مبدأ حرية التعبير وحق الحصول على المعلومات ونشر الحقائق للعالم بمختلف اللغات.
رغم ذلك في مواجهة هذه الحرب الرقمية، يواصل الصحفيون والنشطاء الفلسطينيون جهودهم لتوثيق الحقيقة ونشرها، متحدين بذلك القيود المفروضة ومخاطر العنف الرقمي. لكن هذا الوضع يتطلب تضافر الجهود الدولية للضغط على شركات التواصل الاجتماعي لضمان الحيادية والشفافية في التعامل مع المحتوى، ووقف التمييز ضد المحتوى الفلسطيني. كما يتوجب على المنظمات الحقوقية والحكومات إدانة العنف الرقمي ضد الصحفيين وتوفير الحماية اللازمة لهم، لضمان استمرار تدفق المعلومات من قلب الأحداث. إن حماية المحتوى الفلسطيني والصحفيين الذين ينقلونه ليست مجرد مسألة سياسية، بل هي قضية حقوق إنسان أساسية تتعلق بحق الجميع في معرفة الحقيقة.
...............................................................
* أستاذ الإعلام والعلاقات العامّة بجامعة القدس/ فلسطين