
2026-08-03 06:47
ليست كل الهزائم العسكرية سببها تفوق الخصم، وليست كل الانتصارات السياسية نتيجة عبقرية المنتصر. ففي كثير من الأحيان، تكون النتيجة قد حُسمت قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما تكون الجبهة الداخلية قد استنزفت نفسها، وفقد المجتمع مناعته، وأصبحت الدولة أو الحركة الوطنية تعيش على أمجاد الماضي أكثر مما تستند إلى قوة الحاضر.
هذه هي الفكرة التي تجعل قصة انهيار الاتحاد السوفيتي تتجاوز كونها حدثاً تاريخياً إلى كونها درساً استراتيجياً لكل الشعوب والحركات الوطنية. فالانهيار لم يكن مجرد نتيجة سباق تسلح أو ضغوط اقتصادية أو هزيمة في أفغانستان، بل كان ثمرة تراكم طويل من الأزمات الداخلية التي ظلت تُدار ولا تُحل، وتُخفى ولا تُعالج، حتى أصبحت الدولة تبدو قوية من الخارج، بينما كانت تنهار بتسارع من الداخل.
وربما لا يوجد شعب في العالم يحتاج إلى التأمل في هذه الحقيقة أكثر من الشعب الفلسطيني. ليس لأن ظروفه تشبه ظروف الاتحاد السوفيتي، فالفارق بينهما شاسع، وإنما لأن القضية الفلسطينية تعيش اليوم مفترق طرق تتداخل فيه أخطر منظومة احتلال واستعمار استيطاني إحلالي مع أزمة داخلية متراكمة منذ سنوات طويلة. فالاحتلال يواصل مشروعه بلا توقف، في مقابل هذا أصبحت قدرة الفلسطينيين على مواجهته أضعف مما كانت عليه في مراحل سابقة، رغم اتساع الاعتراف الدولي بحقوقهم ورغم امتلاكهم خبرة سياسية ونضالية تراكمت على مدار أكثر من قرن، فلماذا؟
الإجابة لا يمكن أن تكون الاحتلال وحده، رغم أنه يبقى العامل الأكثر تأثيراً. فالمجتمعات لا تنهار فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل عندما تفقد قدرتها على تنظيم نفسها، وإدارة خلافاتها، وتجديد شرعياتها، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ولعل ما يدفعني إلى استحضار هذه التجربة ليس الإعجاب بالتاريخ لذاته، بل لأنني كنت من أبناء الجيل الذي عاش في الاتحاد السوفيتي في سنواته الأخيرة، ثم شهد انهياره وما تلاه من تحولات دولية عميقة. أتذكر كيف كان يُنظر إليه بوصفه قوة عظمى يصعب تصور سقوطها، وكيف كانت صورته في الوعي العام توحي بالثبات والديمومة. ثم، في فترة وجيزة، تبدد ذلك كله، واكتشف العالم أن الإمبراطوريات قد تبدو منيعة من الخارج، بينما تكون قد استنفدت أسباب بقائها من الداخل. هذه التجربة تركت لدي قناعة راسخة بأن قوة أي نظام أو مشروع وطني لا تُقاس بما يظهره من تماسك في لحظة معينة، وإنما بقدرته المستمرة على مراجعة نفسه، وتصحيح أخطائه، وتجديد علاقته بمجتمعه قبل أن تفرض الأحداث تلك المراجعة بصورة قسرية.
لقد دخل الفلسطينيون منذ سنوات في حالة استنزاف داخلي مستمرة. فالانقسام الذي بدأ كخلاف سياسي تحول مع مرور الوقت إلى بنية كاملة لإدارة الحياة العامة. نشأت مؤسسات متوازية، وتشريعات متناقضة، وخطابات متصارعة، وأجيال كاملة لم تعرف نظاماً سياسياً موحداً. ومع مرور الزمن لم يعد الانقسام حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية، حتى إن كثيراً من الشباب ولدوا وكبروا وهم لا يعرفون معنى وجود قيادة الوطنية واحدة أو مؤسسات تمثل جميع الفلسطينيين.
وهنا مقتل القضية. فالانقسام لا يضعف المؤسسات فقط، بل يغيّر وعي المجتمع نفسه. فعندما يعيش المواطن سنوات طويلة وهو يرى أن الخلاف هو القاعدة، وأن التعطيل هو الأصل، وأن المصلحة الفئوية تتقدم على المصلحة الوطنية، يبدأ تدريجياً بفقدان ثقته بإمكانية الإصلاح، ويستبدل المشاركة بالانسحاب، والأمل باللامبالاة، والمبادرة بالعزوف.
إن أخطر ما يصيب أي مشروع وطني ليس فقدان الأرض وحده، وإنما فقدان الثقة، فالثقة هي رأس المال الحقيقي للشعوب. وعندما تتآكل هذه الثقة، يصبح أي قرار موضع شك، وأي مؤسسة محل ريبة، وأي خطاب وطني عرضة للتشكيك، مهما كانت نواياه صادقة.
ولا يقتصر الأمر على الانقسام. فغياب المساءلة والشفافية في إدارة الشأن العام، واتساع مظاهر الفساد، وتعطل التداول الديمقراطي، وتراجع دور المؤسسات الرقابية، وترهل الأحزاب والنقابات، وضعف مؤسسات المجتمع المدني، كلها عوامل راكمت شعوراً عاماً بأن النظام السياسي لم يعد قادراً على تجديد نفسه. ومع كل أزمة جديدة أصبح الحل مؤجلاً، ومع كل استحقاق وطني أصبح التأجيل هو السياسة الوحيدة التي لا تتغير.
وفي المقابل، لم ينتظر الاحتلال الفلسطينيين حتى يحلوا أزماتهم. بل استثمر كل لحظة من هذا الضعف. فبينما الساحة الفلسطينية غارقة في خلافاتها، كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعيد رسم ملامح الضفة الغربية على الأرض. توسعت المستوطنات، وأُنشئت البؤر الاستيطانية، وشُرعنت بؤر كانت تُعد غير قانونية حتى وفق القانون الإسرائيلي، وامتدت المزارع الاستيطانية لتسيطر على مساحات واسعة من الأراضي، ونُقلت صلاحيات واسعة من الإدارة العسكرية إلى وزراء مدنيين، في خطوة تعكس انتقالاً تدريجياً من إدارة احتلال مؤقتة، ولو شكلياً، إلى تكريس واقع ضم فعلي طويل الأمد.
وبالتوازي مع ذلك، تصاعدت سياسات الهدم والتهجير والاقتحامات العسكرية، وتوسعت عمليات استهداف المخيمات الفلسطينية، بينما ازداد عنف وإرهاب المستوطنين تحت حماية مؤسسات دولة الاحتلال، في مشهد يعكس مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والسيادة في الضفة الغربية.
لم يعد السؤال اليوم متعلقا بطبيعة ما يفعله الاحتلال، فالمشروع الاستيطاني منذ نشأته يقوم على التوسع والضم والإحلال وفرض الوقائع بالقوة. أما السؤال الحقيقي فهو لماذا أصبحت كلفة هذه السياسات عليه أقل مما كانت عليه في السابق؟ وكيف بات قادرا على تنفيذ خطوات كان يُعتقد قبل سنوات أنها ستشعل مواجهة سياسية أو شعبية واسعة؟ الإجابة تكمن في أن الاحتلال لا يكتفي باستغلال قوته، بل يستثمر أيضاً في ضعف خصمه. وكلما ازدادت الانقسامات الداخلية، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، وانشغل الفاعلون السياسيون بصراعاتهم، ازدادت قدرة الاحتلال على فرض وقائع جديدة بأقل قدر ممكن من الكلفة.
وربما يكون أخطر ما نعيشه اليوم هو حالة التطبيع النفسي مع الأزمات. فالمواطن الفلسطيني بات يتلقى أخبار الاستيطان، والقتل، والاعتقالات، والانقسام، وتعطيل المؤسسات، إلى جانب تراجع التعليم والخدمات الصحية، وغياب مظلة حماية اجتماعية فاعلة، بوصفها جميعا ملامح اعتيادية للحياة اليومية. وهذه ليست علامة على الصمود كما قد يظن البعض، بل قد تكون علامة على الإرهاق الجمعي و/أو اللامبالاة. فعندما يعتاد المجتمع الاستثناء، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح التراجع أمراً طبيعياً، وتتآكل القدرة على الغضب والتحشيد والفعل.
ومع ذلك، فإن الحالة الفلسطينية تختلف عن تجارب تاريخية كثيرة في نقطة جوهرية. فالقضية الفلسطينية لم تفقد مشروعيتها، ولم تفقد سندها القانوني أو الأخلاقي. فما زال الشعب الفلسطيني يتمسك بحقوق ثابتة يكفلها القانون الدولي، وما زالت سياسات الاحتلال تواجه رفضاً دولياً متزايداً، وما زال الفلسطينيون يمتلكون طاقات بشرية ومجتمعية هائلة قادرة على إعادة البناء إذا توفرت الإرادة السياسية.
لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي. فلا توجد قضية عادلة تستطيع أن تنتصر إذا فقدت قدرتها على إصلاح ذاتها. ولا يوجد مشروع وطني يستطيع أن يواجه مشروعاً استيطانياً طويل النفس وهو يعاني في الوقت ذاته من أزمات مزمنة في وحدته ومؤسساته وآليات اتخاذ القرار.
إن أخطر درس يقدمه التاريخ ليس أن الإمبراطوريات تسقط، وإنما أن التآكل الداخلي يبدأ دائماً قبل لحظة الانهيار بسنوات طويلة. لذلك فإن الإصلاح ليس ترفاً سياسياً، ولا مطلباً نخبوياً، بل ضرورة وجودية. وتجديد الشرعيات، واستعادة الوحدة الوطنية، وإحياء دور المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وإطلاق الحريات، وبناء علاقة جديدة بين المواطن والسلطة، ليست مطالب منفصلة عن مقاومة الاحتلال، بل هي جزء أصيل من القدرة على مواجهته.
فالاحتلال قد يستطيع أن يفرض الحصار، وأن يصادر الأرض، وأن يبني المستوطنات، لكنه لا يستطيع وحده أن يهزم مجتمعاً يمتلك وحدة داخلية، وثقة متبادلة، ومؤسسات شرعية، ورؤية وطنية مشتركة. أما عندما تضعف هذه العناصر، فإن الخصم لا يحتاج إلى بذل جهد استثنائي، لأن جزءاً من المعركة يكون قد حُسم داخل البيت نفسه.
إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يكرر دروسه بأشكال مختلفة. ومن لا يتعلم من تلك الدروس قد يجد نفسه يوماً يكتب، بعد سنوات، تشريحاً جديداً لأزمة كان يمكن تجنبها لو امتلك الشجاعة الكافية لمراجعة الذات قبل أن يفرض الآخر نتائجها.