هل ستجري إسرائيل انتخاباتها؟ وماذا لو قلبنا المرآة؟


Case

2026-09-05 10:26

Copy Link

ثمة سؤال يبدو إسرائيليًا خالصًا: هل ستجري إسرائيل انتخاباتها في موعدها؟ ومن سيصل إلى صناديق الاقتراع؟ ومن سيخرج منها؟ ومن سيبقى في الحكم؟ لكن السؤال الأهم ليس من سيفوز، بل ماذا ستفعل الانتخابات. هل ما زالت قادرة على تغيير السلطة؟ أم تحولت إلى طقس دوري تتغير فيه الوجوه، فيما تضيق قدرة النظام على التغيير؟

وفق الموعد المقرر، تتجه إسرائيل إلى الانتخابات في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل. وهي بالنسبة إلى نتنياهو أكثر من منافسة انتخابية. إنها معركة على مصيره السياسي، وربما على صورته في التاريخ. لكنها، في الوقت نفسه، تضع إسرائيل أمام سؤال أكبر وهو أي إسرائيل ستخرج من هذه الانتخابات؟

نتنياهو ومصير إسرائيل

نتنياهو لا يفتح الاحتمالات أمام مستقبله وحده. فهو يضع، بقراراته وسياساته، مستقبل إسرائيل نفسها أمام الاختبار، بل يذهب السؤال أبعد من ذلك؛ ماذا بقي من إسرائيل التي طالما قدمت نفسها للعالم بوصفها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" فالديمقراطية لا تختزل فقط في الانتخابات. الانتخابات وسيلة لتداول السلطة، وحين يصبح بقاء الحاكم مسألة تتجاوز التداول الطبيعي، تبدأ المشكلة. ليس المطلوب أن تُلغى الانتخابات حتى تتآكل الديمقراطية. فيكفي أن تتحول من وسيلة لتغيير السلطة إلى معركة حول بقاء شخص في موقعه، وهنا تكمن قصة نتنياهو.

الصهيونية حين تسقط أقنعتها

نتنياهو ليس أقل صهيونية من منافسيه. وربما ليسوا أقل منه صهيونية. لكن لديه ما يميزه، حيث لم يعد يحتاج كثيرًا إلى تجميل ما كان يُخفى وراء لغة الأمن والديمقراطية. إنه الصهيوني النموذج. الغارق في عنصريته حتى الثمالة. ليس فقط تجاه المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، بل تجاه الفلسطيني أينما كان، وليس فقط من النهر إلى البحر، بل في كل مكان.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو سموتريتش وبن غفير طارئين على المشهد. إنهما امتداد لبيئة سياسية أنتجتهما. أما مئير كاهانا، الذي كان يمثل ذات يوم الهامش المتطرف، فقد أصبحت أفكاره أقل اغترابًا عن متن السياسة الإسرائيلية. لكن هذا لا يعني أن خصوم نتنياهو أقل صهيونية، الفرق أن بعضهم لا يزال يشعر بالحاجة إلى شيء من الحساسية تجاه الكذبة التي سوقتها إسرائيل طويلًا، بأنها واحة الديمقراطية في شرق استبدادي وطاغوتي. وهنا تأتي غزة لتقلب المرآة.

"واحة الديمقراطية" أمام مرآة إبادة غزة

أي شرق أكثر طغيانًا من احتلال يرتكب إبادة أمام العالم، وعلى الهواء مباشرة، دون أن يرف له جفن؟ وأي ديمقراطية تستطيع أن ترى شعبًا يُقتل ويُحاصر ويُهجّر، ثم تواصل تقديم نفسها بوصفها حارسة للقيم؟ كيف لمن يصادر حرية شعب أن يكون حرًا، فكيف الأمر بعد الابادة والمضي في محاولة يائسة لإلغاء الوجود، حيث فشلت الصهيونية من منع تطلعات الفلسطيني للحرية والكرامة الوطنية.

لقد وقعت نكبة فلسطين وشعبها قبل أكثر من ثمانية وسبعين عامًا. ولم يتحرك الغرب بما يتناسب مع حجم الكارثة، بل فإن فرض اسرائيل في المنطقة تم بعلامة صناعة غربية كاملة. واليوم لا يحتاج العالم إلى أرشيف. فالإبادة تجري أمام عينيه، والصورة تصل إلى كل بيت، ومع ذلك، يبقى العجز السياسي والأخلاقي قائمًا. بل إن المفارقة تبلغ ذروتها حين يجد نتنياهو في ظهره أكبر طاغية يسكن البيت الأبيض. قوة تستطيع أن تضع حدودًا لما يمكن لإسرائيل أن تفعله، لكنها تمنحها في اللحظات الحاسمة مساحة واسعة للمناورة.

فهل تعلم نتنياهو من الشرق ما لم يتعلم الشرق من الغرب؟

ربما تعلم أن الديمقراطية، حين تنفصل عن مضمونها، تصبح صندوق اقتراع، وأن القانون يمكن أن يصبح انتقائيًا. وأن حقوق الإنسان قد تتغير قيمتها بحسب هوية من ينتهكها ومن يقع عليه الانتهاك. عندها يصبح السؤال مختلفًا؛ لمن تكون الديمقراطية؟

الانتخابات في مرمى الحرب

لكن نتنياهو لا يواجه الانتخابات بوصفها استحقاقًا لا مفر منه. إنه يعرف أن أفضل ما يمكن أن يخدمه هو إبقاء إسرائيل في حالة طوارئ دائمة، حيث يصبح الخوف أقوى من صناديق الاقتراع. لذلك لا يتوقف عن التلويح باحتمال أن توجه إيران ضربة عسكرية لإسرائيل، بل يربطها بفترة الأعياد اليهودية. وليست المسألة مجرد تحذير أمني. إنها استدعاء لعقلية "الغيتو". إسرائيل، بوصفها دولة يهودية، محاصرة ومستهدفة في وجودها، وأي تهديد خارجي يمكن أن يتحول إلى سبب لتأجيل السياسة نفسها. فحين تصبح الدولة في خطر، يصبح السؤال الانتخابي مؤجلًا. وحين يصبح وجودها مهددًا، يبدو من يعارض التأجيل وكأنه يستخف بالخطر. لكن نتنياهو يلعب على طرفي المعادلة في الوقت نفسه. فهو، من جهة، يحذر من حرب جديدة قد تستدعي تأجيل الانتخابات. ومن جهة أخرى، يقدم نفسه باعتباره الرجل الذي حقق لإسرائيل "النصر" الذي عجز عنه الآخرون.

غزة سُوّيت بالأرض. وإيران، كما يقول، يمكن إسقاط نظامها "مرة وإلى الأبد، وحزب الله في لبنان تلقى ضربة كبرى. إنها، في جوهرها، صياغة للنصر الكامل الذي طالما احتاجه نتنياهو كمركز لدعايته الانتخابية. فإذا استطاع تأجيل الانتخابات، استخدم الخطر الإيراني والحرب لتبرير التأجيل. وإذا لم يستطع، دخلها من بوابة الانتصار، مدعيًا، أنا الرجل الذي قاد إسرائيل في الحرب، وهزم أعداءها، وأعاد إليها قوتها. وهكذا لا يعود الأمن مجرد ملف في الحملة الانتخابية، بل الحملة نفسها.

وهنا تكمن خطورة اللعبة. فالانتخابات، في الديمقراطية، يفترض أن تكون مناسبة لمحاسبة السلطة على ما فعلت. أما حين تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة تعريف السؤال الانتخابي، يصبح المطلوب من الناخب ألا يسأل ماذا فعل نتنياهو؟ بل، من يستطيع حمايتي؟ وهذا هو الفارق بين انتخابات تجري في ظل أزمة، وانتخابات تُدار بمنطق الأزمة.

نتنياهو ليس المشكلة كلها

قد يرحل نتنياهو أو يبقى. وقد يخسر الانتخابات أو يجد طريقًا آخر للعودة. لكن المشروع الذي أنتجه، وأنتجته إسرائيل معه، لن يختفي بتغيير رئيس الحكومة. المشكلة أعمق من الليكود، وأكبر من ائتلاف، وأبعد من نتيجة انتخابية. إنها مشكلة مشروع استيطاني وعنصري لا يرى في الفلسطيني شعبًا صاحب حق سياسي ووطني. يراه مسألة أمنية وديموغرافية. لذلك قد تتغير الحكومة دون أن يتغير المشروع. وقد تتبدل اللغة والأدوات، وقد يعود بعض السياسيين إلى الحديث عن "حل سياسي" واستعادة صورة إسرائيل في العالم. لكن السؤال سيبقى هل تستطيع إسرائيل أن تعيد إنتاج نفسها من دون أن تعيد النظر في علاقتها بالفلسطيني وحقوقه؟ عند هذه النقطة يصبح السؤال عن نتنياهو أقل أهمية. السؤال هو عن إسرائيل التي جعلت نتنياهو ممكنًا.

حين تنقلب المرآة

حتى الآن يبدو الكلام كله عن إسرائيل. لكن ماذا يحدث لأي نظام سياسي حين يصبح الشخص أهم من المؤسسة؟ وحين يصبح البقاء أهم من التجدد؟ وحين تصبح حماية السلطة أهم من إصلاح النظام؟ هنا لا نتحدث عن تشابه الأنظمة، ولا عن تماثل التجارب. نتحدث عن مآلات يمكن أن تصل إليه أنظمة مختلفة حين تنسد أمامها السياسة. عندها تضعف المؤسسة أمام الشخص، وتتحول الانتخابات من أداة للتغيير إلى مناسبة لإعادة إنتاج السلطة، ويتحول الخلاف السياسي من تنافس على البدائل إلى سؤال عن الولاء والبقاء. وهنا فقط تظهر المفارقة.

التوأم السيامي

ليس توأمًا في الهوية، ولا في التاريخ. ولا في المشروع. ولا في طبيعة الصراع. ولا مقارنة بين رأسيهما. بل توأم في المآلات. نظام نشأ كثورة انجرف، تحت وطأة الزمن والسياسة، نحو التفرد بلا قاع. ونظام عنصري لم يعد بمقدوره، تحت ضغط الزمن نفسه، أن يرتجف أمام أخابيل "واحة الديمقراطية ".

لا يجمعهما ما يبرر المساواة. لكن مآلهما يطرح سؤالًا يستحق التأمل؛ ماذا يحدث حين يصبح الشخص أهم من المؤسسة، وبقاء الحاكم أهم من قدرة النظام على إنتاج البديل؟ هنا تكمن دلالة التوأم السيامي. ليس لأن رأسيهما متشابهان، بل لأن الجسد السياسي يصبح عاجزًا عن الانفصال عن رأسه. كل واحد منهما يستطيع أن يرى في الآخر نقيضه الكامل. لكن المرآة قد تكشف، على نحو ساخر، شيئًا لا يريد أي منهما أن يراه في نفسه. هذه ليست مقارنة بين شخصين. إنها مقارنة بين مآلين.

سخرية القدر

وهنا يصبح التاريخ أكثر سخرية. فقد أمضى الشرق عقودًا وهو يُطالب بأن يتعلم الديمقراطية من الغرب. واليوم يستطيع أن يسأل الغرب: ماذا تفعل الديمقراطية حين ترى الإبادة على الهواء مباشرة، ثم تعود إلى الحديث عن القيم؟ وهل كان "صراع الأديان" سوى ستار لصراعات أعمق؟ وهل كانت "هرطقة صراع الحضارات" سوى محاولة لتفسير العالم من فوق، بينما تتحرك القوة والمصلحة والاستعمار والهيمنة من تحته؟

ربما المسألة أبسط وأقسى؛ فحين تتراجع السياسة، يتقدم التعصب. وحين تختزل الديمقراطية في صندوق اقتراع، تصبح الانتخابات عاجزة عن إنقاذ الديمقراطية نفسها.

وحين يصبح بقاء الحاكم شرطًا لبقاء النظام، يتغير السؤال. فلا يعود؛ من يحكم؟ بل، هل يستطيع النظام أن يعيش من دون من يحكمه؟

والسؤال الذي يبقى؛ قد تجري إسرائيل انتخابات في موعدها، وقد تتغير الحكومة، وقد يبقى نتنياهو. لكن الانتخابات وحدها لن تحسم السؤال الأكبر: ماذا سيبقى من الديمقراطية الإسرائيلية بعدها؟

هل تستطيع إسرائيل أن تستعيد السياسة من قبضة الخوف؟ وهل تستطيع مؤسساتها أن تستعيد استقلالها؟ وهل تستطيع أن تفصل بين بقاء الدولة وبقاء الحاكم؟ وقبل ذلك كله: هل تستطيع أن تواجه التناقض الذي يلاحقها منذ تأسيسها؟ كيف يمكن لدولة أن تقدم نفسها بوصفها واحة للديمقراطية، فيما تحرم شعبًا آخر من الحرية والمساواة وتقرير المصير؟

وفي الجانب الآخر من المرآة، يفرض التاريخ سؤالًا لا يقل إلحاحًا؛ هل نستطيع نحن أيضًا أن نخرج من هيمنة الشخص إلى رحاب القضية؟ ومن أزمة الحكم إلى إعادة بناء النظام السياسي؟ ومن حماية السلطة إلى حماية الوطن؟ فالتاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة. لكنه أحيانًا يملك حسًا ساخرًا لا يرحم. وربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي؛ هل ستجري إسرائيل انتخاباتها؟ بل، ماذا يبقى من الديمقراطية حين يصبح بقاء الشخص هو القضية؟

عندها فقط تظهر المفارقة السيامية: مساران لم يولدا من رحم واحد، ولا يحملان المشروع نفسه، ولا يبرر أحدهما الآخر. لكنهما قد يبلغان، من طريقين مختلفين، المأزق نفسه حين يعجز النظام عن الانفصال عن رأسه. وهذه ليست سخرية السياسة فحسب. إنها سخرية التاريخ.

>