
2026-06-08 09:07
يبدو ان التصعيد الاخير بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وإيران، يشير بأن نتنياهو يعيش اليوم واحدة من أكثر لحظاته السياسية تعقيداً وارباكاً؛ فالرجل الذي راهن طويلاً على القوة العسكرية كأداة لحسم الصراعات وفرض الوقائع، يجد نفسه محاصراً بنتائج لا ترقى إلى مستوى الأهداف التي أعلنها، ولا إلى حجم الكلفة التي دفعتها المنطقة بأسرها.
ففي غزة، وبعد شهور طويلة من الحرب والتدمير والعمليات العسكرية المتواصلة، ما زالت الأسئلة الجوهرية مطروحة دون إجابات حاسمة: أين النصر الذي وُعد به الإسرائيليون؟ وأين الإنجازات الاستراتيجية التي بررت استمرار الحرب؟ لقد تحولت المعركة من مشروع حسم سريع إلى استنزاف مفتوح، تتزايد فيه الكلفة السياسية والأمنية والإنسانية يوماً بعد يوم.
أما في الجبهة الشمالية(لبنان)، فلم ينجح نتنياهو في فرض المعادلات التي تحدث عنها مراراً. وبدلاً من استعادة صورة الردع الإسرائيلية، برزت حقائق جديدة تؤكد أن المنطقة لم تعد تستجيب لمنطق التهديد وحده، وأن موازين القوى باتت أكثر تعقيداً من أن تُحسم بخطابات القوة أو باستعراض القدرات العسكرية، وفي قلب هذه التحولات برزت إيران باعتبارها نموذجاً مختلفاً عن كثير من الخصوم الذين اعتادت إسرائيل التعامل معهم، فطهران لا تكتفي بإعلان حقها في الرد، بل تمارس هذا الحق كلما رأت أن مصالحها أو سيادتها تعرضت للاستهداف، وقد أظهرت المواجهات الأخيرة أن سياسة التهديد لم تعد كافية لإخضاع الخصوم أو ردعهم، وأن الحسابات العسكرية أصبحت أكثر كلفة وتعقيداً مما كان يتصوره نتنياهو.
اللافت أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يتحدث أحياناً عن فرص للتفاوض أو ترتيبات امنية وسياسية، لكنه في الوقت نفسه يواصل إنتاج أسباب التصعيد. فكيف يمكن بناء سلام في ظل توسيع دائرة المواجهة؟ وكيف يمكن إقناع العالم بجدية المسار السياسي بينما تستمر لغة القوة باعتبارها الأداة الوحيدة لإدارة الصراع؟ وبدا كالثعلب المراوغ مدعياً مفاوضات تؤسس لسلام، لكنه يركز اكثر على الملف الامني لا السياسي، حيث الملف الامني يؤسس لاستقرار نسبي محدود وليس دائم قد يدفع المنطقة وخاصة جبهة لبنان للاشتعال مجددا، كما يعمل على تقليل وتأخير اهمية حسم الملف السياسي اولا ؛ تهرباً من استحقاقات والتزامات سياسية بضغط دولي لجهة الحقوق اللبنانية وعلى راسها (الانسحاب الكامل حتى من مزارع شبعا وترسيم الحدود بما فيها المائية والحقوق اللبنانية على حقول الغاز على ساحل لبنان – حقل كاريش ).
هذا التناقض يكشف أزمة أعمق من مجرد خلاف حول التكتيكات العسكرية؛ إنه يعكس مأزقاً سياسياً شخصياً يواجهه نتنياهو، فالرجل يدرك -وهو على ابواب الانتخابات العامه - أن توقف الحرب قد يفتح أبواب المساءلة الداخلية حول الإخفاقات الأمنية والسياسية، وقد يعيد طرح الأسئلة المتعلقة بمستقبله السياسي عدا عن ملفات الفساد وازمات مثل تدميره الجهاز القضائي وتجنيد الحريديم؛ لذلك يبدو أن استمرار التوتر يمنحه هامشاً للمناورة أكثر مما تمنحه التسويات السياسية.
ففي الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث يقترب موعد الانتخابات العامه، تتسع الفجوة بين نتنياهو وقطاعات متزايدة من المجتمع، فالمعارضة تزداد قوة، والاحتجاجات لا تتوقف، وعائلات الجنود القتلى والجرحى ترفع صوتها بصورة غير مسبوقة، فيما تتصاعد الانتقادات من شخصيات أمنية وعسكرية ترى أن الحكومة تفتقر إلى رؤية واضحة للخروج من الأزمة.
اليوم، تبدو صورة نتنياهو أشبه بصورة صواريخه؛ ترتفع في السماء محدثة ضجيجاً هائلاً، لكنها تعود سريعاً إلى أرض الواقع حيث تنتظرها الأسئلة الصعبة والحقائق العنيدة. فالحروب قد تؤجل الأزمات، لكنها لا تلغيها، والتصعيد قد يغير المشهد مؤقتاً، لكنه لا يصنع انتصاراً دائماً.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى التهدئة ومنع انفجار المنطقة في حرب شاملة؛ فواشنطن تدرك أن مصالحها الاستراتيجية تتطلب احتواء الصراع لا توسيعه، وتفضّل الذهاب نحو ترتيبات سياسية وأمنية تقلل من احتمالات المواجهة الكبرى، لكن هذا التوجه يصطدم برغبة نتنياهو في إبقاء المنطقة على حافة الاشتعال، أملاً في تغيير الوقائع أو الهروب من استحقاقات الداخل.
وبين السماء والأرض، يتأرجح نتنياهو بين خطاب القوة وواقع العجز، وبين طموحاته السياسية وحدود ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه، أما المنطقة، فما زالت تدفع ثمن هذا التأرجح الذي لم ينتج حتى الآن سوى المزيد من التوتر وعدم الاستقرار.